قضايا و آراء

أليــــس فيكـــــم منــفـــق رشــيــــــد؟

أ. محرز بن عيسى /


ما أجمل ما رأيناه في هذه الأزمة الأخيرة من وجوه البذل والعطاء، تضامنا بين الأغنياء والفقراء، وتكافلا بين الأقوياء والضعفاء، وما أسمى ما شهدناه من سرعة في مساعدة الأطباء وتسارع في التكفل بالمعوزين والبؤساء، فهل بعد انقضاء هذه الأزمة ستتنوع أصناف العطاء إلى ما هو أهم من الأكل والشرب والكساء؟.
لقد أثبت أهل الخير والإنفاق أن قلوبهم على قدر كبير من الخير، وأنّ أنفسهم على قدر كبير من المسؤولية، ببذلهم ودعمهم للأطباء والطاقم الصحي في المستشفيات، عن طريق الجمعيات، أو عن طريق المساعدات التي تقدم للعائلات كقفة رمضان، فترى فيما ترى أن قافلة انطلقت من ولاية إلى ولاية أخرى محملة بكلّ أصناف المواد الغذائية، ومجموعة أخرى تساهم بدعم العائلات المحتاجة بقسيمة شراء تحفظ للنّاس كرامتهم، وجمعية هنا وهناك تحمّل شاحنات بمعدات ومستلزمات طبية للمستشفيات،ونداء من أحد الشباب بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي أن هلمّوا إلى إطعام الجياع، فترى الأموال تتهاطل عليه من ربوع الوطن كما تتهاطل عليه الإعجابات والتعليقات بالثناء والمدح والدعاء.
وإني قد تضاربت في نفسي -من هذا المشهد الجميل – مشاعر الفرح والحزن في آن واحد، بما كنا ولازلنا نعاني منه في أزمة هي الأشد فتكا بمجتمعاتنا من هذاالوباء، الذي ما يفتأ أن يغادرنا، ونعود إلى أصل أزمتنا التي هي سبب من أسباب تخلفنا، بل يُعدها الخبراء والمثقفون والعلماء المشخِّصون لوضع أمتنا بأنها من الأسباب الرئيسية، ألا وهي أزمة التربية.
فكم نادينا المحسنين والمنفقين بأن يغيثوا الأنفس من مجاعة الأخلاق، وأن يدعموا الشباب من السقوط في النفاق، وأن يسعوا إلى رفع الهمم وسقف الآفاق، لأنّ الشباب يغرق في أوحال الفراغ والكسل، وتصطاده الآفات الاجتماعية، وتتلقفه المخدرات والإدمان الإلكتروني…فهل إلى دعمكم من سبيل؟.
فما تكاد أن تعرض هذه المشاكل على المحسنين حتى “ينغضون إليك رؤوسهم” حزنا، فمنهم من يعيش هذا الواقع مع أبنائه ويتجرع مرارته مع عائلته، فيتحسر وينوح ويقول أصابني ما أصاب نوحا -عليه السلام- إلاّ أنّ العجيب أنّك إذا طرحت بعض البدائل وما أكثرها بأن ينفقوا معشار ما أنفقوا على هذه الأزمة الصحية العابرة -بإذن الله – كأن تبدي أهمية شراء أوبناء مخيم للشباب يُفرِغون فيه طاقاتهم بما يرضي الله، وبأن يكون مخيما يتعلمون فيه الالتزام والانضباط وحفظ القرآن، تراهم “..يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ..”[سورة محمد، الآية 20].
أو أن توضح أهمية إنشاء مدرسة بغرض تربية أبناءالأمة على الأخلاق والدين والقيم، وبطاقم شباني عامل في هذا المشروع يضمن به قوته ويعين به نفسه، والشباب على هذا حفيظ عليم، فتلحظ من ملامح هؤلاء المحسنين تعجبا وكأن لسان حالهم يقول:”أصلاتك تأمرك بهذا؟”، وأما آخرون فتفهم من لحن القول أفكارهم تقول:”إنا لنظنك كاذبا”.
فإذا أعدت الكَرّة بدعائهم لمثل هذه الأصناف من العطاء،”لوّوا رؤوسهم” هربا “فلا تسمع منهم إلا همسا”.
وأنا ادعوكم من جديد أليس فيكم منفق رشيد؟.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com