أعلام

مؤلفــــون وكُتــــاب قــــرأت لهــــم واستفــــدت منهــــــم 13 الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله (1879-1973)

أ.د/ مسعود فلوسي* 

المفسر النحرير، والمحدث البارع، والفقيه المقاصدي المجدد، والأصولي البارع المسدّد، والأديب الضليع، والكاتب البليغ، الإمام العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور رحمه الله.
خلال سنوات دراستي الثانوية، كنت أتردد على فرع المؤسسة الوطنية للكتاب الكائن مقره في ممرات بن بولعيد وسط مدينة باتنة، وكنت أجد بين الكتب المعروضة مؤلفات تحمل اسم الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، كانت قد أصدرتها المؤسسة بالاشتراك مع الدار التونسية للنشر في تلك الفترة، أذكر من بين عناوين تلك المؤلفات: “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام”، “مقاصد الشريعة الإسلامية”، “تحقيقات وأنظار في الكتاب والسنة”، “النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح”، “كشف المغطى من الألفاظ والمعاني الواقعة في الموطأ”، وأجزاء متفرقة من تفسير “التحرير والتنوير”. لكنني لم أكن أهتم بتلك المؤلفات ولم أفكر في شرائها لقراءتها، لأنني عندما تصفحتها أول مرة وجدتها صعبة للقراءة بسبب اللغة العالية لمؤلفها والتي لا تسمح لمن كان في مثل سني ومستواي الدراسي في تلك المرحلة أن يفهم موضوعاتها أو يستوعب ما فيها من معلومات.
ظلت علاقتي مقطوعة بمؤلفات الشيخ محمد الطاهر بن عاشور طيلة المرحلة الثانوية، وحتى نهاية المرحلة الجامعية، وعلى الرغم من أنني سمعت الأستاذ الدكتور عمار طالبي حفظه الله – في محاضرة ألقاها عليها حين زارنا لما كنا طلابا في السنة الأولى الجامعية (1987-1988) – يثني على تفسير التحرير والتنوير ويقول إنه من أفضل التفاسير في العصر الحديث، وأنه يرجع إليه كثيرا ويقرأ فيه، إلا أن انطباعي الأول عن مؤلفات الشيخ ابن عاشور بقي مانعا لي من التواصل مع مؤلفاته.
في السنة الأخيرة من المرحلة الجامعية درسنا مادة مقاصد الشريعة عند شيخنا الأستاذ الدكتور يوسف حسين أحمد الهندي حفظه الله، الذي حبب إلينا هذه المادة وحثنا على البحث والقراءة في مصادرها ومراجعها، ولم تكن هناك في الواقع مصادر أو مراجع للمادة سنة (1990-1991) سوى كتابي “الموافقات” للشاطبي و”مقاصد الشريعة الإسلامية” لابن عاشور، إذ لم تكن حينئذ قد ظهرت الدراسات والمؤلفات الكثيرة في مقاصد الشريعة المتوفرة اليوم.
كان لابد من التواصل مع كتاب “مقاصد الشريعة” للإمام محمد الطاهر بن عاشور ومحاولة فهم مباحثه وإدراك ما تضمنه من علم غزير وإضافات معرفية في مجال المقاصد، وفعلا مع القراءة المتكررة والحرص على الفهم تذللت لي لغة ابن عاشور وتيسر لي فهم عباراته، وهو ما جعلني أتشجع لأقبل على قراءة بقية مؤلفاته.
وهناك كتاب مهم جدا وقفت عليه في السنة الأخيرة من المرحلة الجامعية في إحدى المكتبات العامة بمدينة باتنة، وهو “حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح للقرافي”، وهو كتاب في أصول الفقه ألفه تعليقا وشرحا على كتاب “تنقيح الفصول” للإمام القرافي، وعلى الرغم من أن معارفي في علم أصول الفقه كانت جيدة حينئذ، إلا أني وجدت صعوبة بالغة في فهم موضوعاته لعلو لغته وعمق مباحثه، ومما زاده صعوبة أنه مطبوع على الطريق القديمة أي أن نص كتاب القرافي في وسط الصفحة ونص كتاب ابن عاشور على هامشها.
وعندما توليت تدريس مادة “مقاصد الشريعة” لطلبة السنة الرابعة فقه وأصول خلال الفترة الممتدة ما بين سبتمبر 1994 وجويلية 2002، ازدادت صلتي بمؤلفات الإمام ابن عاشور، خاصة منها كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية”، وكتابه “أصول النظام الاجتماعي في الإسلام”، ومما أعانني على الاستفادة أكثر من ابن عاشور رحمه الله؛ رسالة الماجستير للأستاذ إسماعيل الحسني المغربي التي نشرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 1995، بعنوان “نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور”، والتي وفرت لي مادة جيدة في المقاصد واسترشدت من خلالها على مواضع المادة المقاصدية في مؤلفات ابن عاشور وخاصة تفسيره “التحرير والتنوير”.
كان هذا التواصل مع ابن عاشور من خلال الكتابين المذكورين، سببا إلى أن تتوسع دائرة علاقتي به لتشمل بقية مؤلفاته، ومنها خاصة تفسيره الضخم والمتميز “التحرير والتنوير”، الذي قرأت الجزء الأول منه وقد تضمن عشر مقدمات في التفسير وعلوم القرآن، كما كنت أقرأ مواضع متفرقة من أجزائه الأخرى عند الحاجة إلى تفسير آية معينة أو مجموعة آيات من كتاب الله عز وجل.
أتيح لي بعد ذلك أن أقف على كتابه “تحقيقات وأنظار في القرآن والسنة” الذي وجدته عند أحد الأصدقاء فاستعرته منه وقرأته، وقد تضمن بحوثا للشيخ رحمه الله حول آيات وأحاديث مشكلة، كما تضمن مباحث أخرى لها صلة بالسيرة النبوية الشريفة وكتاب الموطأ للإمام مالك ومبحثا ضافيا في شرح حديث تجديد الدين.
كما قرأت كتيبه الموجز “نقد علمي على كتاب الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق، ومنهجه فيه قائم على إيراد فقرة من كلام المؤلف أو تلخيص فكرة من أفكاره وتحديد الصفحة التي وردت فيها، ثم نقضها مباشرة والاكتفاء بذلك، دون الخوض في قضايا جانبية أو الاستطراد إلى موضوعات متصلة.
وقرأت كذلك كتابيه الموجزين: “موجز البلاغة” و”أصول الإنشاء والخطابة”.
ومما قرأته أيضا كتابه “أليس الصبح بقريب: التعليم العربي الإسلامي”، الذي عالج فيه قضايا التربية والتعليم في الإسلام، وتطور مدارس التعليم ومناهجها وطرقها في مختلف الأقطار الإسلامية عبر التاريخ، وتحدث عن التعليم في جامع الزيتونة والعلوم التي تدرس فيه والمشكلات التي كانت تواجهه، ثم تناول الإصلاح التربوي والتعليمي المنشود وكيف يمكن تحقيقه.
وعندما صدر كتاب “محمد الطاهر بن عاشور” للشيخ محمد الحبيب بن الخوجة رحمه الله في ثلاث مجلدات في طبعته الأولى سنة 2004، سارعت إلى شرائه والعكوف على قراءته، حيث إن المجلد الأول منه كان بعنوان “شيخ الإسلام الإمام الأكبر محمد الطاهر بن عاشور” وهو ترجمة وافية للإمام بقلم تلميذه الشيخ ابن الخوجة، والمجلد الثاني دراسة وافية للعلاقة بين أصول الفقه ومقاصد الشريعة بعنوان “بين علمي أصول الفقه والمقاصد” من تأليف الشيخ ابن الخوجة، أما المجلد الثالث فهو دراسة وتحقيق لكتاب “مقاصد الشريعة الإسلامية” للإمام محمد الطاهر بن عاشور. وهذا الكتاب بأجزائه الثلاثة كتاب ماتع متميز ويعتبر من أفضل ما خدم به تراث الإمام ابن عاشور رحمه الله.
ظللت بعد ذلك أبحث عن مؤلفات الشيخ ابن عاشور الأخرى وأسعى إلى الحصول عليها وقراءتها، فتحصل لي منها كتاباه: “النظر الفسيح عند مضايق الأنظار في الجامع الصحيح”، و”كشف المغطى من الألفاظ والمعاني الواقعة في الموطأ” بعد أن نشرتهما دار السلام في القاهرة بالتعاون مع دار سحنون في تونس، إضافة إلى الكتاب المتميز ذي الأربع مجلدات الذي جمعه ونشره الأستاذ محمد الطاهر الميساوي سنة 2015 بعنوان “جمهرة مقالات ورسائل الشيخ الإمام محمد الطاهر ابن عاشور” حيث أثرى به تراث الإمام ابن عاشور من جهة وقدم خدمة جليلة للباحثين في هذا التراث من جهة ثانية.
وآخر ما حصلت عليه وقرأته من مؤلفات الإمام رحمه الله كتاب “السيرة النبوية: قصة المولد”، الذي أعادت نشره دار السلام سنة 2018.
هذا وللإمام مؤلفات أخرى عديدة في الأدب والشعر واللغة أعيد طبعها في دار السلام بالقاهرة وأصبحت منتشرة ومتوفرة في المكتبات في السنوات الأخيرة، إلا أني لم أشتغل بقراتها، ليس لعدم أهميتها أو لخلوها من الفائدة، وإنما لأني لم أجد في نفسي داعيا للإقبال عليها.
أما ما كتب عن الإمام رحمه الله، فهو دون الحصر وفوق العد والإحصاء، فهناك المئات من الكتب والرسائل الجامعية وبحوث المجلات العلمية ومقالات المجلات الثقافية كتبت ونشرت عن الإمام رحمه الله في مختلف بلدان العالم الإسلامي، خاصة خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1990-2020) التي ازدهرت فيها حركة البحث العلمي في العلوم الإسلامية والعربية، حيث حظي تراث الإمام ابن عاشور باهتمام واسع وفريد من نوعه من قبل الباحثين الذين أقبلوا عليه درسا وفحصا وتمحيصا وعرضا ونقدا، حتى إنهم لم يتركوا مجالا من مجالات اهتمامه إلا درسوه وبحثوه، سواء كان متعلقا بالعقيدة أو الفقه أو الأصول أو المقاصد أو التفسير أو القراءات القرآنية أو الحديث أو النحو أو الصرف أو البلاغة أو النقد الأدبي أو التربية والتعليم.
أذكر من أهم ما كتب عنه: كتاب “شيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور- حياته و آثاره”، للدكتور بلقاسم الغالي رحمه الله، الذي يعتبر من أوائل المؤلفات عنه، وقد صدر عن دار ابن حزم في بيروت سنة 1996.
وكتاب: محمد الطاهر ابن عاشور علامة الفقه وأصوله والتفسير وعلومه”، للأستاذ إياد خالد الطباع، الذي أصدرته دار القلم في دمشق ضمن سلسلة “علماء ومفكرون معاصرون” سنة 2005.
وكتاب: “الشيخ العلامة محمد الطاهر ابن عاشور مفتي تونس الأشهر فيما نشر له من الفتاوى خلال القرن الرابع عشر الهجري”، للدكتور محمد السويسي العباسي التوزري.
كما عقدت عدة مؤتمرات أفردت للبحث في تراث الإمام ابن عاشور ودراسة جهوده العلمية والإصلاحية، منها مؤتمر “الشيخ الطاهر بن عاشور وقضايا الإصلاح والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: رؤية معرفية ومنهجية” الذي جرت وقائعه في المغرب سنة 2009، وصدرت أعماله الكاملة في كتاب عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة 2011.
أما الرسائل الجامعية فهي كثيرة جدا، أذكر هنا أن أول رسالة علمية أشرفت عليها كانت بعنوان “مقصد الحرية عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور” وقد نالت بها الأستاذة حبيبة معنصر درجة الماجستير من جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة سنة 2004، ثم الرسالة التي أعدها تحت إشرافي الأخ الفاضل الأستاذ محمود باي رحمه الله وكانت بعنوان “مقصد حفظ العقل عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور”، واستحق بها درجة الماجستير من كليتنا سنة 2006. كما أذكر رسالة الدكتوراه للدكتور محمد حسين أبو شهاب الدين التي كنت أحد أعضاء لجنة مناقشتها في كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر سنة 2005. وغيرها من الرسائل الكثيرة التي أعدت ونوقشت في مختلف جامعات البلاد العربية والإسلامية.

* أكاديمي وباحث، عميد كلية العلوم الإنسانية والإسلامية .عضو الهيئة العلمية العليا لجمعية العلماء .
كتبه بباتنة، في: الأربعاء 6 رمضان 1441هـ/ 29 أبريل 2020م

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com