عين البصائر

واعبـــــد ربّـــك حتـــى يأتيــــك اليقيــــــن

أ. جمال غول /

 

بانقضاء شهر رمضان المبارك يكون قد أُسدل السِتار على موسم من أعظم مواسم الخير والبركة، وممّا لا شك فيه أنّه ستتبعه مواسم أخرى ويرجع الموسم نفسه في قادم السنوات ما استمرت الحياة، وأمّا ما لا يخلو من شك فهو مدى إمكانية بقائنا إلى تلك المواسم، فذلك غيب لا يملك الإطلاع عليه إلاّ العليم الخبير (فلا تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت).
وسنّة الله جارية في خلقه أن يتعرض لنفحات الله تعالى في هذه المواسم خلق كثير يجعلون منها فرصة للتقرب إلى الله تعالى بمختلف الطاعات والقربات ويهجرون المعاصي والموبقات عسى أن يصيبهم منها نفحة فلا يشقون أبد الدهور والسنوات كما بشر بذلك البشير النذير عليه أفضل السلام والصلوات.
وممّا يَحزُّ في النفس ويبعث الآلام في القلب أن تجد صنفا من النّاس (قل أو كثر) ممن اجتهد في هذه المواسم سرعان ما ينقلب على أعقابه بمجرد انقضاء تلك المواسم كأنه كان يعبد الله على حرف ودخل في عطلة تعبدية تسمح له بالانقطاع عن أداء الواجبات في وقتها أو الحفاظ عليها بأقل مقدار كالصلوات والتلاوات والصدقات -فريضة كانت أو نافلات – أنى يغيب عن هؤلاء أن من علامات قبول طاعاتهم في مواسم الخير والبركة أن يُوفّقوا لعمل صالح بعدها لا أن ينقطعوا عنه؟ أم غرَّهم الشيطان ببعض أعمالهم؟.
فكيف لمن دأب على أداء الصلوات في وقتها جماعة في رمضان، أن يتنازل عن ذلك الفضل في شوّال وتنحط همته فيؤديها فذا وربما بعد خروج وقتها؟.
وهذا الذي ختم القرآن في الشهر المبارك ختمة بل ختمات، ما باله بعد ذلك يهجر كلام رب العالمين وما فيه من خير عظيم، أما يخشى أن يكون ممن عناهم النّبي -صلى الله عليه وسلم – بشكواه؟ (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) نعوذ بالله من الهجران بعد الوصال.
وكيف بمن كان لسانه رطبا بذكر الله تسبيحا وتكبيراً واستغفارا وصلاة على النّبي -صلى الله عليه وسلم – أن يتثاقل لسانه عن ذلك ويتكاسل؟.
وكيف بمن جاد بماله على الفقراء والمساكين وأنفق أناء الليل والنهار في رمضان أن يقبض يده ويغلها إلى عنقه ويبخل عن نفسه؟.
وممّا يبعث على الأسى وكثير الشجى أن تجد صنفا آخر ممن طلّق بعض ما أُشرب عليه قلبه من المعاصي وسيئ العادات طلاقا بائنا، يرجع في طلاقه ويُعاقر معاصيه من جديد وربما معاقرة أشد ممّا مضى عياذا بالله. أما علم هؤلاء أن من علامات التوبة الصادقة الإقلاع عن السيئات؟.
فكيف بمن كان تاركا للصلاة ووُفّق في رمضان لعناقها والتلذذ بها ليله ونهاره،أن يقبل بالرجوع إلى الجاهلية التي تقطع صلته بربه و خالقه سبحانه؟.
وكيف بمن منَّ الله عليه وعافاه من آفة التدخين والتبغ عموما، فانقطع عنها طيلة شهر كامل أن يرجع ليكون فريسة إدمان من جديد؟.
وكيف بمن تصالح مع نفسه وأعاد علاقات الرحم والقرابة إلى مجراها الصحيح في شهر رمضان، أن يُعكّر صفوها ويُكدّرها مرة أخرى وهو لا يدري لعلّ الموت يكون أقرب إليه أو إليهم من شراك النعل؟.
إننا بحاجة إلى أن نفهم قول الله تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) الفهم الصحيح لا الفهم السقيم الذي فهم منه أن العبد يمكنه أن يستعني عن عبادة الله إذا وصل إلى مستوى معين من العبادة!.
في حين أن الفهم الصحيح كما فهمه سلفنا الصالح وكلّ صاحب فهم صائب، أن العبد مطالب بعبادة ربه حتى يأتيه الموت الذي يسقط معه التكليف ويلقى ربه تعالى غير مُبدِّل ولا مُغيِّر.
ولا سبيل لنا جميعا إلاّ أن نعمل لنكون ربّانيّين لا رمضانيّين، وذلك بأن نجتهد في العمل والتعبد لله رب العالمين في كلّ الشهور، مستعينين به تعالى على تثبيتنا على طريق طاعته ودرب نبيّه عليه الصلاة والسلام، ولنتدبّر وصيّته الحانية لكل واحد منا من خلال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) رواه أحمد و أبو داود.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com