على بصيرة

ويل للتاريخ… من تزييف التاريخ/ د، عبد الرزاق قسوم

بعد زمن السطو في جزائرنا المحروسة، على الممتلكات والمحلات، ووضع الأيدي على الغالي من المجوهرات والمدخرات.

وبعد زمن الزهو واللهو بالمطربين والمطربات، والعجز عن تحقيق العالي من الغايات، لقصور في المواهب والملكات، أو الإعاقة في العضلات والحركات.

بعد هذا كله يأتي اليوم، زمن القفز على الحقائق التاريخية، وتزييف الوقائع والمعلومات. غريب –والله- ما يطالعنا به الواقع الجزائري كل يوم، من تنصيب، من هب ودب، لنفسه مؤرخا، يركب منبر الابتلاء والجهاد ويقصي غيره من خيرة العباد، إما بحقد دفين في قلبه، أو لنفس تعاني من أنواع العقد والكساد.

لقد سبق وأن نبهنا، أكثر من مرة في هذا الموقع من البصائر، بأن التاريخ علم ككل العلوم، لا يرقى إلى تحصيله إلا من سهر الليالي، وأخذ بناصية المنهج في التحلي بجملة من القواعد بنشدها علم التاريخ، وأهمها:

  • التحصيل العلمي، الكفيل بالتحكم في فن استقاء الخبر، وحسن التعامل معه، بالتدقيق والتحقيق، والغربلة، والتصفية، وعرض ذلك كله على ميزان العقل السليم، والمنطق القويم.
  • النزاهة في التعامل مع الخبر، بحيث لا يوظف الخبر –بدون حق- لتحقيق شهرة، أو كسب مصلحة، ولو بالدوس على القيم، والأخلاق، والمبادئ.
  • الموضوعية في استنباط الحقائق التاريخية، فقد وضع لنا المؤرخون، وعلماء الحديث منهجا دقيقاً، لنقل الخبر أو الحديث، فحددوا لنا منهج الجرح والتعديل، ليتبين الغث من السمين والفاسد من الصحيح.
  • التخلص من الطريقة العنيفة في سرد الحقائق التاريخية التي تسلط الضوء على شخص بعينه، وجعله بطلا وحيدا، تدور حوله كل الأحداث ولو كان فاشلا في حياته.

فما لهؤلاء القوم من مختلف التيارات والثقافات، والإيديولوجيات، يسعون إلى الهيجاء بدون سلاح، ويركبون الحصان التاريخي بلا زاد أو عتاد؟

نرثى –والله- لبعض الذين يحشرون أنوفهم، في مجال التاريخ، وهم ليس لهم مثقال ذرة من منهجه، ولا يملكون من قطمير، والأنكى أن يزكيهم بعض مرضى النفوس، من المشبوهين في سلوكهم، وتصرفاتهم، دون وازع أو خلق.

نقول هذا أمام شلال يمطرنا به كل يوم الإعلام، بكل مستوياته من رفع هذا، وخفض ذلك، بالاستناد إلى أمزجة مريضة، ونفسيات معاقة معقدة.

والمؤلم حقا، أن هذه اللوثة التاريخية، لم تعد مقتصرة على الساسة الحزبيين الذين لهم حسابات عصبية دفينة، فيخرجوا أضغانهم لتصفية الحسابات القديمة، بل إننا نجد بعض المحسوبين حتى على الثقافة العربية، يخوضون مع الخائضين في هذا البحر المتلاطم الأمواج. والأدهى أيضاً، أن يدخل البحر، بلا أدنى أداة للسباحة، بعض الأجانب عن الجزائر، ليخوضوا بجهل كامل، غمار التاريخ، فنجدهم يصنفون هذا العالِـم أو ذالك، وفق أهواء لا يسندها أي سند علمي، ولا أي وازع أخلاقي.

إن مثل هذا التلبيس على الأجيال الصاعدة باسم التاريخ، وتاريخ الجهاد الثوري الجزائري بالذات، ليمثل عدواناً سافراً، على العِلم، وعلى العقل، وعلى الذاكرة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على نقص في هؤلاء المؤرخين المزيفين، الذين لا يجدون إلا التاريخ ليكملوا به نقصهم، ويصنعوا لأنفسهم مجدا، وإن فاقد الشيء لا يعطيه كما يقول المثل العربي.

هل من الموضوعية التاريخية، أن نقدم على عمالقة صنعوا التاريخ، وأبلوا بلاء حسناً فيه، فنقزمهم، لنرفع على حسابهم من لم تكن له شعره أو بعرة في مجال التاريخ.

إن التاريخ الجزائري، عبر أحقابه وكل أزمنته، قد كان نسجاً من المعاناة، بالعرق والأرق، والهم والدم، والأقوال والأعمال. كما أن فصول التاريخ، قد صنعت داخل الوطن لا خارجه، ومن لم يذق ذل المعاناة الداخلية طوال المحنة، ساعة، عاش غريباً، عن هذا التاريخ.

إن صناع التاريخ في الجزائر، هم من يدركون، بأن هذا التاريخ سلسلة حلقات، فإذا أخذنا على سبيل المثال الحلقة الأهم وهي الحلقة الثورية المضيئة، تبين لنا أن الحلقات متصلة بعضها ببعض، فإذا جاء من يزوّر ولو حلقة واحدة من حلقاته، ويضعها لبنة لبناء أمجاده الخاصة على ذلك، نقول له خسئت، فأنت أجنبي عن الجهاد، وعن الثورة، ولا يستحق لقب المجاهد الحقيقي إلا من عاش داخل الوطن، أو من كان على حدود الوطن، يحرسه بالسلاح والعتاد، أو سلاح العلم، أو سلاح البندقية.

وإن من المضحكات المبكيات في جزائرنا المحروسة، أن ينبري اليوم، من لم يعرف أي معنى للمعاناة، فيمنح نفسه كل أنواع النياشين، والألقاب، وما درى هؤلاء أن التاريخ مصفاة، يسقط منها الساقط ولا يبقى إلا الصحيح.

فعندما نجد من المؤرخين من يتهم العلاّمة محمد البشير الإبراهيمي، بمعاداة الثورة وموالاة المستعمر، نرثى له، ولجهله بالواقع، وإلا لو كان يملك مثقال ذرة من العلم لكفته عبارة واحدة من الإبراهيمي، وهي قوله: “إن الاستعمار شيطان، وإن الشيطان لكم عدو، فاتخذوه عدواً”.

أيكون من يقول هذا موالياً للمستعمر؟ مساكين والله، هؤلاء الذين خلا لهم الجو، فهم يمنحون أنفسهم شتى الألقاب الجهادية بغير حق، ويلبسوا على من يحسدونهم لقصور في إمكانياتهم، كل أنواع التهم، ظلما، وهم بذلك إنما يظلمون أنفسهم، ويكشفون عن جهل مركب فيهم، شفاهم الله منه.

إن الجهاد –يا إخوتي- أعمال لا أقوال، أو أقوال تصدقها أعمال، فلو استنجدنا بأصغر طفل في الثورة، وليكن على سبيل المثال طفل من حي بئر مراد رايس، لأتى بالعجب العجاب من الشواهد، فأطفال ذلك الحي، وقد أصبحوا اليوم رجالاً، وفيهم ابن الشهيد، وابن المجاهد، والمجاهد نفسه يرددون أصداء الجو الذي كان سائداً آنذاك. مثل النشيد الذي يحفظه كل تلاميذ مدرسة السنية التابعة لجمعية العلماء في بئر مراد رايس، ومنه:

يوم ندعى للجهاد     نصبح الجند الشداد

ونؤدي للبلاد          كل حق مخلصين

قد حملت البندقية               ولها عندي مزية

فهي في الخطب بلية            تقتل الخصم المبين

إن  هذا المناخ الثوري الذي كان سائداً آنذاك، هو الذي هيأ للثورة عوامل الامتداد والانتشار، وحماها من الإعلام الفرنسي المضلل “كصوت البلاد” وغيره.

كما ضمن للثورة، المساعدات التي كانت تقدم لأسر المجاهدين، والشهداء، والمساجين، وشهاداتهم لا تزال حية إلى اليوم.

فيا قوم، دعوا التاريخ الحقيقي، فأنتم تجهلونه، ولستم له أهلا، واتركوه للذين كتبوه، ولا يزالون يكتبونه بدموع الألم والمعاناة، أما الوافدون على التاريخ، والسابحون على هامش النهر، فإننا نقول لهم: يرحمكم الله أيها المزيفون للتاريخ.

وليخش هؤلاء من لعنة التاريخ، ومن غضب الله، فإن عقاب الله شديد، وويل لهم مما كتبت أيديهم، وويل لهم مما سيحصدون من ويلات التاريخ.

وقديماً قال الشاعر:

إذا جار الأمير ونائباه      وقاضي الأرض أحجف في القضاء

فويل، ثم ويل، ثم ويل     لقاضي الأرض من قاضي السماء

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com