في رحاب رمضان

تأثيـر كــلام الصائم على صـــومــــه

الشيخ العابدين بن حنفية /

كل كلام لا يحتاج إليه الصائم يؤثر على صومه، فيذهب بأجره، أو ببعضه، وأخف الكلام ضررا اللغو، وهو كل ما لا يعتد به من القول وغيره، وما لا يحصل به نفع، وفي الحديث: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين»، أي تطهيرا لنفس الصائم منهما، والرفث هنا هو الكلام الذي يستحيى من إظهاره، واللغو يطلق على القول القبيح أيضا، لكن العطف يقتضي المغايرة.
وأعلى ما يؤثر على سلامة الصوم قول الزور، ولهذا خص بالذكر في الحديث، وقد فسر بالكذب والباطل، وقد قيل: «إن الزور أصل الفواحش، ومعدن النواهي، بل هو قرين الشرك»، ولذلك رتب عليه وعلى العمل به حرمان الصائم من أجر صومه.
لكن أصل الزور في اللغة يشمل كل قول مائل عن الحق، والميل دركات، فيدخل فيه اللغو، ويدخل السفه، ومعناه الخفة والسخافة، وهو الجهل أيضا، ويدخل الصخب، وهو رفع الصوت، وكلها جاء النهي عنها، فتأمل هذا المرتقى الذي يراد لك أن تبلغه بصومك، ولهذا لقنت أن تقول إني صائم لمن جهل عليك، تذكره وتذكر نفسك.
ومما يدخل في الزور ما تحصده الألسنة وقد كثرت أسماؤه، ومنه الغيبة والنميمة والاستهزاء والسخرية والسب والشتم والهمز واللمز.
وقد دل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وهل يكب الناس على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»؟ أن أكثر ما يدخل الناس النار نطق اللسان، وفي الحديث الآخر: «أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق، وأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج»، وقد كان بعض الأئمة يتحفظ من الأنين خشية أن يكون شكوى فتكتب!!، فاجعل صومك يا عبد الله جنة لك من هذه المهالك، حتى إذا انتهيت منه اكتسبت أخلاقا كريمة، وعادات حسنة.
وخير ما تستعين به على تقويم هذا الذي غلب على الناس الإكثار من ذكر الله، فلا يزال لسانك به رطبا، وما أمر الله بشيء في كتابه مقرونا بالكثرة كما أمر بذكره، وقال عن المنافقين: «ولا يذكرون الله إلا قليلا».
وقد كان يحصى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في المجلس الواحد مائة مرة: «رب اغفر لي وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم»، مع أنه لا يقول إلا حقا، وإذا جهرت أحيانا لتنبه الناس؛ فقد علمت خيرا، ونشرت برا، ولك في نبيك قدوة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com