شؤون اقتصادية

نظــــرة اقـتـصــاديـــة حــول معنـــى جـــواز زكـــاة الفطــر نقــــدا (1)

الطالب بندو عثمان /

تمهيد :
يرتكز الخلاف في موضوع زكاة الفطر في الجانب الفقهي بين مجيز لإخراجها نقدا ومانع لذلك، ولكن التشريع الإسلامي تشريع شامل لكل جوانب الحياة ومنها الجانب الاقتصادي، ولا شكّ أن تشريع زكاة الفطر من الطعام في العهد النبوي ثم تغيير ذلك فيما بعدُ يرتكز على جانب اقتصادي، ولفهم ذلك لابد من التعرّض للوقائع الاقتصادية لعهد النبوة وما قبله وما بعده، والتعرّف على مفهوم النقود وخصائصها، ثم الإجابة عن السؤال التالي: ما علاقة الجانب الاقتصادي بإخراج زكاة الفطر قوتا أو نقدا؟
أولا: مفهــــوم النقـــــود.
1) نشأة النقود: مع أنه لا خلاف أن الناس قد استعملوا النقود منذ فجر التاريخ إلا أنه لا ريب في أن المجتمع البشري قد عرف في بادئ الأمر نظام المقايضة ” أي مقايضة الأفرادِ السلعَ والخدمات فيما بينهم “.
أ) تعريف المقايضة: نظام المقايضة هو النظام القائم على تبادل المنتجات بمعنى تبادل السلع بسلع أخرى فضلا عن إمكانية تبادل الخدمات بسلع والعكس.
وكان هذا النظام قائما قبل تطور التجارة والصناعة حيث دعت الحاجة حينها إلى تطوير النظام النقدي، إذ أن المقايضة لم تعُد نظاما صالحا للاستخدام نظرا للصعوبات التي ارتبطت بها أهمها:
– صعوبة تحقيق التوافق المزدوج بين رغبات المتبادلين.
– غياب وحدة مشتركة للقياس فقد كان التجار المسلمون يتبادلون الملح بالذهب في السودان.
– صعوبة تجزئة السلع إذ لا يمكن تبادل شاة مثلا بكمية من القمح.
– صعوبة تخزين السلع.
فدعت الحاجة إلى التوافق على سلع معينة تستخدم كوسيط للتبادل للقضاء على عيوب المقايضة.
ب) النقود السلعيّة:
تعتبر النقود السلعية من أقدم أنواع النقود مثل الماشية، القمح، البن، الذهب، الفضة، وتكون قيمتها لأغراض غير نقدية تعادل قيمتها كنقود.
اختلفت النقود السلعية من مجتمع لآخر حسب ما ينتجه كل مجتمع: جلود، صوف، حبوب، معادن… لكنها تميزت بخصائص مشتركة أهمها أنها تحظى بالقبول العام ويمكن تجزئتها وحملها ونقلها.
ج) النقود المعدنية:
مع تطور التجارة الخارجية والانتقال من التبادل المحلي للسلع إلى التبادل العالمي احتاج الناس إلى نقود تكون أخف وزنا وأسهل حملا وأكثر قيمة ولا تكون عرضة للتلف في حال تخزينها مع سهولة تجزئتها، فاتخذوا من الذهب والفضة نقودا خاصة أنهما: يتمتعان بصفة القبول العام لدى جميع أفراد المجتمع ويصعب عن طريقهما الغش والخداع.
وقد اتخذت النقود المعدنية عدة أشكال هي:
– النقود الموزونة: فقد كانت النقود المعدنية توزن حسب القانون الروماني بواسطة ميزان خاص بالذهب، كما كان الصينيون يستعملون ميزانا يزن الفضة.
– النقود الحسابية: تطورت النقود الموزونة لتصير السبائك قطعا صغيرة ذات أشكال دائرية أو بيضوية يسهل حسابها واستعمالها، إلا أنها كانت تتعرض للغش بمزج معادن أخرى غير ثمينة مما استدعى تدخل الدولة.
– حينها ظهرت النقود المسكوكة أو المضروبة من طرف السلطان حيث احتكرت الدولة سك النقود ووضع صور أو رموز عليها فصار للنقود قبول عام وصارت تتمتع بالإجبار.
د) النقود الورقية: بعد تطور التجارة وتوسّعها والحصول على معادن نفيسة كبيرة قدم بها المكتشفون من العالم الجديد وإنشاء البنوك لحفظ النقود المعدنية ظهرت النقود الورقية لتسهيل التعاملات لكنها لم تعتبر ملزمة في التعامل حتى منتصف القرن التاسع ثم بدأت الدول تتدخل في الرقابة وتنظيم تداول الأوراق النقدية.
بعدها ظهرت النقود الائتمانية (المصرفية) على شكل حسابات جارية في البنوك يتم التعامل بها بالشيكات وبطاقات الائتمان ثم ظهرت النقود الالكترونية التي تستعمل في التجارة الالكترونية.
2) تعريــــف النقــــود: تعرّف النقود على أنها (كل شيء يلاقي قبولا عاما كوسيط للمبادلة ويستخدم لتسوية المدفوعات وإبراء الديون).
وتتمثل وظائف النقود في أنها:
– وسيط للتبادل.
– مقياس للقيمة.
– مستودع للقيمة أي وسيلة للاحتفاظ بالقيمة.
– أداة لتسوية المدفوعات الآجلة بما أن للنقود استقرارا نسبيا فهي تستخدم لتسوية المعاملات التي تنتج عنها التزامات وعقود تتضمن مدفوعات تسدد في المستقبل بوحدات نقدية
ثانيا: النقود في زمن النبوة.
عرف العرب قبل الإسلام النقود اليمنية والنقود الساسانية والنقود البيزنطية، وتعاملوا بها في مجال التجارة الخارجية وفي المدن، أما البدو في الجزيرة العربية فإنهم كانوا قانعين بطريقة التبادل والمبايعة.
ويدل هذا على أنه لم يكن للعرب نقود خاصة بهم إذ كانوا مجرّد قبائل ولم تكن لهم دولة أو سلطان يهتم بهذه الأمور (وكان العرب يتبايعون بالدنانير الذهبية على أنها تبر ويطلق عليها العين، أما الدراهم الفضية فيطلق عليها الورق، وجميع هذه النقود تجلب إلى الحجاز مع رجال القوافل التجارية من سوريا بالنسبة للدنانير والفلوس البيزنطية ومن العراق بالنسبة للدراهم الساسانية ومن اليمن بالنسبة للدراهم الحميرية).
ذكر غلبة التعامل بالمقايضة والنقود السلعية على التعامل بالنقود المعدنية في بداية العهد الإسلامي:
كان التداول بالنقود في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- قليلا جدا وكانت العرب تميل إلى استخدام المقايضة أو النقود السلعيّة خصوصا فيما بينها وذلك بسبب (عدم وجود دار لضرب النقود في الجزيرة فالمصادر التاريخية لا تخبرنا عن قيام أهل الجزيرة بضرب النقود، فلو كان التبادل النقدي يجري بشكل واسع لكانت هناك حاجة ملحة للنقود الأمر الذي كان سيدفع إلى ضربها وإنشاء دار لهذا الغرض في الجزيرة ).
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الاهتمام بالجانب النقدي بدأ في عهد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -: (توافرت النقود بعد الفتح الإسلامي ودعت الحاجة إلى تعديل وزن الدراهم الساسانية وهنا نستطيع أن نقول إنه بدأ تطوير النقود.
مرت حركة التطوير بمراحل عديدة من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عهد عبد الملك بن مروان الذي عرّب النقود تعريبا نهائيا بحيث تحررت النقود من جميع المؤثرات والرواسب القديمة).
وقد كان المسلمون الأوائل على خطى العرب يستعملون الذهب والفضة لتحقيق المزيد من الأرباح من خلال عملية الشراء والبيع فكانت الغاية هي الحصول على الذهب والفضة (لم يكونوا يطلبون الذهب والفضة لأنهما وسيلة مبادلة بل لأنهما ذهب وفضة فحسب) مثلما ذكر الدكتور نوري الخاقاني، ويضيف:
(ونظرا لتوافر الذهب والفضة على خاصية الدوام والثبات التي تجعلهما مناسبين تماما ليكونا أداة للادخار من خلال قيامهما الأمثل بوظيفة مخزن للقيمة فإنهم كانوا يقتنونهما للاحتفاظ بهما واكتنازهما لا لمبادلتهما بالسلع الأخرى إلا عند الاضطرار، فحيثما كان يمكن للمقايضة أن تجري فإن التبادل بواسطة الذهب والفضة يستبعد، أي أن استخدامهما في المبادلة كان هو الخيار الأخير الذي يلجأ إليه المتعاملون آنذاك).
ولهذا واجه القرآن الكريم اكتناز الذهب والفضة وحذّر منه وشدّد العقوبة ففي سورة التوبة: (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشّرهم بعذاب أليم يوم يُحمى عليها في نار جهنّم فتُكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون).
أريد الإشارة فقط هنا أن الاكتناز عند أغنياء المسلمين لم يمنعهم أبدا من أداء حقوق الله عز وجل من زكاة وصدقات، والقرآن الكريم توعّد الكانزين غير المنفقين، رغم أنّ أبا ذر الغفاري رضي الله عنه كان له رأي آخر في المسألة لم يوافقه فيه الصحابة وأهل العلم.
نستنتج من هذا التحليل أن المجتمع الإسلامي الأول كان يغلب عليه (طابع الاكتفاء الذاتي ولم يكن التبادل ليجري بشكل واسع إلا في عدد من الحواضر مثل مكة وحتى في هذه الحواضر فإن التبادل كان يجري بواسطة المقايضة على الأغلب).
ولعل الكاتب – نوري الخاقاني – هنا يقصد بالمقايضة ما عرّفناه سابقا بالنقود السلعية وهو ما أشار إليه في تحديد معاني النقود في الإسلام (هي الأثمان وهذا المعنى متفق عليه بين الفقهاء وإذا كان بعضهم قد ذهب إلى أن النقود هي أي شيء يتعارف عليه الناس، أي تركوا تحديدها للعرف ولم يقصروها على الذهب والفضة فإن ذلك لا يعني أنهم اختلفوا في تحديد الصفة أو الوظيفة التي يقوم بها الشيء ليعتبر نقدا في الإسلام وهو الثمنيّة، وإنما يعني أنهم لم يقصروا القيام بوظيفة الثمنية على الذهب والفضة فقط بل اعتبروا كل ما يصطلح عليه الناس للقيام بهذه الوظيفة من قبيل النقد أيضا).
وهذا التحليل مناسب لما كان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم – إذ ذكر الكاتب تغلّب التبادل السلعي على التبادل بالنقود المعدنية.

يتبع

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com