مساهمات

خواطر في مقاصد الصيام (1)

أ. خليل عبد السلام /

إن علم المقاصد من أهم روافد الوعي إلى الذات الإنسانية، فهو يفعل الدين في النفس ويقوي تأثيره في الإدراك،وعمق النظرة المقاصدية يعطينا وعيا بحقيقة العبادات، يفعل دورها في النفس،ويعيد الفاعلية الحضارية للفكر الإسلامي.
إنّ الالتفات إلى المقصد مطلب شرعي ملح لإقناع العقل بخطة رشد للتغيير النفسي والاجتماعي والحضاري المطلوب، والخطاب المقاصدي هو المناسب للواقع العالمي الراهن، يخرج بعبادة الصيام من دائرة الفقهيات التقليدية الضيقة إلى أفقها الإنساني الواسع.
ومفهوم العبادات غشيته ترسبات كثيرة من الأخطاء الفكرية والعليمة والمنهجية عبر تاريخنا الثقافي، مما أدى إلى عطالة العقل وعدم فاعلية العبادات وتوقف تأثيرها في النفس.
ومفهوم العبادات في موروثنا الفقهي يوحي بتعطيل وظائف العقل،فهي أفعال مبهمة غير معقولة المعنى، بينما العبادة هي فعل عقلي بامتياز، فهي عملية تفكر وتدبر وتأمل ورياضة فكرية وروحية عالية.
فإذا كانت الوثنية هي عملية تعطيل للعقل، فإن العبادة جاءت لإخراج هذا العقل من دواعي الوثنية إلى التوحيد، باعتبار العبادة تمثل الوجه العملي لكلمة التوحيد.
ولا يوجد في الإسلام أمر غير معقول المعنى، بل كل تصرف سواء تعلق بالعادات أو بالعبادات، فهو معقول المعنى، فلم يكلفنا الله عزو جل بأمر يقهر العقول، ولقد أدرك البوصيري بنزعته الصوفية هذا المعنى حين قال:
لم يمتحنا بما تعيا العقول به
حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم.
ولهذا كانت عطالة العقل ضربا من الوثنية يحول دون تأثير العبادة في النفس.
ويبدأ ميلاد الإنسان بتسجيل حضور الفكرة الدينية في وجدانه، ومن هنا كان دور العبادات ضروريا في ميلاد الإنسان الذي يمثل العنصر الجوهري في بناء الحضارات الإنسانية، التي ولدت تحت سقف المعابد كما يقول الأستاذ مالك بن نبي.
والعبادات ليست مقصودة لذاتها، بل هي وسيلة لتحقيق مقصود أعلى هو الانسان، ولا يتحقق كمال ذات الإنسان إلا من خلال العبادات.
ولما تحولت العبادات إلى مقصود لذاته، أصبح من يأتيها معفى من التبعات الفردية والاجتماعية لما يقترفه من تخلف حضاري ما دام يقوم بواجب العبادة شكلا.
والمفهوم التقليدي للعبادة يعتبرها خدمة نقدمها لله، وليست خدمة نقدمها لأنفسنا، وهذا مفهوموثنييتناه الملحدون الذين يستثمرون في أخطائنا الفكرية، فهم يرون قربانا يتقدم به الإنسان إلى الله، كما يتقدم عبدة الأوثان والكهان بالقرابين الحسية ببن يدي الأصنام،وهذا المفهوم من الأسباب الرئيسية التي عطلت مفعول العبادة في النفس، وحالت دون تأثيرها في الضمير الإنساني.
ولما كان تأثير العبادة متعلقا بالمفاهيم التي يحملها العقل، أي بعالم الأفكار، فإن أي خلل يصيب العقائد يعود على العبادة بالخلل وتعطيل مفعولها في النفس، باعتبار العقائد تمثل المرجعية الأساسية لعالم الأفكار في العالم الإسلامي، ولذلككانت العبادات تمثل الوجه العملي لكلمة التوحيد.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com