الحدث

القرآن وســــؤال الـــوجـــــود (1)

د.كدير مراد /

الحمد لله الذي بلغنا شهر القران والإيمان والإحسان لنصوم يومه ونقوم ليله بتوفيق الله، فنعرج بالروح بالإيمان ونسرج العقل بالقرآن. ومن تيسيره لنا أن يكون هذا الشهر المبارك موعدا لانطلاق سلسلة “سراج ومعراج” سلسلة نسعى فيها لصناعة السراج المضيء لظلمات العقل والواقع الذي ينقل الأمة وينتقل معها من الظلمات إلى النور،من ظلمات المعرفة الواهمة والجهل المركب إلى اليقين القراني والعلم الرباني، عساها تكون سراجا وهاجا يقود الأمة نحو الفهم والصواب، سراج يضاء بزيت المعرفة والوعي والفهم ليصنع قناديل تنهض بالأمة نحو غاية وجودها وهي معراج ينطلق من التدافع مع النفس وتحريرها لتكون مرتبطة باللدن الرباني فتعرج عبر مدارج السالكين لرب العالمين قيما وسلوكا وايماتا تحقيقا للإخلاص والإيمان والإحسان.
ضاعت البشرية في وهم المعرفة والجهل المركب في القرن السادس ميلادي وطوال القرون الستة التي أتبعت بعثة ثلاثة أنبياء دفعة واحدة لتعلن عن الاستبدال التام لقوم فشل في تحقيق غاية وجوده في الأرض فاستحق الهامش الأبدي ومؤخرة الركب الحضاري بما كسبت يداه وأذن الله بإخراج أمة جديدة تنال الخيرية وتحقق الإمامة وتنشد الظهور على الدين كله.
أنزل الله القران الكريم على البشرية في لحظة تاريخية مصيرية، سادت فيها الخرافة وزاد عدد السحرة وعلا شأن الكهنة المشعوذين، واقع انتشر فيه التزييف والتحريف لرسالة الأنبياء الأطهار فحرفت قريش حنفية سيدنا ابراهيم وبدلت اليهود شريعة سيدنا موسى وغيّر قسطنطين عقيدة سيدنا عيسى. فتغيرت معها التصورات حول الذات والخلق والوجود والمقصد والمنقلب. واقع أصبح الدين المحرف المزيف أداة حكم وسيطرة (الزرداشتية المجوسية للدولة الساسانية الفارسية، والأرثوذوكسية النصرانية للدولة البيزنطية) أو أداة تجارة وسيادة واستعلاء (وثنية هبل ومناة وعزى في الحجاز ونجد في شبه الجزيرة العربية واستخدام الكعبة للتجارة وعلو قريش على القبائل العربية).
جاء القران موجها للعقل البشري السليم، مسددا له مؤيدا لإعماله في الحياة بما يجعل من العقل أداة علم ووعي ومعرفة تقوده نحو الرشاد والإيمان يقينا، بل كان أول وصل بين السماء والأرض بعد طول انقطاع كلمة إقرأ بما يدفع نحو العلم والمعرفة وتلاها مباشرة القسم الإلهي بالقلم وما يسطره من علم ومعرفة وفقه. أتى القران الكريم ليعيد تعريف الإنسان بذاته وكينونته وغاية وجوده، وليعيد ترتيب علاقته بخالقه وموجده وتصوراته حول ذاته والوجود المحيط به.
جاءت الايات والصور الأولى كالعلق والقلم والمزمل والمدثر والفاتحة لتبني خريطة معرفية جديدة للبشرية وتفكك التصورات الخاطئة حول الوجود والنفس البشرية والكون، نظرة تفكيكية كان ترى في الانسان أضعف حلقة في عالم الموجودات، بل تعطي للموجودات المخلوقات إرادة خاصة بها وصلت إلى حد التأليه، فأصبح الكون صراع إرادات بين الالهة، بل أصبح عالم الجماد يطلب وده وبركته ولما كان صامتا عاجز أن يتواصل مع غيره صنعوا له اداة تواصل ومترجمين ووسطاء كالكهنة والسحرة. لقد كان القران ثورة حقيقية على مظاهر الجهل المركب والمعرفة الواهية الواهمة التي تشدقت بها الشعوب البدائية فصنعت وعيا جديدا انطلق من مكة ينطلق من عقل مسدد مؤيد بالوحي السماوي ليصنع حضارة انسانية عالمية، يعطي فيها للانسان مركزية في عالم الموجودات تسخيرا وتعمييرا وتقديرا ويصور ببديع قدرة الله في الظواهر الطبيعية التي خصها الله عزوجل في القران الكريم بسور كاملة زينت عقول المجتمع الفتي في بداية الدعوة المكية وجادلت الاستكبار الجاهلي لتعطيه حجمه الذي ارتضاه بعبوديته لعالم المخلوقات، حضارة فتية جاءت بنظم جديدة نقلت البشرية من البهيمية إلى التكريم الالهي للإنسان من العدمية الى الغائية التي خلق من اجلها.. من هو الانسان، لماذا خلق؟ ماهي غاية خلقه؟ ماهي وظيفته في ألأرض أسئلة كبرى شغلت ولازلت تشغل عقل الانسان سميت بأسئلة الوجود نتكلم عنها في مقالنا المقبل ان شاء الله.
والله أعلم بمراده.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com