الحدث

أول من أرســـى إجــراءات الـحـجــر الصحــــي

د. موسى عبد اللاوي /

يشهد العالم إجراءات غير مسبوقة، بسبب فيروس صغير يُدعى «كورونا»، لا يُرى بالعين المجردة، تحوَّل إلى أكبر مشكلة صحية في تاريخ البشرية الحديث، مخلفا عدة أثار منها حجر صحي على مدن كاملة، ومنافذ برية مغلقة، ورحلات طيران متوقفة، ومؤتمرات وتجمعات ومهرجانات أُلغيت، ومسابقات رياضية عُلقت، وأحدث حالة فزع وقلق كبيرة في كل مكان في العالم…
فكيف تعامل رسول الله -صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام مع مثل هذه المواقف؟.
أولا: من تعاليم النبي -صلى الله عليه وسلم – حول النظافة الشخصية وإرشاداته إذا حل الوباء بأرض ما يلي:
بالعودة إلى السُّنة النبوية الشريفة نجد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم – كان الأكثر حرصًا على أرواح وصحة الناس، وهو أول من أرسى قواعد الحجر الصحي عندما أمر الناس بملازمة منازلهم وبلادهم في حال تفشى فيها وباء مثل الطاعون، وعدم مخالطة المرضى. و أوصي النبي- صلى الله عليه وسلم – بعزل المُصابين بالأمراض المُعدية عن الأصحاء وعدم الدخول إلى أرض بها وباء أو الخروج منها، وهذا الإجراء هو ما يعرف في قتنا الحالي بالحجر الصحي.
1/ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها»، وقال أيضًا: «الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف».
2/ ويُشار إلى ما رواه الشريد بن سويد الثقفي -رضي الله عنه – بقوله: «كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النّبي -صلى الله عليه وسلم:- «إنا قد بايعناك فارجع.»
أوصي النّبي- صلى الله عليه وسلم – بعزل المُصابين بالأمراض المُعدية عن الأصحاء فقال : «لا يورد ممرض على مصح»
ويؤكده حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عنِ النَّبِيِّ قَالَ: «إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا» متفقٌ عليهِ
3/ كما أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم – النائم فقال: «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُه».
4/ ومن أداب الأكل يقول الرسول –صلى الله عليه وسلم-: «بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعد».
إنَّ التزام النظافة الصحية، والحجر الصحي، أو ممارسة العزل الاجتماعي عن الآخرين؛ أملًا في الحيلولة دون انتشار الأمراض المُعدية، تُعد أكثر التدابير فعالية لاحتواء تفشي وباء فيروس كورونا الجديد.
وهذا ما أوصي به الرسول –صلى الله عليه وسلم – قبل 1400 سنة.
كما حث الرسول -صلى الله عليه وسلم-، البشر على الالتزام بعادات يومية للنظافة قادرة على حمايتهم من العدوى كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الطهور شطر الإيمان».
وفي حالة المرض يُسدي النبي -صلى الله عليه وسلم – إلى البشرية هذه النصيحة الذهبية فعن أسامة بن شريك -رضي الله عنه- قال: قَالَتْ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، إِلا دَاءً وَاحِدًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْهَرِمُ» رواه الترمذي.
فالإسلام دين جامع شامل لحياة البشرية؛ كما حث على تطبيق أحكامه حث أيضًا على اتباع الأسباب الاحترازية اللازمة لضمان أمن واستقرار وسلامة ورفاهية الجميع. فهو دين الفطرة السليمة.
والإسلام يوازن بين الإيمان والعقل، فكما أمر بالالتزام بالعبادات أمر بالالتزام بالقواعد الأساسية للعزل الاجتماعي، والحجر الصحي وتأصيل ذلك القصة التي رواها لنا الترمذي «أنَّه ذات يوم جاء أعربي يستشير النبي في أمر ناقته قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ قَالَ النبي –صلى الله عليه وسلم – «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّل».
وعلى النهج النبوي سار صحابة رسول الله الكرام -رضوان الله عليهم – فعندما ظهر الطاعون في الشام عام 18هـ ، وأراد خليفة المسلمين عمر بن الخطاب زيارة الشام، والتقى مجموعة من الأمراء على حدود الحجاز والشام، وأخبروه بانتشار المرض بها، تشاور مع مَن معه، وآثر عدم دخولها.
في حين رفض الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح الخروج من الشام، وقد كان واليًا عليها، عملاً بما جاء في حديث الرسول بعدم الخروج من أرض الطاعون، واعتقادًا أن في ذلك فرارًا من قدر الله، وقال حينها مقولته الشهيرة: «إني في جند المسلمين، ولا أجد بنفسي رغبة عنهم».
وحصد هذا الوباء وقتها أرواح نحو ثلاثين ألفًا من المسلمين، كما جاء في كتب التاريخ، واستُشهد إثره مجموعة من كبار الصحابة، من بينهم: أبو عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل
ولم يرتفع الطاعون إلا بعد تولي عمرو بن العاص الإمارة في الشام، عندما أخذ بنصيحة عمر بن الخطاب بالخروج بالناس إلى الجبال؛ لأن الطاعون لا ينتشر هناك؛ فخطب فيهم قائلاً: «أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال».
وبتلك الطريقة استطاعوا القضاء على الوباء الذي شكّل خطورة كبيرة على دولة الإسلام في تلك الفترة؛ وذلك أخذًا بأسباب الوقاية منه، والقضاء عليه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com