مساهمات

(بمناسبة الذكرى 80 لوفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس) الشيـخ عبد الحمـيـد بن بــاديس شــاعرا

عرض: أ. الأخضر رحموني

تناول الكتاب والباحثون شخصية الإمام عبد الحميد بن باديس ( 1889- 1940) من جوانبها المختلفة، وألفوا فيها الكتب والدراسات المتعددة ،فهو المصلح الديني والاجتماعي، والمربي المهذب، والمفسر للقران الكريم، والعالم الرباني، والرئيس القائد، والسياسي الثوري، والمفكر الواعي، والإنسان المحنك، والكاتب الملتزم، إلا أنهم لم يتوقفوا -وهم يترجمون لحياته الحافلة بجلائل الأعمال – عند محطة قصائده الشعرية باعتباره شاعرا أيضا، ما عدا التذكير في كلّ مناسبة تصادف ذكرى وفاته، أو عند الحديث عن تطور الشعر الجزائري، بقصيدته الخالدة التي يحفظ تلاميذ المدارس الجزائرية في الماضي والحاضر مقطعا منها، يتألف من 16 بيتا من بين 40 بيتا المشكلة للقصيدة، وهي المشهورة شعبيا وأدبيا ب (شعب الجزائر مسلم) خاصة بعد تلحينها وإنشادها من طرف الفرق المدرسية والفنية ولحماسة عباراتها،هذه القصيدة التي تم إلقاؤها لأول مرة في حفلة المولد النبوي الشريف في ربيع الثاني 1356الموافق لشهر جوان 1937 في كلية الشعب بمدينة قسنطينة – وقد أصبحت القاعة تحمل اسمه -، حتى أن الدكتور عبد المالك مرتاض قال عنها في كتابه (معجم الشعراء الجزائرين في القرن العشرين) في الصفحة 68 وهو يتناولها بالدراسة المعمقة (ولو لم ندرجه ضمن المائة شاعر وشاعرين وهو العدد الذي احتوى عليه هذا الكتاب من الشعراء الجزائريين لكنا كأنما لم نفعل شيئا، ذلك بأنا نعتقد أن ابن باديس أشعر شاعر كتب شعرا في الجزائر، والله فعال لما يريد، ونقصد به إلى الفضل الذي قيض لشعره القليل)، كما لم نجد دراسة جامعية شاملة تناولت هذا الجانب الأدبي بالتفصيل، ما عدا ما كتبه الأستاذ أحمد بن ذياب في مقاله (هل بالإمكان أن نسمي ابن باديس شاعرا..) الصادر في جريدة النصر العدد2867 بتاريخ 18 أفريل 1981، ومقاله (ابن باديس وتجديد الأسلوب الأدبي) الصادر في مجلة المجاهد الأسبوعي العدد 1080 بتاريخ 17 أفريل 1981، إلى أن قيض الله إلى الشيخ ابن باديس الباحث الجاد لحسن بن علجية الذي قام بجمع أشعاره الموزعة في ثنايا الجرائد القديمة، مثل:الفاروق والنجاح والشهاب والبصائر، أو مخطوطة في رسائل ووثائق نادرة لا زال يحتفظ بها تلامذته ومحبوه في مكتباتهم الخاصة، أو ما زال عالقا من نتف شعرية في صدور المعجبين، وقد قدم لها و علق عليها في كتاب حمل عنوان (أشعار الإمام عبد الحميد بن باديس) الصادر عن دار قرطبة بالجزائر العاصمة سنة 2018، بعدما خص الباحث لحسن بن علجية الشيخ ابن باديس بأربعة كتب أخرى وهي:
(1)– الدُّرُّ النَّفيس في إجازات ومرويات الإمام عبد الحميد بن باديس/الصادر عن دار ابن حزم بيروت لبنان 2014.
(2)– ثلاث رسائل نادرة للإمام عبد الحميد بن باديس/الصادر عن دار الهدى عين مليلة 2015.
(3)–إجازة العلامة المقرئ حسن السِّيناوِني للإمام عبد الحميد بن باديس في القراءات السَّبع/الصادر عن دار علي بن زيد، بسكرة 2015.
(4)- شرح إملاءات الإمام عبد الحميد بن باديس/الصادر عن دار الهدى عين مليلة 2019.
ونحن نحتفل بالذكرى80 لوفاة زعيم الحركة الإصلاحية في الجزائر، التي تصادف يوم 16 أفريل من كل سنة، نتوقف عند هذا الكتاب الهام في عرض لمعرفة محتواه الغني بالمعلومات، حتى يتمكن شباب اليوم من معرفة أحد الجوانب المجهولة من شخصية الشيخ ابن باديس.
يقع كتاب (أشعار الإمام عبد الحميد بن باديس: القصائد والمقطوعات و النتف الشعرية).
في 127 صفحة، قياس23 سم * 15 سم، وقد وشح غلافه بصورة الشيخ الإمام بلباسه التقليدي وهو يتصفح إحدى الجرائد التي أنشأها .وقد أخطأ الناشر عندما أضاف لقب الدكتور لاسم المؤلف، وحتى وإن اعتذر الباحث للقارىء عن هذا الخطأ المطبعي، باعتباره عصامي المعرفة، ولم يدرس في رحاب الجامعة، إلا أننا نقر أن مخزونه العلمي واللغوي أفضل بكثير من خريجي المعاهد العليا والجامعات عندنا.
أهدى المؤلف لحسن بن علجية كتابه إلى أمير شعراء الجزائر محمد العيد آل خليفة، باعتباره أصدق من عبر عن النهضة الجزائرية والحركة الإصلاحية في قصائده، مستشهدا بأقوال الشيخ محمد البشير الإبراهيمي والأمير شكيب أرسلان، وأشار في مقدمة الكتاب الى الدوافع التي ساعدته على إنجاز هذا الكتاب الشخصية منها والأدبية، رغم اعترافه في البداية، بأن الإمام ابن باديس مقل في شعره لأنه سخر حياته وكل جهوده من أجل نهضة وعزة هذه الأمة، والشيخ ابن باديس يقر بنفسه (أنه ينظم الشعر بتكلف وهو لا يحب التكلف،و لذلك لم يكثر من النظم) حسب رواية الشيخ إبراهيم أبي اسحاق، وأن أشعاره تغلب عليها المسحة التقليدية وإن كانت تحمل رسالة نبيلة في الحياة، ويرى المؤلف أن هناك قصائد أخرى لم يتمكن من الوصول إلى مرجعها والظفر بها، وما هذا العمل المنجز إلاّ (محاولة لجمع وإحياء ما بقي من تراثه، لتيسير الإطلاع على قصائد ومقطوعات الإمام ابن باديس للباحثين والدارسين والطلبة الذين يجدون في أشعار الإمام مادة نفيسة لإنجاز رسائل جامعية عن أشعاره ).
المادة الشعرية المنشورة وعددها 18 بين قصيدة ومقطوعة ونتفة، فإن محتواها عبارة عن (موضوعات تحث الأمة على التمسك بدينها ووطنها ولغتها و تدعوها لرفض الإندماج والتجنس، وتستنهض همم الشباب وحثهم على مقاومة الظالمين).
شمل كتاب (أشعار الإمام ابن باديس) على مبحثين:
الأول حول عناية ابن باديس بالشعر، وحضوره في دروسه ومقالاته وخطبه وصحفه، وحثه لطلبته على حفظ الشعر.
الثاني تناول نظرة على شعر الإمام في طوره الأول والثاني من خلال ما كتبه حوله الباحثون من أمثال الدكاترة أبي القاسم سعد الله وعبد الله ركيبي ومحمد بن سمينة و صالح خرفي ومحمد ناصر، ومصادر قصائده ومقطوعاته، وأغراضها وموضوعاتها،وتاريخ إنشائها وعدد أبياتها و بحورها.
بالإضافة إلى الديوان الشعري، وملحق شمل على صور لمصادر قصائد الإمام ومقطوعاته ونتفه الشعرية المنشورة في الكتاب.
وقد قام الباحث لحسن بن علجية بترتيب القصائد الشعرية والمقطوعات حسب تاريخ نظمها بدءا بقديمها الى آخرها ،بهدف تسهيل المهمة على الباحثين لمعرفة التطور الفني والنضج الفكري للشاعر. وقد أحسن الباحث عملا في شكل الأبيات الشعرية للقصائد، مع شرح المفردات الصعبة، وترجمة الأعلام الواردة أسماؤهم في ثنايا القصائد لتسهيل المهمة على القارىء.وقد تحاشى المؤلف نشر القصائد التي جاءت موقعة بالاسم المستعار (ابن الإسلام القسنطيني) تفاديا لكل تأويل أدبي ،و لعدم وجود دليل مادي يثبت أنها للإمام فعلا.
وقد جاءت عناوين القصائد ومطالعها كالتالي:
• 1- رثاء العلامة عبد القادر المجاوي.
ألاّ إنّ هذا الدهر ذو فتكات
وإنّ لنا في طيه لعظات
• 2- مدح الشيخ عبد القادر الجيلاني.
صلّ يا رب ثم سلم على من
هو نعم الشفيع في يوم البأس
• 3- تأبين الشيخ الطيب بن الشيخ الحسين.
جزاك الله عنا بالغفران
وسقاك صوب العارض الهتان.
• 4- تقريظ رسالة الستر للشيخ الطاهر العبيدي.
ذي درر حسنة التنضيد
سالمة من وصمة التعقيد
• 5- تقريظ كتاب أعيان المغاربة.
للعلم رابطة تربى على النسب
عند الألباء من عرب ومن عجم
• 6- مدح الشيخ عبد الحي الكتاني.
تبدى السعد في الحلل البهية
وعم البشر في هذه البرية
• 7- المولد النبوي الشريف.
ذكرى الحبيب فكن يا قلب جذلانا
و رح بها من جناب القدس ريحانا
• 8- تحية المولد الكريم.
حييت يا جمع الأدب
ورقيت سامية الرتب
• 9- السياسة في نظر العلماء.
أشعب الجزائر روح الفدى
لما فيك من عزة عربية
• 10- اشهدي يا سما.
اشهدي يا سما
واكتبن يا وجود
• 11- القومية و الإنسانية.
المجد لله ثم المجد للعرب
من أنجبوا لبني الإنسان خير نبي

وغيرها من المقطوعات الشعرية .وما يلاحظ أن هذه القصائد الشعرية قيلت في المواسم الدينية كالمولد النبوي الشريف ونزول القرآن الكريم وهي في مدح شخصية علمية والثناء عليها، أو في رثاء علم من أعلام الجزائر، أو تقريظ كتاب مهم.
إنّ هذا الكتاب الذي تدعمت به المكتبة الوطنية هو إضافة جديدة لا غنى عنه لكل باحث محقق، يحاول الغوص في دراسة تفاصيل حياة الشيخ عبد الحميد بن باديس المجهولة، على أمل أن يحظى هذا الجانب المنسي من حياته بالدراسة والتمحيص من طرف طلبة الجامعات الجزائرية .وعسى أن يصلوا إلى مقطوعات شعرية أخرى ما تزال مجهولة لتضاف إلى تراثه العظيم من خطب ومقالات ودروس. وكل الشكر للباحث لحسن بن علجية على ما يبذله من جهد لإخراج نفائس تاريخنا الثقافي إلى النور وتهريبها من خزائن النسيان واللامبالاة والتهميش.
للإشارة فإن الأستاذ لحسن بن علجية من المهتمين بالتراث الجزائري بحثا وتأليفا، وله عدة مؤلفات مطبوعة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com