مساهمات

“الأمــــة الإســــلاميـــــة وحدتهـــــا ووسطــيـتــهـــــــا”

تلخيص الشيخ ثامر لطرش بن الساسي /

هذا الموضوع عنوان محاضرة من محاضرات ملتقى الفكر الإسلامي الثاني والعشرون “22” المنعقد سنة 1988 بفندق الأوراسي بالجزائر العاصمة ألقاه الدكتور “محمد عمارة” (1931-2020) رحمه الله، قد لخصته من ثلاثين “30” صفحة بمناسبة وفاته وتعميما لفائدة قراء البصائر الغراء.

مفهوم الأمة في حضارة الإسلام
لقد غدت هذه المفاهيم الغربية عن “الأمة” في واقعنا الراهن تيارات فكرية ومذاهب في المعرفة ينخرط فيها ويتمذهب بها أولئك الذين ينكرون مقولة “وحدة الأمة الإسلامية” إنكاراً شديداً ويطالعون مصطلحات الأمة المصرية والأمة السورية والأمة التونسية والأمة الفارسية والأمة الأفغانية… إلخ باعتبار كل منها كيانا قوميا يكون شخصية قومية مستقلة تمام الاستقلال، وأمة قائمة بذاتها من دون النّاس فأين الحقيقة من هذا الموضوع؟
هل المسلمون أمة واحدة حتى يتوجه إليها حديث واحد عن اليقظة والنهضة المتحدة الخصائص والشروط؟ أم أنهم أمم بتعدد الأوطان من القوميات والأجناس التي تتوزع عالمهم الإسلامي الكبير؟
معنى الأمة في المعاجم والقواميس:
ففي الموضوعات والمعاجم ذات التوجه الفكري المادي تتصدر العوامل المادية الشروط والسمات التي تؤهل الجماعة البشرية لتكوين “أمة” حتى لتعتبر السوق والحياة الإقتصادية المشتركة هي البوتقة التي تنصهر فيها “الأمة ” والرحم التي تولد منها مع ما يلزم لهذه السوق آثار مشتركة تثمر في الميدان الفكري والثقافي تكوينا نفسيا مشتركا يربط بين هذه “الأمة” بروابط المشاعر و الأحاسيس و المثل و المزاج والقيم والذكريات والآلام والآمال، وبعض القواميس و المعاجم يذهب بدأ في التحديد و الضبط لشروط “الأمة” سيماتها بعيدا، حتى ليخلط خلطا واضحا “الأمة” و”الدولة” فيرى أن “الأمة” جماعة سياسية مستقلة ذات إقليم محدد يشترك، أعضاؤها في الولاء لمؤسسة واحدة مما يؤدي إلى إحساسهم بالوحدة و إنهم يكونون مجتمعا ، و لا يلزم لقيام الأمة أن تكون ذات أصل مشترك أو لغة واحدة أو دين أو عنصر واحد، وإن كانت الأمم تتكون عادة اعتماداً على التاريخ المشترك ووجود عناصر وثقافية مشتركة، وينحو هذا النهج ذلك التعريف الذي يرى “الأمة: جملة من الأفراد الذين يكونون وحدة سياسية، وتجتمع بينهم وحدة الوطن والتراث والمشاعر من آلام وآمال.
الخلط بين الأمة و الدولة:
فهذا الخلط بين الأمة والدولة هو ثمرة من ثمار التأثير الفكري الغربي في مادة ومضمون هذه المعاجم والقواميس العربية، وهو أيضا خادم للأهداف الغربية من وراء إشاعة هذه المضامين في هذه التعريفات التي تكون وتلون وتصنع فكر القراء والباحثين العرب والمسلمين في هذا المبحث… مبحث “الأمة” وتحديد ماهيتها ونطاقها. فالحضارة الغربية قد صاغت للأمة أمثال هذه التعريفات التي خلطت بينها وبين الدولة لأن أمم هذه الحضارة قد امتلكت كل منها تقريبا “دولتها” الحرة المستقلة، وبعض دول هذه الحضارة وإن ضمنت أمما متعددة فليس في إطارها أمم فتتها القهر الإستعماري فحرمها من امتلاك “الدولة” الواحدة للأمة الواحدة، فالتطابق الواقعي قائم في إطار بين “الأمة” و”الدولة”.
مفهوم الأمة في الأصول العربية:
يقول الراغب الأصفهاني (502هـ -1108م) في كتابه المفردات في غريب القرآن عندما يعرض لتعريف الأمة “إنها كل جماعة يجمعهم أمر ما، إما دين واحد أو زمان واحد أو مكان واحد سواء أكان ذلك تسخيرا أو اختيارا أو جمعها أمم”، وإذا كان العرب المسلمون وقد أجمعوا على هذا التعريف للأمة فإنهم قد اجتهدوا في تحديد العدد المكون للحد الأدنى للجماعة التي تستحق وصف “الأمة” إذا جمعها جامع وربطها رابط …ففي أحد الأحاديث النبوية ما يشير إلى أن هذا العدد أقله مائة “100” ففي هذا الحديث نطالع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة “100” يشفعون إلا شفعوا فيه، ومن القدماء من إجتهد فوقف بهذا العدد عند “الأربعين 40″، لقد استقر هذا المضمون لمصطلح “الأمة” في تراثنا اللغوي وعبر مناهجنا العربية ونهج ذات المنهج إحداث هذا المعجم وهو “المعجم الكبير” عندما استند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة والشعر العربي، وهي ديوان اللغة العربية ومصادرها المرجعية فكشف عن أصالة هذا المضمون لهذا المصطلح في لغتنا العربية، فالأمة هي الجماعة: قال تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) آل عمران 104.
ـ وهي الجماعة والجنس من كل حي ولو يكن بشرا قال تعالى (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلى أمم أمثالكم) النحل 120.
ـ وهي أمة أي جماعة كل نبي الذي أرسل إليهم – الذين آمنوا منهم والذين ظلوا على كفرهم… فهم جميعا أمة الدعوة يجمعها جامع الدعوة ورباطها، والذين آمنوا منهم هم “أمة الإجابة” فجمعهم جامع الإيمان ورابطة الإجابة
ـ ثم هي الفرد إذ أقام بإمتيازه وتميزه مقام الجماعة كالرجل الذي لا نظير له، والمعلم الجامع للخير قال تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا) النحل 120.
ـ كما يطلق مصطلح الأمة على الدين والملة كجامع يجمع الجماعة فيجعلها أمة قال تعالى (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) الزخرف 23 هذا على سبيل المثال لا الحصر.
أمة تنحو نحو العالمية
في الحضارة الغربية ساد مصلح “الأمة” في مرحلة تبلورت فيها القوميات على أنقاض الرابطة اللاهوتية المسيحية الجامعة فكان الاستغلال والانسلاخ هو طابع المرحلة ثم كان الطابع الصراعي الذي تولد عن تناقضات المصالح الرأسمالية عاملاها في تأجيج العصبية الغربية.
مفهوم الأمة و مضمون الرباط الرابط للجماعة: ولذلك وقفت هذه الحضارة ولغتها العربية بمضمون ومفهوم “الأمة” عند مضمون الرباط الجامع للجماعة أيا كان هذا الرباط وذلك حتى يظلّ الباب مفتوحا للتأليف والاستعاب وحتى تمتد مساحة تأثير وفعالية النواة الإسلامية فتمثل دائرة حضارتها كل الجماعات التي تدخل دائرة حضارة الإسلام حتى ولو لم تتدين بدين الإسلام… ولقد دعم هذا التوجه عالمية الرسالة الإسلامية وأممية العقيدة في الدين الإسلامي، وأيضا كونها الرسالة الخاتمة التي جاءت لتستوعب ميراث الماضي بالإحياء و التجديد و لتصوغ منه بمعايير الإسلام حضارة مستقبلية ذات نزوع عالمي لا تذكر التمايزات بين الجماعات البشرية ولا تحاربها، ولكنها تهذب شذوذها لتوظف التعددية القومية في بلورة وإنماء وتطوير حضارة ذات حضارة نزوع عالمي… لهذا وقوف هذه الأمة عند الحد الأدنى من الروابط في مضمون الأمة ومفهومها طلبا للحركة ونزوعا للامتداد وتوجها للتأليف ورفضا لعصبية الانغلال وتعصب الاستعلاء على غيرها من الجماعات والأمم والحضارات.
نزول الوحي بمكة:
ففي قريش بمكة عندما نزل الوحي على المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، برسالة الإسلام فكانت للتوحيد الديني الإسلامي الذي بلغ الذروة في لقاء التنزيه والقمة في التجريد كانت لهذه “التوحيد الديني” آثاره العظمى في توحيد هوية الجماعة البشرية العربية التي كانت الوثيقة المتعددة تجسد وترمز إلى نشر ذمها وتمزقها القبلي في الجاهلية، وذلك دون أن تعني هذه الجماعة القومية العربية سيادة قريش، ولا تجاهل التمايزات القبلية أو القفز على واقعها، وإنما كانت هذه الظاهرة التوحيدية الوليدة تآليف للقبائل المتميزة و”وحدة لا تنكر التعددية… حتى لقد عدت من معجزات الإسلام التي أبدعها الله سبحانه وتعالى في الواقع الإسلامي الجديد (فألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم و لكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) الأنفال 63 .
ولم يقم هذا الوليد الحضاري بنطاق الأمة مفهومها عند حدود القبائل العربية، فلقد كانت مرحلة تجاوزها التأثير التوحيدي الذي بدأ من قريش مستعينا بها على إنجاز أكبر في دائرة أوسع هي دائرة وحدة القبائل و الشعوب، فكما أنجز الإسلام وحدة القبائل دونما إنكار لتمايزها توجه إلى إنجاز وحدة القبائل و الشعوب بمعيار التأليف في إطار التعارف الذي لا يلغي التمايز ولا يقفز على الخصوصيات، وإن أتاح الفرص وخلق الأطر للتفاعل والتوحيد… فمع التعددية تكون وحدة الأمة الطامحة إلى الامتداد الطوعي (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات 13.
إنها أمة دائمة التحقق
إنها أمة دائمة التحقق، بل إن ديمومة هذا التحقق عمقا واتساعا معيار حيويتها ونهوضها برسالتها العالمية والخالدة التي أرادها الله، ولذلك فقد وازنت هذه الأمة وهي تحقق امتدادها وتبلور حضارتها بين الخاص والعام… فكما انجزت وحدة القبائل دون إلغاء للقبلية، وإنما بجعلها لبنة في بناء أشمل، هو بناء الأمة الجديدة و ذلك بعد أن كانت كيانا مستقلا تماما ومستعصية على الترويض… كذلك وجدناها تقيم بواسطة “التعرف الذي هو التفاعل الطوعي رباطا جامعا بين القبائل والشعوب حتى لقد إحتضن محيطها الجامع كأمة و حضارة فجمعها جميعا بخيوط الحضارة الإسلامية دون أن ينكر عليها التمايز المبرأ من العصبية العرقية وضيق الأفق الجنسي… فعرف مفهوم الأمة في فكرنا الحضاري وفي تجربتنا التاريخية وميروثناالإجتماعي الدوائر التي تبدأ من الفرد إلى الأسرة أو القبيلة والعشيرة إلى “الشعب” إلى “الأمة” بالمعنى القومي إلى الجامعة الإسلامية… مع السعي الحثيث إلى تحقيق الرباط الجامع وإلى مد نطاقه إلى أفق جديد، بل لقد مدت الدائرة الإسلامية مع الدائرة الإنسانية الخيوط والعلائق والأسباب. لقد كان الإسلام الدين، وكانت الجماعة العربية الإسلامية كأمة، وكانت الحضارة العربية الإسلامية كإبداع تزامل في صنعه: الوحي الديني وعلومه مع المواريث الفكرية والحضارية لشعوب البلاد التي دخلت عالم الإسلام وكانت الدولة كأداة للدين والحضارة… كان ذلك جميعا في مسيرتنا الحضارية وتجربتنا التاريخية، وممارستنا الاجتماعية أشبه ما يكون بالدوائر الدائمة الاتساع حركها ذلك المصطفى محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام منذ أن أتاه الله وحيه قائلا: (إقرأبإسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، إقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم) العلق 1-5
العرب أمة الدعوة الأولى
ففي الدين بدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم – فجعل أمة الدعوة الأقربين من عشيرته… (وأنذر عشيرتك الأقربين) الشعراء 214 ثم عمم الدعوة على نحو جعل نطاق “أمة الدعوة” كل القوم والعشيرة وهم الجماعة الذين تربط بعضهم ببعض روابط دم أو نسب أو اجتماع فشرف العرب في الإسلام الذي تمثل في اصطفاهم واختيارهم كجماعة أمة تحمل رسالته إلى العالمين يزامل عالمية الدعوة ولا يحتكرها… إنه الانسياق مع المفهوم العربي الإسلامي المتميز بمصطلح “الأمة” ونطاقه الذي لا تعرف آفاقه الحدود… وفي “الدولة” كانت البداية “عربية” بالمعيار القومي العربي ثمّ إنداحت دائرة الدولة وبنية تكوينها لتستشرف “العالمية” التي صنعت ثوبها من نسيج سداه “العروبة” الحضارية” و”لحمته” الإسلام الحضاري… صانعة ذلك المزيج الحضاري الجديد والفريد.
بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم
وبعد عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم – انتقلت الدولة بإطار الأمة ومفهومها وفقا لمنهاجه الإسلامي إلى أفق جديد… فالمد الذي بدأ من قريش فألف بين القبائل على اختلاف دينها ودمج فيها كل من استعرب حضاريا على اختلاف أصولهم العرقية صنعت الدولة الشعوب من أهل العراق وفارس والشام ومصر وغيرها من البلاد المتحضرة التي تجاوزت طور البداوة، فكان سكانها شعوبا لا قبائل… فبدأت مرحلة جديدة في مفهوم الأمة، اتخذت الدولة له المعيار القرآني، معيار التعارف الذي يعني التفاعل القائم في إطار الوحدة التي لا تنكر ولا تتجاهل التمايزات.
خاتمة: ويقول في خاتمة المحاضرة – ص 30 – هكذا امتدت مفاهيم وحدود وآفاق أمتنا في الفكر النظري الموروث وعبر المسيرة التاريخية التي أبدعها الأسلاف .
وهكذا نرى الحدود والآفاق التي نتوجه إليها اليوم بنداء اليقظة الإسلامية المنشودة، فمن “غانة” إلى “فرغانة” ومن أعالي نهر الفلجا إلى جنوبي خط الاستواء… تلك أمتنا أمة واحدة نتوجه إليها بهذا النداء… ونعنيها بهذا الحديث… وصدق الله العظيم (إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون)الأنبياء 92.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com