الحدث

من قــــلب الوبــــاء… نـتــذكَّـــر عظمــــاء العشَّـــابيـــن الـمسلمين في الأندلس والأطباء

أ. فوزي سعد الله

لم تتوفر عند أهل الأندلس شركات متعددة الجنسيات لإنتاج الدواء واحتكاره بدافع الجشع لتعظيم الأرباح.
كانت الأندلس تتداوى ذاتيًا بمختلف الأعشاب والفواكه وما نفع من حيوانات أو بعض أجزائها ومنتجاتها، بالإضافة إلى الجراحة التي كانت فنا قائما بذاته ازدهر بفضل أبي القاسم الزهراوي الذي كان يَستخدم أكثر من 200 أداة في عمليات التشريح وفتح بعض الأجزاء المعتلة من جسد المريض. ومعروف أن مؤلفات الزهراوي الأندلسي بقيتْ مرجعًا أساسيا للبشرية، بما في ذلك في أوروبا بعد أن تُرجمت أعمالُه، إلى غاية القرن 18م وبداية القرن 19م عندما بدأ الكذب والانتحال على البشرية يتنامى بادّعاء أن الطبيب الفرنسي كلود بيرنار هو أب العلوم التجريبية مثلما عَلَّمونا في المدارس والثانويات بشكلٍ بيروقراطي بَافْلُوفِي يُشبِه ما يُسمَّى عادةً بـ: الغباء…
بطبيعة الحال، هواةُ جَلْدِ الذات عندنا لا يَعرِفون عادةً هذه الحقائق وإلاَّ لَمَا فَعَلُوا، فالمَعرِفة أيضا دواء لبعض ما في الإنسان من داء وترياق لِمَا تسلل إلى عقله من سُموم وما في روحه من عِللٍ وسوء اختراق.
من الأعشاب، التي كانت تزخر بها الأندلس وتُلَبِّي ما يَحتاجُه أطباؤها من نباتاتٍ وثِمار، لِتنوُّع وطيب مناخ هذه البلاد بعد أن أضافوا لها نباتات جديدة جيء بها من المشرق العربي ومما وراءه من بلدان ليغرسوها ويرعوها في بلادهم، تَمَّ ابتكارُ وصُنع مختلف العلاجات بأدوية بسيطة وحيدة العنصر النباتي وأخرى مركبة ممزوجة بغيرها من النباتات والمنتجات الحيوانية والسوائل وحتى ببعض المسْتَحضرات الكيميائية بالطَّبخ والسَّحق والتَّحميض والإبْرَاد وِفقَ المصطلحات الطبِّية والصيْدلية التي كانت شائعة في تلك العهود والتي أصبح بعضُ الذين يَجهلون أنهم جاهلون ودون حرج أو حياء يفتون يَستخِّفون بها ويَسْخَرُون…
وهكذا، على مدى القرون الطويلة من عُمْرِ الأندلس وبعدها على مدى أجيال، تَدَاوَى المسلمون وغيرُهم من البشر وبَرَأُوا من أمراضهم بذلك الشَّراب الحلو المَذاق لاحتوائه على السُّكَّر أو العَسَل المعروف إلى اليوم باسمه العربي الواضح، رغم ما اعتراه من تَصْحِيفٍ في اللغة الفرنسية، على سبيل المثال، بـSirop والذي يعود أصله إلى الكلمة العربية «شروب» التي قُلبَتْ سينُها شينًا لضرورة التكييف اللساني الأوروبي. مثلما تداووا بالأقراص المستديرة المعجونة من عدة عناصر طبيعية وكيميائية التي اشتهر في العلاج بها الطبيب أبو بكر سليمان بن بَاج وزميله أبو عثمان سعيد بن عبد رَبّه والتي كانت شائعةً في الأندلس ومختلف بقاع البلاد الإسلامية عند الخواص والعوام وما زال العالم كله يتطبَّب بها إلى اليوم. فضلاً عن الأكحَال التي كانت أنواعًا بوظائف متنوعة ودقيقة الهدف حيث لِكُلٍّ منها علاج لِداءٍ مُعَيّن من أمراض العيون التي برع في مداواتها أطباء نوابغ على غرار أبي بكر بن بَاج وأحمد بن يونس الحَرّاني في قرطبة وأبي القاسم الزّهْرَاوِي، بالإضافة إلى «الشّيافات» كالشيافة التي عولج بها الخليفة الناصر في قرطبة عاصمة الأمويين في الأندلس عندما أصابه الرّمَد والتزم بالتداوي به حتى تعافتْ عينه وشُفي نهائيًا.
هذه الأعشاب والنباتات، التي أًصبح يَستخِف بها بعضُ الذين يعتقدون أنهم فهموا أكثر من الفهم، أنتج بها الأطباء والصيادلة في الأندلس أنواعًا أخرى متعددة ومتنوعة من الأدوية. من بينها البسونات، التي اشتهر منها بسون حمدين نسبةً إلى مخترعه الطبيب حمدين بن أبان والذي تَذكُر المصادر أنه صُنع من «100 صنف من الأعشاب والنباتات الطبية»، على حد تعبير الباحث العراقي الدكتور نهاد عباس زيُنل في كتابه: «الإنجازات العلمية للأطباء في الأندلس وأثرها على التطور الحضاري في أوروبا –القرون الوسطى 711م – 1492م»، وكذلك بسون جواد نسبةً إلى مُبتكِرِه الطبيب جَواد النصراني حسب شهادة ابن جلجل القرطبي صاحب كتاب «طبقات الأطباء».
ومِن الأعشاب والنباتات، اسْتَخْلَصَ الأطباء في الأندلس التّرْيَاقات وطوَّروا ما نهلوه منها من تجارب التراث الطبي البشري السابقة لعصرهم على غرار ما عَلِمُوهُ مِن كتاب «الحشائش» (أوMateriaMedicaحسب عنوانه الأصلي) للطـــبــيـــــــــب بِـــــيدَانْيُوسْدْيُسْقُورْيدِسْ(Pedanius Dioscorides) والذي أصبح من بين أهم مراجع مشاهير أطباء الأندلس في القرن 11م كمسيلمة المجريطي واليهودي حسداي بن شبروط وابن جلجل، وكان إحدى الهدايا الثمينة لإمبراطور بيزنطة للخليفة الأموي في قرطبة عبد الرحمن الثالث.
والتّرْيَاق، وهو كلمة يونانية الأصل، دواء معجون عمومًا في العَسَل لمعالجة الإصابات بِسُمومِ الحيوانات البرِّية كالثعابين والعقارِب والسُّموم المدسوسة في المأكولات والمشروبات بِغَرَضِ الاغتيال. وقد اشتهر من بين هذه الترياقات «الترياق الفاروق» الذي تَحَدَّثّ عنه الطبيب الجرّاج النابغة أبو القاسم الزَّهْرَاوِي المتوفي سنة 1013م في كِتابه المرجع المعروف «التَّصْرِيف لِمَنْ عَجَزَ عَنْ التَّأْلِيف»…
كما تداوى أهل الأندلس ومن اتَّبع علومَهم وعلوم الطبّ الإسلامي بما عُرِف بـ: السّفوفات وهي أعشاب ونباتات مسحوقة اشتهر بها الطبيبان الأندلسيان حمدين بن أبان وجواد النصراني، وأيضا بـ:»الجوارشنات» الخاصة عادةً بعلاج أمراض الجهاز الهضمي والتي كثيرًا ما صنعها الطبيب الحرّاني للخليفة الأموي المستنصر في قرطبة والذي كان من حين لآخر يعاني من عسر الهضم.
هذه العلاجات المعتمِدة على الأعشاب ومختلف النباتات ليست كلَّ ما جاد به الإبداع الأندلسي في مجال الطب والصيدلة في الأندلس والعالم الإسلامي بل هي مجرَّد عيِّنات. ويُمكن أن نَذْكُرَ مِن بينها أيضًا ما كان يُعرَف بـ: «اللّعوقات» المضادة لأمراض الصّدر والجهاز التنفسي، و»المبردات» لِخفض درجة حرارة الجسم لا سيما عند الإصابة بالحمّى التي نَبَغَ في علاج مختلف أنواعها الطبيب سعيد بن عبد ربّه، و»المراهم» التي تُوضَعُ على الجروح والقروح والتي بَرَزَ في صُنعها بكفاءةٍ عاليةٍ ومشهود لها الطبيب محمّد بن طملون، و»المعاجين» كذلك المعجون المعروف في الأندلس بـ: «المُغِيثُ الكبِير»، حسب صاحب «طبقات الأطباء» ابن جلجل القرطبي، والذي ابتكره الطبيب يونس الحرَّاني الذي أتى به في أحماله قادِمًا مِن المشرق عندما اختار الرحيل إلى الأندلس والاستقرار في ربوعها.
العديد من أنواع الأدوية في الأندلس كانت تستخدم نبات عُرف بـ: «الجنطيانا» وهو عبارة عن شجرة تنبتُ على قمم الجبال الباردة مثل جبل شلير المغطى بالثلوج على مدار السنة في مرتفعات البيرة الأندلسية، مثلما استخدم أطباء هذه البلاد نبات «الوخشيزق» الذي جيء به من المشرق عام 999م وكان يُداوي به الأطباء المرضى الذين يعانون من الدود في بطونهم بعد خلْطه بالعسل والماء السّاخن. وذاع أيضًا اسمُ نباتِ «بُسْتان أبروز» الذي جيء به مِن بلاد فارِس، إيران، ومعناه «منوّر البستان» وكان من بين الترياقات الشافية للذين تعرضوا لمحاولات القتل بالسموم. واشتهر كذلك نبات «الأنيسون» الذي تداوى به الأمير عبد الرحمن الناصر على يد طبيبه عمران بن أبي عمر مثلما كان دواءً للخيفة الناصر أعدَّه له الطبيب أصبغ بن يحي… فضلًا عن نبات «الفاونيا» أو «ورد الحمير» ونبات «الحالبي» لعلاج آلام نوبات الصّرع على التوالي عند البالغين والأطفال ودهن البنفسج لعلاج حرقة الرأس وعصير ورق السّلق لمداواة قروح الرأس والحرمل لتخفيف السّعال والتين الجاف المطبوخ مع الحَلْبة لعلاج الاختناقات التنفسية ودقيق الحمّص المغلي مع الحليب للشفاء من بعض قروح الرئتيْن…إلخ.
ولتوفير هذه الأعشاب وغيرها للساهرين على صحة البلاد والعباد، كان لا بد من تضاعف أعداد المتخصصين فيها وانتشار دكاكين العارفين عبر البلاد بها، وقد اشتهروا نِسبةً إلى مهنتهم بـ: العَشَّابِين». وفي الكثير من الحالات، أصبح اسمُ المِهنة لقبًا عائليًا استمرَّ في الوجود لدى أحفادهم أيضًا وعلى مدى أجيال، بمن فيهم الأحفاد المعاصِرون لنا في الجزائر وفي غيرها من بلاد الإسلام. وكَمْ مِن عائلة ما زالت تحْمِل إلى اليوم لقبَ «العَشَّاب» رغم أن هذه الحِرْفة تقريبًا اندثرتْ منذ زمن طويل… وإذا كان لا بد مِن ذِكر أسماء لِمشاهير هذه الحِرْفَة، وكان كثيرُهم أطباء، فإن أشهر العشَّابين في الأندلس في عهد بني أمية الطبيب خالد بن يزيد الرّومانِي الذي كان أكثرُهم شُهرةً وتفوُّقًا واعتُبِر منَّةً من السماء لأهل قرطبة وكافة أهل الأندلس في زمانه.
وما أسْلم وأكثر إفادة لصحة الإنسان من الدواء الطبيعي إذا كان قادرًا على سحق الدَّاء… وأمَّا المغالون «الأصوليون» في تقديس الطب الحديث، حيثما كانوا في الجهات الأربع لهذا الكوكب، محتقِرين غيره مما توارثناه منذ آلاف السنين مِن الصين والهند والعراق الآشورية ومصر الفرعونية حتى دمشق الأموية وبغداد العباسية والقاهرة الفاطمية وتونس الحفصية وتلمسان الزيانيةوتيهرتالرستمية وفاس الإدريسية ومرّاكش المرابطية وقرطبة صقر قريش وأحفاده وغرناطة النصرية، لهؤلاء الجاحدين المغرورين نكتفي بالقول: «وما أُوتيتم من العلم إلا قليلا»….
من الحجر الصحي الوقائي، في يوم 07 أبريل/نيسان 2020م.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com