شؤون اقتصادية

التدقيق الشرعي في المؤسسات المالية الإسلام صمام أمان

د. موسى عبداللاوي *

الشيء الوحيد الذي يميز العمل المصرفي الإسلامي عن المصرف التقليدي هو الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.

والمسلم مطالب بتطبيق أحكام وتعاليم الشريعة الاسلامية السمحة في جميع شؤون حياته المختلفة، ومن المجالات الاساسية التي يجب تطبيق الشريعة الاسلامية فيها المجال ألاقتصادي؛ لأن (الدين المعاملة) كما ورد في الأثر.

ونتيجة توسع وانتشار البنوك وشركات التأمين التي تطبق أحكام الشريعة الاسلامية ٫وهذه المؤسسات الناشئة قد قطعت على نفسها عهدا بان تطبق أحكام الشريعة الإسلامية.

وهذا لن يتأتى إلاّ بوجود هيئات شرعية بكفاءة عالية، تأخذ بيد هذه المؤسسات الى بر الامان بعيدا عن الشبهات والمحرمات ومن ابرز مكونات هذا الجهاز؛ التدقيق الشرعي وهي -كما عرفها معيار الضبط رقم (2) للمؤسسات المالية الاسلامية الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة – هو: عبارة عن فحص مدى التزام المؤسسة بالشريعة في جميع أنشطتها وفقا لما تقرره هيئة الفتوى.

وتكمن أهمية التدقيق الشرعي فيما يلي:

1/ أن التدقيق الشرعي شكل من أشكال الحسبة قال تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) ال عمران 104.

والحسبة كما قال الامام الموردي في الاحكام السلطانية: (هي امر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله).

2/ وجود التدقيق الشرعي في المؤسسات المالية الاسلامية أمر واجب ٫ولا يتم هذا الاحتكام بشكل صحيح إلاّ بوجود رقابة وتدقيق شرعي عليه من قبل متخصصين في الشريعة الاسلامية.

والقاعدة الاصولية تنص على (أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

3/ كما تكمن اهمية التدقيق الشرعي في الفحص والمراجعة والالتزام؛ فالفحص ان يكون تقريره متضمنا لرأي حول مدى الالتزام بأحكام الشريعة؛ والمراجعة تعني عدم وجود خطأ في الالتزام بالمعايير الشرعية والفتاوى٫ما الالتزام فنعني به العمل وفق الاحكام والقوانين التي تحكم طبيعة المؤسسة بأمانة واحترافية.

4/ ومن اهداف التدقيق الشرعي أيضا قياس مستوى المسؤولية الاجتماعية والتنموية وقياس الكفاءة في تشغيل الاموال .ودلت الشريعة الاسلامية على مشروعية التدقيق الشرعي على المؤسسات المالية الاسلامية وذلك من خلال الأدلة التالية:

– كان النبي -صلى الله عليه وسلم – يقوم بالدقيق الشرعي على عماله المكلفين بجمع الزكاة٫فعن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال :استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم – رجال على صدقات بني سليم ٫يدعى ابن اللتبية فلما جاء حاسبه قال :هذا مالكم وهذا هدية فقال رسول الله -صلى الله عليه و سلم -: (فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟) ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتى فيقول :هذا ما لكم وهذا هدية أهديت لي أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته؟والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلاّ لقي الله يحمله يوم القيامة فلأعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تعير) ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول (اللهم هل بلغت).بصر عيني وسمع أذني .ووجه الدلالة :ان الدور الذي قام به النبي -صلى الله عليه وسلم – يعد.من صور الندقيق الشرعي على عماله. قال ابن تيمية-رحمه الله -:(كان النبي -صلى الله عليه و سلم – يستوفي الحساب على العمال؛ يحاسبهم على المستخرج والمصروف.

5/ ومن اهم اهداف التدقيق الشرعي المساهمة في رفع مستوى الشفافية في التزام المؤسسات المالية الاسلامية بأحكام الشريعة الإسلامية.

لذلك كان من البديهي أن يتوفر في كل مؤسسة مالية اسلامية أمران:

أولا: مصدر للفتاوي والقرارات والتوصيات الشرعية من أجل أن يعتمد عليها في العمل.

ثانيا: مصدر لمراقبة التزام المصرف بالفتاوي والقرارات والتوصيات الشرعية

وبالتالي فإنّ المدقق الشرعي عليه أن يحيط بأمرين:

1/ أسس وقواعد علم التدقيق والمراجعة.

2/ الضوابط والمعايير الشرعية.

ويكون دور المدقق الشرعي هو الإسهام في بيان المخاطر الشرعية التي يمكن أن تترتب على تنفيذ عقد شرعي معين أو عدم اتباع توجيهات شرعية معينة.

ويبرز الدور الأهم للتدقيق الشرعي في مرحلة الكشف عن الأخطاء أو الانحرافات التي تقع فيها الوحدات المختلفة بالبنك في مرحلة التنفيذ، ويتم ذلك عن طريق تنفيذ التدقيق الشرعي للمنتجات والأعمال التي يقوم بها، وذلك في ضوء القرارات الصادرة عن هيئة الرقابة الشرعية، وكذلك في ضوء الخطوات الإجرائية المعتمدة من قبلها. ولعل من أهم مساهمات التدقيق الشرعي في تخفيض المخاطر؛ المقترحات التي تتقدم بها إدارة التدقيق الشرعي لسد الثغرات التي تنشأ عنها تلك الانحرافات، وذلك مثل المطالبة بتعديل السياسات، أو تعديل الإجراءات، أو تطوير النظم الآلية، أو تأهيل العاملين وتدريبهم على نحو يمكنهم من التنفيذ الشرعي الصحيح للمعاملات.

ولعل دور التدقيق الشرعي في تخفيض المخاطر يظهر بصورة جلية في تجنيب البنك مخاطر عدم الالتزام الشرعي، وهي المخاطر التي تترتب على عدم التزام البنك بالضوابط والأحكام الشرعية التي تعد من المخاطر الجوهرية التي قد تؤدي إلى وقوع البنك في مخالفات شرعية قد تكون جسيمة وممحقة للبركة، وقد تؤدي إلى التأثير على سمعة البنك الشرعية والتي تعد الأساس في جذب المتعاملين، وكذلك قد تؤدي إلى خسارة البنك لمبالغ كبيرة هي محصلة الأرباح غير الشرعية التي يجب تجنيبها وإنفاقها في أوجه البر.

ووفقاً لهذا المفهوم فإن التدقيق الشرعي الذي يقوم به مراقبون  أكفاء ومؤهلون وذوو دراية بالأحكام الشرعية والأسس الفنية الحديثة لعمليات التدقيق، وبالإضافة إلى وجود هيكل تنظيمي يعطيهم صلاحيات الاطلاع على جميع المستندات ورفع التقارير وإبداء الملاحظات عليها ورفع التقارير بتلك الانحرافات؛ سواء أكانت انحرافات شرعية أم مالية أم تشغيلية أم تتعلق بكفاءة العاملين، والعمل مع إدارة البنك على تصحيح تلك الانحرافات؛ من شأن ذلك كلّه أن يقلل من المخاطر التي يواجهها البنك، ويدعم كفاءته لتحقيق أهدافه المرجوة، وكل ذلك لا شك يطمئن المتعاملين مع البنك على شرعية أنشطته مما يسهم في كسب سمعة شرعية طيبة.

 

  • باحث في الدراسات الاسلامية
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com