غير مصنف

فضفضة .. وبشائر

د. حسن خليفة

كلما تعمّق وعيُنا واتسع إدراكنا أمكن لنا أن نرى بوضوح تام في أي مجال من مجالات العمل والنشاط الإنساني، مما يساعد على تحقيق الأهداف والتقدم في مجال الإنجاز.

لعل هذه الكلمات تصلح أن تكون مدخلا لما عاينتُه شخصيا في لقاء قالمة الأخير .

لقد كان اللقاء بالنسبة لشخصي الضعيف فرصة أيقظت الكثير من الأفكار المهمة في مجال العمل الدعوي حتى إنني يمكن القول ذهبتُ إلى النظر إلى ما تمّ على أنه حامل للكثير من الخير بالنسبة لمستقبل الجمعية، إذا بقيت وتيرة التعاون والتفاعل على هذا النحو الجاد المبهج .

نعم تشربت روحي آمالا كبيرة وأفقا يانعا كان يتراءى لي من خلال وقائع جلسة أخوية تبدو بسيطة في الظاهر، ولكن دلالاتها عظيمة الأثر وعميقة المعاني .

إن اجتماع نحو خمسين عضوا من أعضاء الجمعية على ذلك النحو البديع، وقد جاء بعضهم من بعيد، وتجشم بعضهم عناء وترك وراءه مسؤوليات والتزامات، إنما هو اجتماع صفوة طيبة كريمة انطوت نفوسها وقلوبها على الخير والفضل، واشرأبت أرواحها إلى إيصال النفع والخير وخدمة الدين والوطن من خلال هذه الجمعية المباركة، جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ..هذا الاجتماع ليس أمرا عاديا ولكنه ـ بالنسبة إليّ ـ حدث يمكن تقييمه على أساس إيجابي صحيح وسليم وهو أن المجتمع ينبض بالخير، وصفوته تحب الخير وترنو إليه وتتطلع إلى زراعته بكل السبل، وأن الجمعية تشتمل على الأهم وهو العنصر البشري المستقيم الطيب العامل المجتهد. وإنما ثمة أسباب لما يمكن أن يكون عوائق أمام هذه الصفوة (وأعني بها أكثرية أعضاء الجمعية).. قد تجعلها تبطيء أو تعجز أو تكسل أو حتى… تنسحب.

أرغبُ أن أكون صريحا في  الإفصاح، فقد رأيت في لقاء الإخوة الأفاضل في قالمة، في سياق اللقاءات التشاورية التي تنظمها لجنة التربية الوطنية بانتظام في مختلف جهات الوطن (شرقا وغربا ووسطا مع حضور الجنوب العزيز علينا)..

رأيت ما أبهجني حقّا .. وهو ذلك الالتفاف الجميل حول الجمعية، وتلك الرغبة الكبيرة والحماسة الرائعة في النهوض بالمسؤولية الدعوية الإصلاحية في صفوف الجمعية، واستعداد الجميع لبذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة وانتظام العمل لتحقيق المراد. كما رأيت الانبعاث نحو العمل والعطاء بشكل أقوى وأفضل .. وإنما الإشكالات تتأتى من بعض الأسباب التي يمكن إجمالها فيما يأتي:

أـ عدم وضوح الرؤية بشكل كاف في بعض المناحي، ونعني بالرؤية هنا تحديدا: ماذا نريد؟ وأي أهداف نرغب في تحقيقها؟ وما هي سبل الوصول إلى ذلك؟ بمعنى ما هي الوسائل المحققة لتلك الأهداف؟ ويمكن اعتبار منهجية عمل  لجنة التربية كمثال يمكن أن يُحتذى في بلورة الرؤية وأهمية بيان الأهداف بدقة، فقد أوضح مسؤولوها كل شيء تقريبا وأقاموا الحجة في أن الأهداف بيّنة وواضحة والجهود المبذولة كبيرة وواعية ومنتظمة، فلم يبق إلا التجاوب الجميل ورفع الهمة والعمل على تحقيق إنجازات في مجال التربية والتكوين .

ب ـ النقص في التنسيق بأشكال مختلفة، ومن أطراف مختلفة (المكتب الوطني ـ الشعب الولائية ـ الشعب البلدية الخ ) ويتمثل هذا النقص في قلة التواصل وضعفه وانعكاس ذلك على “سير العمل في الجمعية، وعلى الفجوات الموجودة الملحوظة هنا وهناك وهو ما يسبّب التأخر في الإنجاز. وهذا أمر يمكن التغلب عليه كما هو الشأن في المعوّق السابق، ويجب أن نجد السبيل إلى تجاوزه في آجال محددة؛ حتى تختفي أو تكاد هذه الفجوة. ليس معجزة أن يتحقق “التنسيق” وتبادل المعطيات والمعلومات بشكل سلس ومنتظم بين هياكل الجمعية، إنما يحتاج إلى تحمّل المسؤولية من كل طرف، ومتابعة الأمر بشكل دقيق ومنهجي..

ج ـ  نقص الانتظام وعدم ضبط وتيرة العمل على بوصلة “المتابعة” الجادّة المنتظمة، وهذا أمره بسيط وسهل، حيث يجب ضبط البوصلة وتحديد تواريخ اللقاءات بشكل أقوى كل ثلاثة أو أربعة أشهر مثلا، وهذا ما تفعله لجنة التربية، وأثنى عليه الحضور بشكل واسع وقالوا: إن هذا يُلزمهم بالعمل والحضور النوعي وتقديم الأفضل، وينسحب هذا على كل لجنة لو أرادت تفعيل حضورها وتحقيق الانجازات .

دـ الحرص على تحديد المعوقات وبيان ما يعطّل سير العمل، وقد كانت تدخلات الإخوة من مختلف الشعب دقيقة وهامة: ووضعت الأصبع على الجرح وشخصت المشكلات بدقة ومنها:

ـ الحاجة القصوى إلى التكوين والتدريب، لتجاوز الضعف الموجود في الكادر البشري في مجال التربية والتكوين.

ـ الحاجة القصوى أيضا إلى فهم القوانين الضابطة للعملية التربوية التعليمية في كل مجالاتها: التعليم القرآني، التحضيري، التعليم المكمل، ويتصل به السرعة في الاستجابة لطلب الاعتمادات الخاصة بتكوين الفضاءات التربوية : مدارس، نوادي، أماكن استقبال الطفولة الخ …

ـ ضرورة أن يكون للجمعية رأي مسموع على مستوى كل القطاعات (الوزارات والهيئات المختلفة) بما يؤمّن عمل الجمعية دون إزعاج وعرقلة باسم القانون أو بغيره، وهذا واجب المكتب الوطني في التواصل مع كل الهيئات لتأمين مسار العمل في كل شعب الجمعية؛ فالجمعية هيئة معروفة وكبيرة، وليس هناك أي ظل شكوك في أي من أعمالها وأنشطتها وبالتالي ينبغي أن تُرفع كل القيود أمام عمل أعضائها من الرجال والنساء، وهذا الأمر سهل بطلب مقابلات مع المسؤولين وتبيّن أسباب الإزعاج التي تحدث بين وقت أو آخر هنا وهناك.

ـ اعتماد الصدق والصراحة في الطروح الخاصة بتشخيص العراقيل والمعوّقات وبيان المشكلات حقيقية كانت أو مفتعلة وبيان المسؤوليات (الأشخاص ـ الشعب ـ المكتب الوطني الخ ).

وبمثل هذه الصراحة نصل إلى الحقائق سريعا ونقترح خطط عمل بديلة لتجاوز الواقع إلى أفق أفضل.

اختم بالتأكيد على أن هذه الروضة اليانعة الوارفة وهي جمعية العلماء تحمل بعون الله البشائر والخيرات للدين والوطن..وباجتهاد أكبر وعمل أقوى وأمثل ستكون للجمعية بعد سنوات قليلات مكانة عظيمة في هذا المجتمع الجزائري المتطلع إلى الخير والمدهش في إقباله على الفضل والخير… إنها لأمانة وإنها لمسؤولية ..

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com