على بصيرة

واحة عين صالح، بين الغاز الصخري والأمن الفكري

أ. د. عبد الرزاق قسوم

يمَّمَتْ صفوة من رجال الفكر الجزائري، والعربي الإسلامي، نحو واحة عين صالح، الجميلة الاخضرار، المتميز أهلها بصفاء الأفكار، وجود الديار.

فقد استقطبت صفوة الفكر، الملتقى الدولي الهام، الذي انعقد بمناسبة إحياء ذكرى العالم الصالح، المصلح الهمام، الفقيد الشيخ محمد بن عبد الرحمن الزاوي، المشهود له بالصلاح والإصلاح، لدى الأنام.

كان موضوع الملتقى الذي انعقد بعين صالح أيام 2-3-4 رجب 1441هـ الموافق لـ 26-27-28 فبراير: ” الأمن الفكري، ودوره في الحفاظ على ثوابت المجتمع”، جاء هذا الملتقى المتميز بموضوعه، وفسيفسائية  جموعه، ليصحح مفهوما، ويؤكد معلوما، وهو أن ولاية عين صالح لا تتميز بالغاز الصخري السيّئ الذكر بل تتميز على الخصوص بجميل العطر ونقاوة الفكر.

وقد تم عقد هذا الملتقى الدولي، الثاني من نوعه، تحت شعار الوفاء للعالم، الذي قضى حياته، منافحا عن تأصيل الفكر، والذي فقدته الجزائر منذ اثني عشرة سنة.

لقد تميز الملتقى بحسن التنظيم، وأناقة التقديم، والانضباط الجماهيري الحكيم.

فقد أضفى عليه الحاضرون، الذين جاؤوا من مختلف الأقاليم، جوا من التألق العلمي، ومنهجية التعاليم.

ويبقى أن نستعرض عيّنات من عناوين المحاضرات، وأسماء المحاضرين لندرك مدى علو المستوى الذي ساد الملتقى، وجعل “عين صالح” تعيش عرسا ثقافيا بأتم معنى الكلمة، دون أن ننسى المساهمة الفعالة لمسؤولي الولاية بدءا بالسيد الوالي المنتدب، وانتهاء برئيس المجلس الشعبي البلدي، مع عدم إغفال القائمين على الأمن الوطني، والدرك الوطني، والمنتخبين في كل المستويات، ورحال الإعلام يتقدمهم فارس قناة القرآن المتميز الدكتور أحمد طالب أحمد، وكل هذا تحت إشراف الزاوية القرآنية زاوية الإمام علي بن أبي طالب، بإمامة شيخها، الشيخ عبد الرحمن بن محمد الزاوي ومن المواضيع التي أخضعت للنقاش والتحليل ” الأمن الفكري مفهومة، بواعثه وأهميته” من تقديم الدكتور محمد فال ولد السالك، من جامعة نواقشط بموريتانيا الشقيقة، وموضوع ” الانتماء الوطني ودوره في تعزيز الأمن الفكري” للباحث المعروف الأستاذ الدكتور السعيد معول هذا في الجلسة العلمية الأولى.

كما ازدانت الجلسة الثانية، بموضوع بالغ الأهمية وهو” الخطاب الديني بين الموروث والمأمول في مواجهة الغزو الفكري” من تقديم الأستاذ الدكتور بلخير الطاهري من جامعة وهران.

وموضوع ” المجتمع المعاصر بين الانفتاح والتفتح الفكري” من إعداد الأستاذ صلاح الدين المستاوي من تونس الشقيقة.

وتميزت الجلسة العلمية هذه أيضا بمحاضرة الدكتور عبد المالك بوعمرة سونا، من جامعة البليدة، في موضوع يضرب بعمق في واقعنا الفكري اليوم ، وهو ” العقيدة الإسلامية ودورها في تمجيد العقل، وحرية الفكر”.

وتتالت المحاضرات القيمة مثل محاضرة: ” الوسائط الإعلامية، وتأثيرها على الأمن الفكري” للأستاذ تشيكو بوحسون الباحث الإعلامي والكاتب المعروف، إلى جانب موضوع “مكانة النخبة في بلورة الأمن الفكري داخل المجتمع” من إعداد كاتب هذه السطور.

إن هذه النقلة العلمية في طرح القضايا الوطنية، للراهن الوطني، من طرف جزء غال من وطننا الجزائري، هو إقليم عين صالح قد زاد من قيمته أن حوّل مدينة عين صالح إلى قِبلة فكرية حقا، زادها علوا وإشراقا المستوى الفكري المتألق للنقاش الذي تميز به المشاركون والمشاركات في الملتقى.

فتبارك الذي وهب مثقفي عين صالح رجالا ونساء، هذه المهابة التي ميزت الملتقى، في الطرح، والنقاش والاستنتاج وهو ما يؤصل للريادة الفكرية التي وضع أسسها –في عين صالح- المغفور له بإذن الله- الشيخ الصالح المصلح محمد الزاوي.

فإلى هذا الفقيد يعود الفضل بعد الله في نشره الوعي، بإحداثه للملتقى الفكري الإسلامي الذي يتواصل كل سنة، منذ ما يقارب الثلاثين سنة.

لقد استطاعت عين صالح بتلاحم الأجيال من إحداث الوعي الجماعي الوطني المتأصل الذي مكن من التلاحم تحت لواء الوحدة الوطنية، وتنقية الخطاب الديني الإسلامي من شوائب، الجمود والغلو والتطرف، وقيادة سكان عين صالح، التي تمكنت من خلالها قيادة الجنوب الجزائري نحو عبور أزمة ” الغاز الصخري” والتنبيه لخطورته على المكان والإنسان.

من هنا أمكن القول، بأنه إذا كان الغاز الصخري، كما دللت على ذلك البحوث العلمية الصادقة، يمثل خطرا على الإنسان، والمكان عبر الزمان، ويكون سببا للتوتر بين السكان في الأوطان، فإن البديل هو الأمن الفكري ، الذي يعزز وعي الوجدان، ويؤكد التلاحم بين المواطنين على أساس الإيمان، ويعمق الانتماء الوطني بقيادة النخبة الواعية، على قاعدة الحجة والبرهان.

إن الملتقى الدولي الثاني الذي أشرفت عليه الزاوية القرآنية، زاوية الإمام علي بن أبي طالب، قد رفعت من قدر الزاوية ووضعتها في مصاف الزوايا القائمة والمستقيمة بالقرآن، والفكر والبرهان، مما جعلها نموذجا يحتذي لكل الأوطان، ولبني الإنسان فتهنئة من الأعماق إلى واحة عين صالح الجميلة والظليلة، التي آوتنا في رحاب اخضرار جنانها، وعقول سكانها، فأطعمتنا من جوع سوء التغذية، وأمنتنا بمنهجية جميل الفكر، وحسن التربية.

فاللهم أمطر شآبيب رحمتك على من كان الراعي الأول لهذه المبادرة، الشيخ محمد بن عبد الرحمن الزاوي، واجعله في علّيين، مع النبيين، والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com