غير مصنف

العلامة سعد الله “ربيئة ” الجزائر

د. حسن خليفة

من جمال العربية الشريفة هذا الاطراد في معانيها والتمايز في دلالاتها، في لفظ أو اسم أو فعل.. من ذلك لفظ “ربا” الذي يشتمل على كثير من الدلالات، جميلها وقبيحها..

  • ربا/ ربا يَربُو، ارْبُ، رَبْوًا ورُبُوًّا، فهو رابٍ، والمفعول مَرْبُوّ- للمتعدِّي.
  • ربَا العجينُ: علا وانتفخ بعد اختماره: عاليًا على الماء.
  • ربا الجرحُ: ورم.
  • ربَا الرَّابيةَ: صَعَد فوقها.
  • ربَا الولدُ في بني فلان: نشأ وترعرع فيهم، ربا الولدُ في بيئة ريفية عاش فيها وترعرع.
  • ربا الشيءُ ربا رَبْوًا، ورُبُوًّا: نما وزاد. وفي القرآن الكريم من سورة: الحج /آية 5 يقول تعالى:{وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهتَزَّتْ ورَبَتْ} أي: زادت ونمت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنَّبات.
  • ربا المالُ: زاد.
  • وأما معنى “الربيئة” وهو موضوع هذا المقال القصير فنجد: “الربيئة” معناها: الطليعة المستكشفة، المستشرفة التي ترقب العدو، وجمع ربيئة: ربايا.

 

والمستفاد أن كل مجتمع لابد فيه من “ربيئة” أي طليعة تستكشف وتستعلم وتستشرف أحوال الحاضر والمستقبل، بناء وتأسيسا على الماضي. وقد تكون تلك الطليعة مجموعات، وقد تكون أفرادا.. والأمر على نحو من الأهمية؛ بحيث لا ينبغي أبدا أن تنعدم الطلائع في أي مجتمع أو أمة. والحمد لله تعالى فإن أمتنا الكبرى (الأمة الإسلامية) وأمتنا الصغرى (وطننا) لديهما ربايا كُثر، أي طلائع متيقظة، أفرادا ومجاميع في كل حقل وميدان. وممن نحسبهم “ربيئة ” (طليعة) مميزة الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله عليه شآبيب الرحمة والرضوان. وقد أحسنت مجلة “الربيئة” الفكرية الثقافية الفتية التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين (حاسي بحبح ـ الجلفة) … إذ جعلت عددها الثالث (الورقي) عددا خاصا بالفقيد سعد الله الكاتب والمؤرخ والعالم والأديب. وهذا صنيع أهل الفضل دائما، إذ لا ينسون فضل أهل الفضل والفكر والعلم.

نعم من حق الأستاذ العلامة أبي القاسم سعد الله علينا أن نكتب عنه، ومن حق الأجيال أن تعرف من هو، على النحو الكامل الدقيق.

فهو شيخ المؤرخين، وهو العلّامة الذي أعطى لأمته ومجتمعه، بإنتاجه الفائق الغزير ما لم تستطع فرق ومجموعات أن تعطي قريبا منه.

 

لقد وفق الله تعالى المشرفين على مجلة “الرّبيئة” في تخصيص عدد له؛ فتأهبت ثلة من خيرة الأقلام لتكتب عن جوانب من سيرة حياته العظيمة؛ منذ أن كان طالبا بجامعة الزيتونة بتونس إلى أن هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وقد نوَّهت بمآثره وأعماله الجادة التي جعلته بحق أبًا للتاريخ الجزائري في تصدِّيه لكتابة موسوعته التاريخية الفذة “تاريخ الجزائر الثقافي”؛ فقد كان ينافح ويذود عن ذلك التاريخ الزاخر بالمآثر والعظائم، فأصبح اسمه مقرونا بعلم التاريخ عامة وتاريخ الجزائر خاصة، وهذا ما سجّله قلم زميله الأستاذ عبد الرزاق قسوم في كلمته في العدد الخاص بعنوان “دمعة وفاء” وهي الكلمة التي كانت استهلالا للعدد الخاص.

ثم تلتها مقالة للدكتور محمد الأمين بلغيث وقد عنونها بـعنوان لافت مثير.. “الهامش الذي تحوّل إلى المركز”، وهي قراءة أولية في مذكرات الشيخ أبي القاسم سعد الله، مذكراته من السيرة الذاتية إلى كتابة التاريخ، وقد أرفقها الدكتور بأهم أعماله في ملحق سماه “من السيرة إلى المسيرة” مبرزا أهم أعماله ونشاطاته.

ولم يكن الأستاذ سعد الله مؤرخا فحسب؛ بل شأنه كشأن كل عظيم فذّ؛ إذ نجده شاعرًا أيضا وهو ما كتب عنه الدكتور محمد جمعة الدّربي– من مصر- إذ بيّن وأبرز ولع الفقيد باللغة العربية وسعيه المنتظم الجاد لاسترجاع مكانتها، كما ذكر تجربته الشعرية، وعقّب على دراسة التجربة الشعرية عند أبي القاسم سعد الله، للأستاذ عبد الكريم شبرو. وهو فتحٌ لباب نقد الدراسات الأكاديمية يحسُن أن يوسّع في جامعاتنا ومنتديات الأكاديمية العلمية.

كتبت الدكتورة ليلى لعوير عن تميز الأستاذ سعد الله ككاتب ناثر، وذلك في مقالها الذي حمل عنوان: “أبو القاسم ناثرا”. وقد عُرف ـ رحمه الله تعالى ـ عاشقا للكتابة والتدوين؛ حتى قال يصف ذلك بقوله (أي يصف الكتابة ): “إنها هي دوائي وهي دائي، هي غذائي وهي هوائي، فإذا كتبتُ رضيت عن نفسي، وإذا لم أكتب سخطت عليها، ومرّ اليوم كأنه سُرق من عمري”. فانظر إلى هذا العشق العميق للتدوين والكتابة والإفصاح بالقلم، وهو سرّ من الأسرار الكبيرة لدى جمهرة الكتّاب والأدباء ومن أدركتهم حرفةُ الكتابة عموما؛ إذ يجدون فيها لذائذ لا توصف.

من جهته تطرّق الدكتور مولود عويمر للنشاط الطلابي لسعد الله في كل من مصر والولايات المتحدة الأمريكية، خلال الفترة الممتدة بين (1955-1962)، وأهم المحطات التي مر بها. وقد عرّف بجهود الفقيد على نحو بديع وجميل يُستفاد منه دون ريب من باحثينا ودارسينا في مختلف الجامعات والمراكز البحثية.

 

أما الدكتورة فريدة قاسي فقد قادتنا إلى الاستشراق في مقالها العلمي الذي جاء عنوانه “أبو القاسم والاستشراق الفرنسي في الجزائر” لتبيِّن مدى اهتمام العلامة سعد الله بالاستشراق الفرنسي وخدمته للاحتلال الفرنسي في الجزائر ابتداءً من سنة 1830م. وهي أيضا دعوة إلى قراءة تحليلية عميقة لكل الجهود الثقافية الفرنسية أثناء وقبل الاحتلال البغيض إلى الآن؛ إذ ما تزال تلك الجهود متواصلة منتظمة جادة، ولا بد من “ربيئة” حارسة ومجاميع متيقظة من أبناء الوطن ومثقفيه.

وقد كتب الدكتور محمد رحاي عن الدكتور سعد الله مبرزا دوره الأكاديمي في التاريخ في مقاله جعل عنوانها “سعد الله مؤرخا”. ولعل هذا ما ينبغي التركيز عليه من طلاب التاريخ والباحثين فيه، لأن الفقيد مدرسة في منهجه وصبره وتحمّله ودأبه ومواضبته؛ حتى ألف وأنتج كل ذلك الميراث العظيم الرائع الحامل لتاريخ الجزائر الثقافي والفكري والعلمي.

من الكتابات التي حملها العدد أيضا مقال الأستاذة سارة أبو بكر علي–من السعودية- عن موسوعته التاريخية، بعنوان: “أبو القاسم سعد الله وموسوعة تاريخ الجزائر”.

وختمت المجلة عددها الخاص بوصية ثمينة للأستاذ سعد الله للأحفاد بعنوان “من أجل أحفادنا”.

إن ما قُدّم في هذا العدد الخاص إنما هو ولوج باب السير والتراجم لشخصيات عظيمة تجلت فيها معاني “الربيئة” من حماية الأمة وتاريخها وحراسة قيّمها، وأبو القاسم سعد الله ربيئةُ الجزائر وأحد حماتها بحق.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com