ذكرىغير مصنف

جريدة البصائر في عدد الـــ 1000 من السلسلة الرابعة بعد عام 2000

أ. محمد الحسن أكيلال

مقدمة :

في هذا الأسبوع لن أكتب مقالي المتواصل والمتوالي عن القضية الفلسطينية التي نذرت قلمي لها منذ عشر سنوات أو أكثر لاعتقادي الراسخ بعدالتها وقدسيتها وكوني تأصلت في روحي العقيدة النضالية ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية العالمية التي أعتبرها أم الشرور في هذا العالم البائس اليائس من جبروتها وغطرستها، عدم كتابتي في هذا الأسبوع ببساطة سببه يعود لعاملين اثنين هما:

  • نزولا عند رغبة الشاب “ياسين مبروكي” الذي عين مديرا لتحرير هذه الجريدة الغراء – البصائر – التي تأسست في عام 1935 بقرار من الشيخ الجليل العلامة “عبد الحميد بن باديس” رحمه الله، أطال الله ويطيل عمرها بعد هذه الــخمسة والثمانين سنة الماضية من عمرها.

فالشاب الذي لم أكن أعرفه من قبل، ولم أكن أعرف أنه عين على إدارتها إلاّ في الأيام القليلة الماضية، ولقد قصدت مكتبه في الأسبوع الماضي لأثور في وجهه وأحتج على عدم نشر مقالاتي الأسبوعية خلال أكثر من شهرين، منذ تاريخ 13 نوفمبر عام 2019 إلى تاريخ دخولي إلى مكتبه 19 فيفري 2020، ولكنني فوجئت بشبابه عمرًا وعملا وجدية وأخلاقا حسنة، هي الصفات التي أتمنى أن يتحلى بها كل شباب بلادي العزيزة التي نفتخر هذه الأيام وخلال عام كامل بهذا الشباب الرائع اليافع المدافع عن شعبه وهويته وحلمه وتراث أجداده من الشهداء الذين ارتقوا خلال حرب التحرير وثورة نوفمبر المظفرة فداء للوطن والحرية واستعادة السيادة والاستقلال.

لقد تذكرت برؤية الشاب أول مرة الشهيد البطل “مراد ديدوش” الذي كان أول القادة الأبطال الذي استشهد بتاريخ 18 فيفري 1955 في الشمال القسنطيني الذي كلف من طرف إخوانه بالمسؤولية فيها لنشر الوعي الثوري وتجنيد الشباب للالتحاق بصفوف الثوار.

أبطال الثورة الكبار الشهداء من تلاميذ الجمعية

  • للعلم – فــ”مراد ديدوش” هو الذي صاغ مشروع بيان أول نوفمبر بعد تكليفه من طرف الشهيد بمعية البطل”العربي بن مهيدي” “مصطفى بن بولعيد” لصياغة النداء البيان، وانفرد الشهيد “مراد” بالصياغة بطلب من صديقه الحميم “العربي بن مهيدي” الذي يعرف جيدًّا أسلوب وأفكار الشهيد “مراد” كما عرفت من صديقه المناضل المرحوم “بلقاسم راجف” عضو المكتب السياسي لحزب الشعب في أربعينيات القرن الماضي.

نظرتي الأولى إلى الشاب “ياسين” واستماعي له في دفاعه عن نفسه في احتجاجي جعلتني أحس بسرور داخلي لكوني فعلا كنت أتمنى في قرارة نفسي أن يكون على رأس تحرير الجريدة شاب مثله، إنه أحيا فيّ التفاؤل بمستقبل الجريدة ومستقبل الجزائر كلها.

  • العامل الثاني يتمثل في حرقة أعماقي منها تجاه هذه الجريدة التي أراد البعض وأدها حية بعد أن استعصى قتلها خلال السنوات العجاف العشرين الماضية (عمر السلسلة الرابعة فيها) بعد أن فشلوا في قتل جمعية العلماء المسلمين بطرق شتى لا داعي لذكرها، وأهمها الحملة الدعائية التي أوقدها غلاة المتخلفين من المناضلين الوطنيين الشعبويين الذين لا بصائر لهم ولا أبصار، فهم لا يفرقون بين الثورة والثوروية وبين النضال كجهد ملتزم يحتاج التوحيد والتجميع ورص الصفوف وبين الحرب بأية وسيلة كانت، المهم أن يحارب حتى ولو كان الذي يحاربه شريكه فيها مثلما حدث مع “عبان رمضان” رحمه الله فشتان بين الثورة والحرب، بين الثورة والثوروية، الثوري يناضل بدافع فكري مستنير والثوروي ثور ينطح كل من يقف أمامه، الثورة تستهدف تغيير السلوكات والأفكار القديمة وتعويضها بسلوكات وأفكار جديدة تخدم الإنسان المراد تحريره من الظلم والاستغلال والاستبداد.

هؤلاء الثورويين بكل أسف عاش منهم الكثيرون بعد استرجاع الاستقلال الوطني وعاشوا مسربلين وبكل عتادهم العسكري الموضوع في نفسياتهم وأذهانهم وأفكارهم حتى أوصلوا البلاد بعد سبعة وخمسين سنة من عمر الاستقلال    إلى هذه الهاوية السحيقة التي لا قرار لها والتي خرج الشباب حاملي جينات الشهداء والثوار إلى إنقاذها منها.

لقد نسي هؤلاء الذين احترفوا الاغتيال والتصفية أن أغلب الشباب الشهداء من الثوار من الشباب الذين علمتهم وأنشأتهم جمعية العلماء المسلمين التي أسست منظمة الكشافة الإسلامية التي ترعرع في صفوفها كل من “ديدوش مراد” و”بن مهيدي” مثلما انخرط فيها العقيد “عميروش” و “الحواس” رحمهم الله جميعا.

مشكلة جريدة “البصائر”

  • أثارت انتباهي في كلمة الدكتور “عبد الرزاق قسوم” مفردة تلفظ بها في حفل التكريم وهي لفظة مكيدة ضد جريدة “البصائر”، ولقد توقفت عندها وتأملت فيها مليا، إذ ذكرني أيام تكليفي من طرف الأستاذ الفاضل الشيخ “عبد الرحمن شيبان” بإدارة توزيع هذه الجريدة، وقد كنت على علاقة جيدة بالأستاذ المرحوم “علي فضيل” رئيس مجمع “الشروق”، فقصدته طالبا منه مساعدتنا على توزيع أسبوعية “البصائر”، وكما هو معروف عنه لم يتأخر رحمه الله وغمرها بسخاء كرمه حيث لم يكتف بأمر أخيه “رشيد” بتوقيع اتفاقية لتوزيعها عن طريق موزع “الشروق”، بل قدم للجمعية إعانة مالية محترمة يشكر عليها ويتقبلها منه الله كصدقة جارية وزاد في كرمه ذاك أن قام بتكريم فضيلة الشيخ المرحوم “عبد الرحمن شيبان” بسخاء أيضا.

لقد تنفست الصعداء وأنا أوقع مع “رشيد فضيل” الاتفاقية وأحسست بسعادة وفرح ليغمران نفسي لاطمئناني على توزيع الجريدة في كل الأكشاك التي توضع فيها جريدة “الشروق” الغراء.

بعد فترة ليست طويلة من متابعتي لعملية التوزيع عن بعد لاحظت غيابها في أكشاك مدينة “فوكة” ولاية تيبازة التي أسكن فيها، استفسرت فقال أصحاب الأكشاك أن الموزع وهو من الخواص لا يأتي بها هذه الأيام، قررت أن استيقظ باكرا وقت التوزيع لألتقي به لأسأله عن السبب، حين سألته هرب مني دون إجابة.

نفس العملية، عملية المتابعة، هذه المرة في مدينة أقبو ولاية بجاية، مسقط رأسي الذي أزوره كل شهر تقريبا، والموزع هذه المرة المكلف بالمنطقة ما بين مدينتي البويرة وبجاية وهو ابن أختي لاحظت غياب الجريدة عن الأكشاك رغم طلبها من القراء، فأجابني ابن أختي أن الناقل من العاصمة إلى البويرة أصبح لا يأتي بها. لقد قررت أن أوزعها بنفسي بسيارتي في العاصمة وبعض مدن تيبازة كــــــبوسماعيل والقليعة وفوكة، مثلما أصبحت أحمل معي كل شهر أعداد الأسابيع الأربعة إلى مدينة أقبو.

  • في هذه الأثناء قرر رئيس الحكومة إيقاف منح الإشهار لكل الأسبوعيات وبعض اليوميات التي تتخبط في التوزيع ونقص المبيعات وعدم دفع تكاليف الطباعة، اضطررت الاتصال بــــــ “أحمد أويحي” ليكلم المدير العام للإشهار “بوسنة” باستثناء “البصائر” من القرار، فاستجاب السيد “بوسنة”، ولكن بعد شهرين أو ثلاثة فوجئنا بتوقف الإشهار أيضا فكلمني المرحوم الشيخ “شيبان” على الساعة 11 ليلا طالبا مني التدخل لدى السيد “سليماني” في مديرية الإشهار، فقصدته في صبيحة اليوم الموالي طالبا منه تنفيذ قرار السيد رئيس الحكومة “أويحيى” فرضخ بعد نقاش طويل معه بحجة يرددها وهي قلة التوزيع بل انعدامه في كثير من الولايات مما جعل بعض المديرين لأسبوعيات أخرى تحتج على المعاملة.

هذه هي المشكلة التي كانت تعاني منها الجريدة وهي أظن أنها تدخل في صلب كلمة الدكتور “عبد الرزاق قسوم” في لفظة المكيدة.

 

معاناة الجريدة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي

إن تناول موضوع الجريدة “البصائر” يقتضي الكثير من الصراحة التي قد تؤلم البعض، ولكن مسؤولية الكلمة ومسؤولية إنقاذ جريدة بتاريخ ورسالة “البصائر” تتطلب هذه الصراحة، فالجريدة باعتبارها لسان حال الجمعية التي تحارب من كثير من الأطراف مدعمين بكثير من المنخرطين الذين قصدوها لتحقيق أهدافهم على حساب تحقيق أهداف الجمعية، وهؤلاء أكثر خطرًا من الذين يحاربونها من خارجها، ورسالة فضيلة الشيخ المرحوم “عمار مطاطلة” منذ حوالي عشر سنوات أحسن دليل على ما أقول.

نفس الشيء بالنسبة للجريدة، فقد التحق بها للكتابة فيها كثير ممن لا محل لهم من الإعراب في عالم الكتابة الأدبية والفكرية، ولكنهم لطموحهم ولتحقيق ذواتهم لم يجدوا جريدة أحسن منها لذلك.

إنهم مجموعة من الناحلين والناقلين من كتب الآخرين بطريقة أحيانا تكاد تكون فجة وغبية، المهم تدبيج الصفحات الكثيرة التي نادرًا ما يقرأها رئيس التحرير، وإذا قرأها فإما لتشجيعهم وإبقائهم داخل الجمعية لتوسيع قاعدتها التي هي في أمس الحاجة لذلك، وإما لأنه لا يقرأ الكتب التي نحلوا ونقلوا منها فيعتبرهم كتابا حقيقيين.

إن معاناة الجريدة من معاناة الجمعية منذ السنوات الأولى من استرجاع الاستقلال حين أقفلت الجمعية وزج برئيسها الشيخ المرحوم “البشير الإبراهيمي” طيب الله ثراه في الإقامة الجبرية لأنه يعتبره الشعبويون الثورويون مناهضا للثورة، في حين أنني أعتبره من خلال قراءاتي لآثاره الأكثر قربا من الثورة بمعناها الحقيقي لكلمة الثورة والمأساة أن هؤلاء هم الذين أصبحوا لحسن حظوظهم وسوء حظ الشعب قادة لمرحلة ما بعد الاستقلال.

إن عودة الجمعية إلى الظهور في فترة تتسم بفيضان للمد اليساري الانتهازي وللأيديولوجية الأحادية الفكرية والوطنية المغشوشة المغلوبة على رأسها، وهذا ما جعل الكثير من الشباب يحجمون على الانخراط فيها كما أحجم الكثير من الكتاب والأدباء أيضا على الكتابة في “البصائر” ما ترك الباب مفتوحا فقط لشلة من الشيوخ الأجلاء طلاب الشيخ “عبد الحميد بن باديس” رحمه الله يحاولون جذب أولئك المحجمين دون جدوى رغم قربهم الشديد من توجهها وفكرها، وعلى مر الأيام والسنين وجدت نفسها   هذه الجمعية جمعية لرجال الدين والفقهاء بدل العلماء الحقيقيين كما وجدت الجريدة نفسها ممسكة بمن لا يجد في المجلات الفكرية الراقية مكانة لنشر كتاباتهم.

إن حياة جريدة “البصائر” من حياة جمعية العلماء، فإحياء الجريدة يتم بتطوير مضمونها أولا وجعله يصل إلى مساحة قراء مقبولة كما ونوعا، وهذا يعني فتح الباب مع الشباب من الأدباء والكتاب والمفكرين الأكاديميين من مختلف المشارب وتخليصها شيئا فشيئا من المحتوى الحالي الذي يكاد يقتصر على الإسلاميات وفقط، وهذه الإسلاميات أيضا تشهد بروز اجتهادات كثيرة أعادت قراءة الإسلام برؤية علمية ونقدية مثيرة الاهتمام وتعيد للاجتهاد ألقه بعد أن كاد ينطفئ خلال القرون السبعة الماضية إغلاق أبوابه.

المرحلة في تاريخ بلادنا حاسمة ومفصلية والأجيال الحالية والقادمة لا تقبل كل شيء يكتب أو يقال لها دون أعمال التفكير والنقاش، ووسائل الإعلام والاتصال بلغت في تطورها درجة عالية من التقنية بحيث أصبحت تفاجئ العالم كل يوم بجديد.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com