قضايا و آراء

حقيقة الخطاب المدني

بقلم: عبد العزيز كحيل

يتحاشى معظم العلمانيين نعت أنفسهم بهذا الاسم في الفضاء العربي الإسلامي لما يحمله من معانٍ لا يتقبلها الرأي العام، لذلك يموّهون بأسماء أخرى أقل إثارة واستفزازا، ففي الأدب هم حداثيون، وأمام الغرب ديمقراطيون، وسياسيا مدنيون، وقد انتشر لفظ “المدنية” كثيرا في المدة الأخيرة، يقول واحد من منظريهم – جابر عصفور-: “بما أن كلمة العلمانية أصبحت سيئة السمعة فمن الأفضل استخدام الدولة المدنية”، إنه خطاب فرنكوفوني بامتياز لأن الفرنكوفونية لم تعد مسألة لغة في المغرب العربي – ومنه تحاول اكتساح المشرق- بل هي التزام أيديوليوجي لترويج القيم الفرنسية –وهي الأكثر غلوّا في العلمانية – وعلى رأسها النظرة المادية والعدوانية تجاه الدين، بخلاف ما عليه الأمر نسبيا في باقي دول الغرب الكبرى، والمطلع على هذا الخطاب المدني يجده لا دينيا موغلا في استبعاد الإسلام بما كل ما يحمله ويمثله، هو خطاب يقرأ التراث بعدسات فرنكوفونية قاتمة، يتأرجح بين الاستهداف المباشر للقرآن والسنة والشريعة والقيم وبين إعادة تفسير التراث بشكل يدل على هشاشة معرفية عميقة بسبب الانتقائية دون اعتماد منهجية علمية واضحة، قراءة تجاوز – مثلا – مئات الآيات القرآنية التي تتحدث عن الآخرة لتركز على آيات الاستخلاف والعمارة وحدها، أي تعزل مهام الخلافة والعمارة عن العبودية والعبادة، إنه خطاب يزيح دين الله من مركز القيادة ويضعه في قفص الاتهام، يتبرم من اللغة الإيمانية ويعدّها ساذجة، ويتحاشى البعد الغيبي في تفسير النصوص والأحداث، ولا يهمه المراد الإلهي، وبدل أن يقترب من الخطاب الإسلامي بالحوار والنقاش انتقل إلى الوشاية السياسية ضده والتحريض على كل ما هو إسلامي والاستخفاف بكل منجَز تراثي لأنه لا ينظر إلى التراث إلا على أساس أنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس له أي دوافع دينية أو أخلاقية، وهذا جعله يصل إلى استهداف الدين ذاته كمصدر للتشويش الاجتماعي المعاصر.

في المقابل يستخدم هذا الخطاب لغة ناعمة بشوشة مع خصوم الإسلام سواء في مجال الثقافة أو السياسة وحتى العلاقات الدولية، ويصدق بكل قوة كل ما هو غربي وخاصة ما كان عبثيا منه.

هذا هو الخطاب الذي تتداوله نخبة فكرية مزيفة تسوقها النكاية والعناد، ألغى من قاموسه أي مفردة فيها اعتزاز بالذات أو إيحاء بالانتماء الإيماني والحضاري، فمفرداته تدور حول: الانفتاح الآخر، التسامح، النسبية، الاستنارة، النهضة، المواطنة، الأنسنة، الإقصاء الوصاية،… وكلها لافتات فكرية أكثر منها أدوات دلالية، تشير إلى المسخ الثقافي والعمالة الحضارية والتنكر للانتماء الذاتي، وترتمي بالكلية في فلسفة الغرب وتصوّه وفكره، من أجل ذلك يتناول هذا الخطاب تراثنا بقراءة موجهة تدعم المدنية المادية وتدافع عن منتجات الحضارة الغربية لأن الذي يحدوه هو الانبهار بالغرب والعقدة من الذات، فيصبّ همه على البحث عن تناقضات داخل التراث لتحييد الإسلام والاقتناع بأنه على صواب في تقليده للوافد الثقافي.

باسم العقلانية – وهي مفهوم ضبابي لم يضعوا له تعريفا علميا واحدا ولا ضوابط معرفية مقنعة – “أنسنة” الدين والقيم والحياة حتى لا يبقى للجانب الرباني أي نصيب، وهذا حتى في تناول القرآن والسنة، وإلى درجة الغلوّ، ومن الغرائب أن هؤلاء ينكرون الغلو في الدين وهم غلاة متطرفون في المدنية المادية والحضارة والعمارة والنهضة بتعريفاتها المادية، يسقطون الجوانب الدينية والأخلاقية والروحية والخلافية تماما وكان هذا العالم بما فيهم من فيه مجردة مادة، وهو عين ما يقوله التفسير المادي للكون والتاريخ.

فالمسألة المركزية هنا إذًا هي المادة، والخطاب المدني يحوي أسئلة حارة لكن حتى في هذا الميدان يعطي إجابات خاطئة لأنه لا يحسن طرح الأسئلة بل يلفق ويتهرب من الحقائق ويقرأ الدين أحوال الإنسان والواقع كما يريد أن تكون لا كما هي بالفعل، ومرد ذلك إلى افتتانه بالقوة المادية لدى الغرب- والحضارة الغربية عنده هي نهاية التاريخ – لذلك يرى الخطاب المدني أن الحداثة حركة نهضوية في مقابل حركات هوية عدمية تنشط ضد الحضارة والمدنية والتحديث والرقي، لا تملك سوى أدوات الممانعة ومقاومة التغيير.

وواضح جدا أن أصحاب هذا الخطاب يكتفون بترديد التهم الجاهزة التي صنعتها المخابر المعادية للاستقلال الذاتي للمسلمين وللإسلام ذاته، فهم لا يقرؤون للإسلاميين ولا يطلعون على مرجعيتهم، وإذا فعلوا ذلك فمن خلال القراءات الاستشراقية الأكثر عداوة للإسلام وأهله، فلا عجب أن تأتي أحكامهم في صيغ تبشيرية كأنهم أعضاء في إرساليات كنسية، هذه نتيجة الانبهار بالغرب وفلسفته وفكره ومنتوجاته.

أما أصحاب المرجعية الإسلامية فيفرقون بين الانتفاع والانبهار والفكرة المركزية عندهم ليست المادة وإنما التزكية والمستقبل الأخروي أما المدنية فهي وسيلة، وعندما نقول وسيلة هذا ليس انتقاصا ولا تهميشا إنما هو ترتيب، ذلك أن الغاية هي العبودية والعبادة، والرقي المادي وسيلة لأداء مهام الاستخلاف والعمارة، عندما تكون الأمور بهذا الترتيب يجمع المسلمون بين الربانية والإنسانية، وبين الروح والمادة، وبين الدنيا والآخرة.

إن المبالغة في الاهتمام بالشأن الدنيوي والتركيز فقط على مفردات العدل والرقي والازدهار جعلت العلمانيين في غاية البرودة من المنكرات العقيدية والفواحش بأنواعها، بل يتبرمون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي يحرصون على سلامة الدنيا مع فساد الدين، هذا وهم مسلمون.

إن أصحاب المرجعية الإسلامية ليسوا ضد التنوير والتقدم والمدنية لكن يجب التحديد الدقيق للمفاهيم ووضع سلم ترتيب يوضح الأهم والمهم والمطلق والنسبي والكلي والجزئي والأول والثاني، وهكذا…، فالتنوير الحقيقي هو بالدرجة الأولى الاستنارة بالعلوم الإلهية التي تعصم الإنسان من الزلل حتى لا يكون عبدا مسخرا للمادة ولا أسيرا للدنيا منقطعا عن الآخرة أما الظلامية والانحطاط والعدمية فهي الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغ الناس من الرقي المادي، وأشرف مراتب العمارة هي العمارة الإيمانية، وجوهر وظيفة الاستخلاف هو التمكين لدين الله.

أخيرا ما الذي جعل الخطاب العلماني ينتشر كل هذا الانتشار في بلاد تلوذ بهويتها وتتمسك بشخصيتها؟ العلمانية غزو فكري بمباركة أنظمة سياسية حاكمة وبدعم كبير من قطاع واسع من وسائل الإعلام، هذه الوسائل التي لم تعد مجرد وسائط إخبارية أو مناخ معرفي بل هي كائنات سياسية إيديولوجية حقيقية تخدم الفكر الغربي وتعمل على هدم الفكر الإسلامي وثوابته وتصوراته ورؤاه وحتى مفرداته.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com