غير مصنففي رحاب الشريعة

أوقات الانتظار بين الضغط النفسي وسوء الاستثمار

بقلم: محمد مكركب

من بين أتعس السلبيات المتراكمة في كثير من المجتمعات، ذلك الانتظار المفروض على الناس في أروقة مؤسسات الخدمات المجتمعية، كمؤسسة النقل، والاستشفاء، والبلديات، والبريد، ومصالح أخرى، وذلك مما دأبت عليه كثير من الإدارات التقليدية، ومؤسسات الخدمات اللاواعية، في البلدان التي مازالت تعاني من الأزمات المفتعلة بسبب الجهل والعجز، ورتابة الإهمال الضاربة بتعسها في مجتمعات النسيان البدوي. وهذا ليس فقط في المجتمعات المتخلفة تكنولوجيا وإنما هي مصائب حتى فيما يعرف بالبلدان المتقدمة، بنسب متفاوتة، ومن أسباب ضياع الأوقات أيضا، نقطة سوداء أخرى هي تلك العراقيل التي تُصَعِّب السير في الطرق والمدن، والمؤسف حقا هو أن المسؤولين على التسيير في المؤسسات المذكورة المريضة بأوقات الانتظار، والمسؤولين على تخطيط المدن والطرق، وتنظيم السير فيها يعدون ذلك أمرا عاديا مفروضا بسبب تزايد السكان في الإقبال على طلبات الخدمات، وأن الازدحام في الطرق بسبب كثرة السيارات، وأن ذلك من حُتُوم الزمان، وما على الناس إلا الرضا بواقع التقاليد والعادات الرتابية المرهقة.

والسؤال: هل هذه السلبيات المقيتة المتسببة في الأمراض القلبية والنفسية، والمعطلة لمصالح الناس بشكل سيئ قبيح لا يليق بأدبيات المتحضرين، ثم إن هذه السلبيات التي تنهك الاقتصاد وتهدم قواعده وتشد الأوطان إلى الوراء.

هل هذا التعس والمنكر فعلا هو فوق طاقة المسؤولين؟ أم هو ضعف وتهاون عن جهل بحقائق المقتضيات الحياتية والإهمال المتعمد لاستثمار الطاقات والقدرات والإمكانات المتاحة للمسئولين؟ والحقيقة الشاهدة تقول: إن السبب هو الضعف والتهاون في الذهنية المسيرة.

والسؤال الثاني: إلى متى والعقل الإنساني المتحضر يتعذب في زمن لا يستطيع المسؤولون على الخدمات المجتمعية أن يعيشوا عصرهم؟ فما ذنب الباحث ورجل الأعمال والمسافر والمريض؟

قال محاوري: ألم تعلم بأنك في نظر من ألفوا رتابة التخلف، قد بالغت في عرض هذه القضية والأمر لا يحتاج كل هذا الاهتمام، (هم يقولون) فقد اعتاد الناس الانتظار وتضييع الأوقات، وألفوا الازدحام في الطرقات والتأخر عن الخدمات، أو حتى لا يعملون فالأمر عاد، وهذه ظروف حتمية (يقولون) وما علينا إلا الصبر.

قلت: هذه التعليلات العقيمة هي التي أدت بأهلها إلى حد اعتبار بقاء الناس في الجهل والأمية أمر طبيعي، وشباب عاطل لا يعمل  ولا يوجه للحرف والإنتاج وما يصلح له وللوطن أمر طبيعي، وتخلف في مستويات التعليم، وإضراب عن التعليم، أمر طبيعي، وعدم الاكتفاء الذاتي في القوت واللباس والمسكن أمر طبيعي. وربما اعتبروا الحروب الأهلية في كثير من البلدان أمر طبيعي، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي الحكيم.

قلت لمحاوري: هل علمت كم هي الخسارة الاقتصادية والعلمية والاجتماعية بغض النظر عن القلق النفسي والضغط الدموي؟ في تأخر رحلة جوية عن موعدها نصف ساعة بالنسبة لطائرة يسافر على متنها مائة مسافر (مثلا) فيهم الأستاذ الجامعي الذي ينتظره مائتي طالب وإذا فاتتهم هذه المحاضرة العلمية فاتهم جزء من عمرهم لا يعوض أبدا، والطبيب الجراح الذي تنتظره عمليات جراحية مبرمجة في الوقت، وقد يتسبب تأخره في وفاة مرضى، والمهندس المقاول الذي يجب أن يصل في الوقت ليعطي التوجيهات والقرارات الهندسية في الميدان، وإلا ضاع المشروع، والتاجر الذي ينتظر وصول الباخرة في الوقت المعين، ليقوم بالإجراءات في الوقت وإلا تضاعفت على حسابه التكاليف. والقاضي، والمحامي، والباحث،.. هل مؤسسة الطيران تشعر بكل هذه الاهتمامات، وإلا عندهم على مذهبك (أعني محاوري) كل ضياع من أوقات هؤلاء وكل تأخر أمر طبيعي؟؟

أوقات الانتظار بالنسبة لهؤلاء وأولئك، تكلف الكثير والكثير مما يعود على الإنسانية بالخسارة والضياع.

هل يمكن التخلص من هذه السلبيات؟ أعني: أوقات الانتظار، وازدحام الطرقات؟

أولا: قبل الجواب، نقول: إن الرضا ببقاء مظاهر التخلف بكل صنوفها وأشكالها، أمر لا يعقل أبدا، إذا كان المرء من أجل فحص طبي ينتظر ساعة وفي بعض المستشفيات ثلاث ساعات، ومن أجل رحلة سفر ينتظر في المحطة أو المطار ساعة أو أكثر، وعندما يذهب لاستخراج وثيقة عادية من إدارة ما، ينتظر ساعة. هذه مُرْهِقات معرقلات، مُتعبات إلى حد الإصابة بالأمراض المزمنة، ونسأل الله العافية.

وأما الجواب عن السؤال، هل يمكن التخلص من هذه السلبيات؟ نعم، ولكن المشكل ليس في الإمكانات والوسائل، إنما المشكل في الذي يتولى المناصب المسئولة عن ذلك وهو ليس مؤهل للقيام بما يجب، أو أنه مقلد راض بالتخلف.

قال محاوري: ولكن أين الخلل بعد كل هذا؟ وما هو العمل مع هذا الوسط التقليدي الاستهلاكي الذي لا يتطور ولا يحب أن يتقدم؟

أولا: كل إدارة أو مؤسسة خدماتية، تعاني هذا النقص، يجب على المسيرين فيها أن يتفقهوا في فن القيادة الإدارية، وكل حيرة فكرية لها حل، ومما يتعلمه القائد الإداري في هذا الشأن، الإحصاء والتخطيط والبرمجة وضبط المواعيد بالتوقيت بالنسبة للخدمات، وأما ازدحام الطرقات وما يسببه من انتظار على متن السيارات والحافلات، وما ينجم عنه من الأزمات، فإنه يحتاج إلى أمرين ابتداء: الأمر الأول: مراجعة تنظيم الانسياب الممكن في الطرق والمدن. والأمر الثاني: اعتماد التخطيط الهندسي والجغرافي للمدن على مواصفات حضارية تضمن المأوى الكم السكاني ومرونة المرور. وكل هذا من السهولة بمكان، ليصبح المسافر لا شيء يعوقه في طريقه من الانطلاق إلى حيث يريد، داخل أو خارج المدن. وليس هذا المقال للتذكير بالمخطط العلمي الضروري المقتضى، وإنما غاية المقال تبيان وجوب تطوير الخدمات والتسهيل على المواطنين والمواطنات، والتخلص من أوقات الانتظار الممقوتة والتي يضيع بسببها المتحضرون أوقاتا ثمينة لو استثمرت في الإنتاج لكان خيرا كثيرا.

قال محاوري: شكرا على التذكير، ولكن؟ قلت: مازلت مريضا مثلهم بـ (اللاكنية) كأولئك الذين تقول لهم عن مخلفات التقاليد البالية: هذا خطأ، وها هو الصواب، فيرد عليك (المسؤول) نعم، صح واش راك تقول، ولكن..ياك راك عارف. قال محاوري:  أنا لا أعني ذلك، ولكن، عفوا، وإنما أعني: هل يسمعون ويعملون بهذه النصائح؟ قلت: قال الله تعالى لسيد الخلق وحبيب الحق محمد بن عبد الله عليه وعلى آله الصلاة والسلام:{قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} [النور:54] فما على الرسول إلا البلاغ، وها نحن نبلغ، والدين النصيحة، ونقول: بأن أوقات الانتظار وتضييع الوقت، وعراقيل السير في الطرق، وقلة النظافة، وبناء الأحياء بلا علم عمراني ولا فن جمالي، والحفر والحدب في الطرق، كل ذلك من علامات التخلف، وكلما وجدت هذه السلبيات في مجتمع كان ذلك علامة على أن أهل ذلك المجتمع لا يرغبون في التحضر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com