غير مصنف

كُلْ حَلْوَى …وَالْبَسْ حُلَّةً…واتَّقِ اللَّهْ

بقلم: لخضر لقدي

من نكد الدنيا أن يحتاج الناس إلى بيان الْبَيِّنِ,وإظهار الظاهر,والإتيان للثابت بالحجة والبربهان والدليل,ومن نكد الدنيا أن ترى الأعداء يملكون زمام الدنيا,وترى الأتباع والأصدقاء يتصدرون بجادرة المراتب الأخيرة,ومع ذلك يتصدى لتوجيهم من لا يفقه دينا,ولا يحسن دنيا.

وقد سرى بين أبناء أمة الإسلام فهم خاطىء للدنيا أضر بقيمة الأمة,وَخَلَّفَ ركبها عن التقدم والطموح والإنجاز والعمل, إنه سوء الفهم للدين والدنيا والحياة.

والدعوة إلى الحياة السعيدة المتميزة هي سمة الدين الإسلامي,فالدين ليس عزلة عن الحياة,بل هو في صميم الحياة, وليس في الإسلام رفض للدنيا وزينتها وبهجتها وبهرجها,فالحياة نعمة من الله عز وجل,والإسلام نعمة,والأموال نعمة,والدنيا نعمة ,والقرآن إنما ذم الدنيا لمن رضيها وحدها حظا لنفسه وجعلها مبلغ مراده.

وإعمار الحياة وإتقانها,والعمل فيها كي يعيش الناس حياة الطمأنينة والسعادة،وتسود فيهم قيم العدل والتسامح والإخاء

وتمكين أمة الإسلام من النهوض والتقدم والغلبة من صميم تعاليم الإسلام.

والمتأمل في سيرة الرعيل الأول يجد أن خمسة أو ستة من العشرة المبشرين، كانوا من أكبر أغنياء زمانهم، ويكفيك الصديق، وذو النورين وابن عوف وسعد والزبير,ولو تخلف المسلمون في الدنيا ,فهل كان تكون رائعة قصر الحمراء وقد كان آية عجباً يدهش له الناظرون,وهل كان الأزهر الشريف,وكانت قبة الصخرة, وكان تاج محل رائع الصنع.

لقد عرف علماء المسلمين أهمية الإعداد,وأهمية الكسب,وأهمية الصنائع,ولم يخل كتاب تفسير أو حديث أو فقه من الحديث عن عمارة الدنيا بالخير,وفضل العمل والاستغناء عن الغير,واهتم ابن خلدون في مقدمته بالحديث عن الصنائع وارتباط الفكر باليد واكتساب المهارة في الحرف وانتقد المجتمع الذي غلبت البداوة عليه فابتعد عن الصناعة فبات أسيرا لما يأتيه من المجتمعات الأخرى التي ربما تناصبه العداء فيكون عندئذ شقاؤه ونهايته.

وألف الإمام محمد بن الحسن الشيباني كتابه”الكسب” بين فيه أهمية العمل وساق الأدلة على ذلك,وكتب أبو يوسف الخراج,وكتب أبو بكر الخلال كتاب”الحث على التجارة”وقال الشيخ رشيد رضا :”ليس من هدي الإسلام أن يترك المسلمون الدنيا ومعانيها وسياستها ويكونوا فقراء أذلاء تابعين لغيرهم من الأقوياء ولا أن يكونوا كالأنعام لا همَ لهم إلا في شهواتهم البدنية.المنار 118/1.

كما عكف العلماء والمربون والصالحون على بيان الفهم الصحيح للإسلام,والتمتع بالطيبات,ومن أجمل ما قيل في الزهد والورع: الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال…. الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة…والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة…

وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي رحمه الله:ليس هذا الطريق بالرهبانية ولا بأكل الشعير والنخَالة…. ويحكى عنه عندما وضع أحد الدراويش يده على ثوبه فوجده سخياً فقال:يا إمام أبو الحسن الشاذلى أهذا ثوب يُعبد الله فيه؟ قال له الامام: ثوبي ينادي عليّ بالغنى عن الناس،وثوبك ينادي عليك بالفقر إلى الناس.

ويروى أنه وزع حلوى في مجلس الحسن البصري  فرفض أحد الجالسين وقال: لا أستطيع أن أؤدي شكرها، فقال له: كل يا أحمق! فإن شربة الماء البارد لا تستطيع أن تؤدي شكرها…..فكُلْ حَلْوَى …وَالْبَسْ حُلَّةً…واتَّقِ اللَّهْ.

 

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com