ما قل و دل

الواقفون تحت مجاري الأقدار/ محمد الصالح الصديق

كنت في صبيحة يوم من أيام مارس سنة 1989، بإحدى المصالح الطبية بالمستشفى الجامعي، انتظر طبيبا جراحا ينتهي من عملية جراحية طارئة، فجاءت امرأة تتوكأ على عصا ويساعدها شاب يبدو أنه حفيدها، ولما كانت بالقرب مني التقتها امرأة وسلمت عليها ثم سألتها عن حالها، فقالت لها في لهجة حزينة متهالكة: كيف تتصورين حال عجوز أجريت لها سبع عمليات، وقضت في المستشفيات عدة أعوام، وأكثر أصدقائها أطباء وممرضات، وأغلى أمنياتها أن تعيش ولو ساعة بلا علل منغصات موجعات، ومع كل هذا فالحمد لله وهو أعلم بما يصلح بعباده، وهو بهم رؤوف رحيم.

سمعت هذا العجوز التي لم تبق فيها العلل والأمراض إلا هيكلا عظميا يثير الشفقة والأحزان، فأكبرت إيمانها، وثقتها في الله.

ثم راح فكري يستعرض أحوال أولئك الذين يتمتعون بنعمة الصحة، وهم لا يشعرون بها ولا يعلمون أن ما حباهم الله به، لا يساوي جزءا منه القصور الفخمة، والسيارات الفارهة، والأموال الطائلة، والأراضي الطيبة الشاسعة.

وركزت فكري برهة في أولئك الذين يستهينون بحياتهم، ويتعاملون معها على أنها أرخص الأشياء في هذا الوجود، فمنهم من ينتحر ويقضي على حياته ويعرض نفسه لغضب الله وعذابه المهين، ومنهم من يعرض نفسه للمهالك، فتراه يدمن على الخمر، ويطمس نور الله فيه، فإذا به يعمه في الظلام الدامس ويتحول إلى وحش ضار قذر، ومنهم من يمارس الزنا ويرغب عن الحلال الطيب، والزنا هو الطريق المختصر إلى السيدا هادم اللذات والآمال، ومنهم من يقتل نفسه بتضييع وقته الثمين، الذي هو في الواقع عمره وحياته، فتراه يأكل ويشرب وينام، ولكنه لا يضيف إلى الحياة شيئا يذكر، فكأن الغاية من حياته فوق هذه الأرض الاستهلاك ولا شيء غير الاستهلاك، فلا شيء يربطه بالحياة إلا ما يربط البهائم بها –بالحياة-.

وبينما كنت في هذه الأفكار، إذ أقبل الطبيب المنتظر فحياني وأدخلني عيادته، ولما استويت جالسا قصصت عليه ما رأيت وما سمعت، فصعد زفرة طويلة، وزم على شفتيه، ثم قال:

دعني أضيف إلى ما رأيته في هذه الصبيحة حالة مريض سيهلك أمره لا محالة ويدعوك إلى الاهتمام به والكتابة عنه.

نزلت به أمراض مختلفة سنة 1957، وهو إذ ذاك مجاهد في الولاية الثالثة، وبالرغم من آلامها ومنغصاتها واصل الجهاد، ولما انتهت الثورة بدأ في المعالجة الصحيحة، ومنذ 1965 كان المستشفى مقره وسكنه يخرج منه ليعود إليه، ومع ذلك –وهذا ما يثير العجب- فإنه لا يشكو ولا يتضجر، بل هو راض بما قسم الله له، وهو يقول على الدوام: الله أعلم بما يصلح عبده..

فقلت له: هؤلاء هم الذين وقفوا تحت مجاري الأقدار.

 

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com