حوار

الإعلامي الكبير مدني عامر في حوار مع جريدة البصائر / حاورته: فاطمة طاهي

ذكر الإعلامي الجزائري مدني عامر في حوار خصه به جريدة البصائر الجزائرية، عن العديد من النقاط التي توضح طريقة المعالجة الإعلامية للحراك الشعبي من قبل الصحافة الجزائرية والعالمية، هذه الأخيرة التي غيرت تماما صورة الجزائر والجزائري، التي ظلت متداولة عن سنوات الجمر التي عاشتها الجزائر، كما تحدث الإعلامي مدني عامر عن دور الإعلام في حل الأزمات، مشيرا إلى أن الإعلام يجب أن يكون جزءا من الأزمة حتى يستطيع مسايرتها، مضيفا أن مهمة الإعلام في ظل الأزمات هي السعي الدائم للبحث عن الحقائق في التفاصيل دون الاكتفاء بعناصر المشهد من الخارج، وعن الحراك الشعبي يضيف أن الحراك بمثابة “دورة حياة جديدة لغد يولد مرفوعا على رؤوس وسواعد الأجيال”،  مثمنا المبادرات والسلوكيات الحضارية لشباب الجزائر وسلميته، التي صحح من خلالها الصورة التي روجت عنه سابقا من طرف الإعلام التقليدي، الذي لم يبذل جهدا في التعرف على حقائق ووقائع شباب الجزائر، كما تطرق الإعلامي مدني عامر للحديث عن خطر مصطلحي:”الذباب الاكتروني والوباء الرقمي” اللذين يحتلان الوسائط الجديدة من أجل التشويش والتضليل والإشاعة.

 الإعلامي الجزائري في البداية لو تعرفوا القراء بشخصكم الكريم؟

الإعلامي مدني عامر، هو بالأساس خريج قانون دولي وعلاقات دولية قبل أن يجد نفسه في عالم التلفزيون الذي قضى فيه أكثر من ثلاثين عاما، أمضى جزءا كبيرا منها في التلفزيون الجزائري، بدأها كمحرر مراسل ثم مذيعا للنشرات الإخبارية ومعدا ومقدما للبرامج السياسية، وهذا قبل أن يضطر للهجرة بسبب الظروف العصيبة التي مرت بها المهنة والبلاد، لينخرط في تجربة جديدة ذات صبغة دولية قادته إلى العديد من المؤسسات الإعلامية، التي شارك فيها في عمليات تأطير غرف الأخبار، وبلورة الشبكات البرامجية الإخبارية، وذلك قبل الانتقال إلى مرحلة المشاركة في العمل على إطلاق مشاريع إعلامية كبرى في الوطن العربي.

الجزائر اليوم تشهد مرحلة تاريخية حاسمة ومهمة في ظل هذا الحراك الشعبي، في البداية حدثنا عن هذه الخطوة التاريخية التي تعيشها الجزائر؟

الحراك هو لحظة ميلاد مشروع وطن جديد، ظلّ يسكن منطقة المستحيل حتى في الحلم، ولكنه اليوم مشروع محمول في القلوب وعلى السواعد وفي الأذهان بإصرار حتى الانتصار وتجسيده في الميدان، كان الفشل في إدارة شؤون البلاد وتفشي المظالم والفساد قد أنتج تراكماً للإحباط، بل واليأس عند الناس في إمكانية التغيير، وكان إعلان الترشح للعهدة الخامسة إمعانا في الإهانة وصفعة للشعب بكل فئاته، وقد كان ذلك الإعلان بمثابة الهزة العنيفة التي حركت الضمائر والنفوس وحرضت على التصدي والمواجهة لواقع تجاوز كل حدود الاحتمال، ومن حالة اليأس تلك ولدت أكبر وأعرض الآمال، وولدت معها دورة حياة جديدة، وكان الحراك الجليل والجميل عهدا ووعدا بغد يولد مرفوعا على رؤوس وسواعد الأجيال.

حدثنا عن واقع الصحافة الجزائرية في ظل معالجتها الإعلامية للحراك الشعبي؟

الحراك هو الابن الشرعي لإعلام جديد، إعلام الوسائط الاتصالية الحديثة أو إعلام التواصل الاجتماعي، الذي هيأ له سبل الدعوة إليه والتأطير والنقل، أما الصحافة الجزائرية التقليدية فقد فوجئت بالحراك وتعاملت بعض عناوينها معه في البداية بالتشكيك والارتياب، بل وبالتخويف من ما قد يحصل من انفلات وربطه بدوائر خارجية، غير أن سلمية الحراك وانضباطه بددت الشكوك، وانتزعت الإعجاب والاحترام والتقدير من الجميع، وبعدها حاول الإعلام التقليدي الاصطفاف حول الحراك ولكنه لم يتجاوز حدود الوصف والنقل لما يجري دون تطوير معالجات حول مآلات الحراك، وينطبق الأمر هنا حول كل منصات الإعلام التقليدي: صحافة مكتوبة وإذاعات وقنوات تلفزيونية عامة وخاصة، وهذا في ظلّ حسابات دائمة وقائمة مع الكثير من الجهات والمرجعيات، ولذلك تكون وسائل التواصل الاجتماعي قد انتزعت البطولة والسبق في كل شأن يتعلق بالحراك من التعبئة إلى التنظيم وإلى التغطيات المباشرة بعيداً عن القيود التقليدية والرقابات المفروضة، وقد منحت خاصية النقل المباشر على منصات التواصل للحراك صوتا وصورة ولسانا ووجها ووجهة.

وكيف يساهم الإعلام في تغيير مسار الأزمات؟

الإعلام يجب أن يكون جزءا من الأزمة حتى يستطيع مسايرتها لا إدارتها، ومهمة الإعلام في ظل الأزمات هي السعي الدائم للبحث عن الحقائق في التفاصيل دون الاكتفاء بعناصر المشهد من الخارج، ويكون لتلك الحقائق التي يكشفها الإعلام الأثر الفعال سلبا أو إيجابا، أما الاكتفاء بنقل المشاهد ووصف ما يجري من أحداث فإنه لا يضيف للمتلقي شيئا لأنّ له الإمكانية الذاتية في المتابعة بكل الوسائل دون الاعتماد على الإعلام التقليدي ولذلك يصير من مصير وبقاء وسائل الإعلام التقليدي انتزاع دورها وإثبات حضورها في معترك الأزمات بالإضافة المحسوبة والمقدرة لا بمجرد المتابعة والانسياق والمسايرة.

حدثنا عن كيفية تعاطي الإعلام الأجنبي سواء العربي أو الغربي للحراك الشعبي؟

الإعلام الأجنبي تعامل بدوره مع الحراك في البداية بكثير من الريبة، بل وبأحكام مسبقة على أنه فصل جديد في الربيع العربي وما حمله من ويلات وخراب على البلدان والشعوب التي طالها، غير أن سلمية الحراك وعقلانية مطالبه ومنهجية تحركه قد قادت إلى تغيير الكثير من الأطروحات الجاهزة التي جرى تداولها في البداية، بل إن الحراك بدأ في ترسيخ صورة أخرى مغايرة تماما عن ما سبق التعامل معه من نماذج ووضعيات سابقة وخاصة ما تعلق منه بالسلمية والبعد عن العنف في التعبير، وبعد الأسبوع الثالث بدأت ملامح صورة جديدة في التشكل عن الحراك في الإعلام العربي قوامها الإعجاب والاحترام والتقدير في خصوصية شكله وأدواته في التعبير، وبعيدا عن كل وسائل ودوائر الاحتواء والتأثير، وهو ما سوق صورة مغايرة تماما عن الجزائر والجزائري التي ظلت متداولة عن سنوات الجمر التي عاشتها الجزائر.

لقد أثمر الحراك الشعبي العديد من المبادرات والسلوكيات الإيجابية التي قادها شباب الجزائر، والتي أثبت من خلالها للعالم أن الشعب الجزائري متحضر وواع وعكس الصورة التي روجت عنه سابقا، ما رأيكم في الصور الحضارية التي شهدناها منذ 22 فيفري؟

كان هناك حكم مسبق على هذا الشباب أنه غير مهتم وغير معني بما يجري، وأن أغلب عناصره منحرفة ومتعاطية للمخدرات أو فارة عبر البحار والمحيطات إلى دول أخرى بحثا عن لقمة العيش، وهذه صورة كرسها مع الأسف الإعلام التقليدي الذي لم يبذل جهدا ذاتيا في التعرف على حقائق وواقع ذاك الشباب، الحراك كشف لنا وفجأة عن جيل من الشباب متعلما مثقفا واعيا منضبطا ومؤدبا وخلوقا، ويعي فعل السياسة ويمارسها بأرقى صورها، وهو ما أربك الإعلام التقليدي ووضعه في خانة الغائب حضوريا، بمعنى أنه أول من فوجئ وأول من أراد أن يغير ملامح صورة رسخها هو في الأذهان والمعتقدات.

ظهر مؤخرا مصطلحا: “الذباب الالكتروني” و “الوباء الرقمي” من أجل التضليل والإشاعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي حدثنا عن هاذين المصطلحين؟

الذباب الاليكتروني مصطلح لا يفي بحجم الضرر الذي يحدثه التضليل والإشاعة، والذباب القصد منه مجرد التشويش، أما الوباء الرقمي فإن القصد منه هو قدرة المتواليات في عمليات النشر على الانتشار وعلى خلق حالة وباء حقيقية تسود خلالها عمليات الاعتقاد والإيمان بصحة ما يجري تداوله، وهو أمر قادر على إحداث الإرباك والضرر الفوري على أوسع الشرائح، وهنا يمكن القول أن عمليات نشر هذا الوباء تقوم بالأساس على خلايا عمل وظيفتها الدس والكذب وإثارة الفتن ولكن بصور غير تقليدية توفر لها من الحجج ما يدعو إلى الاعتقاد بصحتها، ولهذا الشكل من العمل مخاطر كثيرة في التشويه والإضرار بصورة وواقع وحقيقة أمر ما، إن لم يجر تدارك الأمر بإعلام فعال يقوم على دحض الإشاعة بالحقيقة في حينها.

هل ترى اليوم أنه من الضروري تفعيل نقابة للصحفيين؟

ما أراه ضرورة هو تطوير المعارف المهنية وطرق الأداء عبر الأنساق، والتطبيقات الصحفية المختلفة، وأما النقابة فقد تكون داعمة ومؤطرة لذلك الجهد وتثبته في ممارسات قانونية تحول دون الانتقاص من الجهد والاستغلال أو الشطط والانحراف في التعامل مع المهنيين في القطاع.

حدثنا أيضا أستاذ عن تجربتكم الإعلامية في الجزائر؟

تجربتي في الجزائر كانت تحمل كل صفات الخصوصية، سواء من حيث الفرص التي أتاحها التلفزيون لأبنائه من حيث التكوين والتأهيل في كبريات المؤسسات الإعلامية العالمية أو من حيث العطاء والإسهام الذي كان لي شرف تقديم بعضه مع مهنيين ومهنيات شكلوا إضافات وإضاءات حقيقية في المشهد الإعلامي الجزائري، ويظلون قامات ومرجعيات مهنية كبيرة، كان الانفتاح الإعلامي الذي جاء بعد أحداث أكتوبر 1988 قد فتح الباب على مصراعيه أمام جيل مؤهل ومسلح بالمعارف والمهارات للعمل الاحترافي وإثبات الذات، وهو ما حصل بالفعل بحيث تحول التلفزيون إلى خلايا للتطوير والتجديد وخاصة ما تعلق منه بالأخبار التي أصبح التعاطي مع موادها يخضع إلى نفس المعايير الدولية، وفي ذلك تنافس أبناء الجيل بالعمل وأكدوا بالبرهان والدليل أنه متى أتيحت الفرصة وحددت قواعد العمل والمرجعيات والمعايير فإن الجزائري بإمكانه أن يصنع الفارق بل والمستحيل.

إلى ماذا يطمح الإعلامي الكبير مدني عامر بعد كل هذه الخبرة والتجربة الإعلامية؟

أتطلع إلى العيش في بلد يسوده القانون ويحكم القانون العلاقات بين أفراده أتمنى أن يكون للإعلام في وطني دور وحضور كسلطة فعلية تمارس هي الأخرى دورها وفق القواعد والقانون دون أن تتحول هي الأخرى إلى أداة لتصفية الحسابات، وطرفا في الخصومات وإجراء المحكامات، وبذلك فقط نفخر بأننا مؤتمنون على الحقيقة، وأننا كنا لها أمناء، واليوم وبعد كل هذه السنوات بعيدا عن الوطن فإنني أتطلع إلى فرصة أخدم فيها بلدي برصيد خبرتي وتجربتي، ولكن مرة أخرى وفقا لقواعد المهنة وليس وفق الأهواء والأمزجة، تجربة إعلام الجزائر كانت مبكرة وبإمكانها أن تعود إلى بعثها من جديد لتكون بيئة تثمين لجهود المهنيين وعامل تحصين للمشروع الوطني الجديد.

شكرا لكم أستاذ، كلمة أخيرة لمن شئتم وكيف شئتم؟

الكلمة الأخيرة: اعتذار لوالدي رحمه الله ولأمي عن غربة قسرية ما اخترتها أبدا وما عشتها كما أحب، غربة حرمتني من العيش في حضنيهما الدافئ… دونكما يقتلني صقيع المنافي..

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com