قضايا و آراء

وجاءت استجابة التاريخ بالحق/ حميد لعايسية جامعي وباحث

ذلك ما كانوا عنه يحيدون

ألم يعلموا بأن النوفمبرية ستتنفس، وتسترجع أنفاس ملحمتها، فالجزائر منذ 22 فيفري، انتفاضات ملحمية، تذكر فيها الشباب الأبي صيحة العربي بن مهيدي:)هذه هي ذاكرتنا فحافظوا عليها اذا استشهدنا(، إنها استجابة ملحمية جاءت في وقتها، لذا فهي تستحق الالتفات لكي ندرك قيمة النوفمبرية الخلاقة والمتوهجة في قلوب شبابنا في كل ولايات الوطن، رافضين الذل والمهانة التي كانت متسترة تحت شعار جرفته الانتفاضات الواعية، إنه شعار)جزائر العزة والكرامة؟ ! (، لأنه لو كان مقدرا لهذا الشعب الذي استغفل منذ عقدين من الزمن أن يموت، وتموت فيه نخوة الإباء، لمات خلال فترة الاستعمار وفتوته وقوته، ولكنه لم يمت بل انتفض كالمارد الجبار، يحطم أغلاله، وينفض أثقاله، ويتحدى فرنسا العجوز التي شاخت، والتي قال فيها مفدي زكرياء:

ودان القصاص فرنسا العجوز* بما اجترحت من خداع ومكر

فما أقرب المفسدين من فرنسا العجوز، في هيأتهم وممارستهم للظلم، وتماهيهم معها في الخداع والمكر، ولكن لا يحيق المكر السيء الا بأهله، ها هي انتفاضات الشباب تكشف نواياهم، وتفضحهم أمام الملأ، إنهم في غيهم يعمهون.

وهكذا وحيث ما وجهنا وجهتنا وجدنا شبابا وهاجا، حلت فيه النوفمبرية وحل فيها وخرج وقلبه يخفق بوصية العربي بن مهيدي: هذه ذاكرتنا فحافظوا عليها إذا استشهدنا، ولقد كان لابن مهيدي ما أراد، وها هو شبابنا من أقصى الجزائر إلى أقصاها يتجاوب بصيحة واحدة لا للاستغفال، لا للعهدة الخامسة، لا للمطبلين، لا لأصحاب المهمات القذرة، لا للذين أسطروا شخصية الرئيس حتى وصلوا إلى حد الكفر كأن يقولوا: الرئيس الذي أخرج الجزائر من الظلمات الى النور، الرئيس شخصية مقدسة، الرئيس كإبراهيم الخليل وهرطقاتهم لا تتسع إليها صدر هذه الصفحات. أسطروا شخصية الرئيس حتى أخرجوه من التاريخ، يا ليته يعلم ماذا فعل به المبطلون المنتفعون؟: إنهم لم يرحموا شخصيته التاريخية، ورفضوا أن يطبقوا وصيته كأن يبحثوا له عن مخرج مشرف، وها هي المقادير تخرجه من أضيق باب، تبا لهم.

هذه حقيقة النوفمبرية ومن أعرض عنها كانت نهايته ضنكا، ما أصدق هذه التناص في ملابسات ناءت بكلكلها على المتساقطين في طريق النوفمبرية، وأرادوا أن يجعلوا من هذه الملحمة ملهاة. فكانت لهم السنن التاريخية بالمرصاد، باستجابة الشباب الملحمي في كل الجزائر التي وحدتها هذه الملحمة بأغلى الثمن وأطهر الدماء فجاءت صيحة بن مهيدي من قبره فاخترقت قلوب الشباب الأبي الذي انتفض ملبيا هذه الصيحة المهدوية الطاهرة. إنه التاريخ يلعن من لم يحترم سننه، لأن التاريخ وجود، ومن يريد أن يقضي على الوجود يصبح خارج يخرج منه مذموما مدحورا.

هكذا انتفض الشباب في جميع الولايات الملحمية، خراطة المتشائمة بأعلامها السوداء والمستجيبة لسنن التاريخ التي ذكرتها بالمجزرة والتي قال فيها مفدي زكرياء :

ولم ننس في أربعين وخمس   ضحايا المذابح في يوم نحس

هكذا، استجابت المحطات التاريخية مع بعضها بعض، فكانت ملحمة خنشلة التي أسقطت )أسطورة البقاء( ثم جاءت جميع الولايات التي لبت النداء، إنه الشباب الأبي الذي حل فيه بيت ابن باديس:

يا نشء أنت رجاؤنا **  وبك الصباح قد اقترب

هذه حقيقة التاريخ وهذه سننه وهذه استجابته التي كانوا منها يحيدون، هذه انتفاضة شبابنا الملحمي الذي تصدى لأبناء النمشأمة الذين أرادوا أن يذلوا الملحمة، ويغيروا الملمح الجمهوري، فباؤوا بغضب على غضب، ماذا أقول والحقائق الميدانية لشبابنا الأبي أبلغ من أي لفظة لكن أقول لهم يا من لهم في القبور أبطال يكلمونهم من حيث لا يعلمون )هذه ذاكرتنا فحافظوا عليها إذا استشهدنا( إن هذه الصيحة المهدوية زيادة في الشعور بقيمة النوفمبرية فيجي أن تكون هذه الصيحة من معاني استرجاع العزة لهذه الأمة التي خدرت بشعار ماسوني شل جميع مشاعرنا، وظن المرتدون تاريخيا والممسوخون حضاريا، والمنسوخين وطنية أنهم حققوا مرادهم لكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن، وها هي النوفمبرية تلعن من أراد أن ينقلب عليها، لأن الذين صنعوها بدمائهم، كان كلامهم عند ربهم دعاء، وأن دعوتهم عند ربهم صلاة، ومن هنا جاءت اللعنة التي تطارد المتساقطين في طريقها لأنهم يريدون أن يغيروا ملمحها إرضاء لفرنسا التاريخية المتصهينة، فالنوفمبرية تبارك من يثمن ملحمتها فكان الشباب الذي رفع رايتها في جميع الولايات معتزا لأنه يريد أن يسترجع سيادتها في أرض الجزائر فمنحتهم بذلك قوة وصمودا، والنوفمبرية تلعن من يبيع ملحمتها ويكفر بها إرضاء لأعدائها التقليديين، وتزيد بسرها من ضعفه واستسلامه لأعداء الأمة والتاريخ والانتفاضات الشبانية أبلغ من أي تحليل وتعليل، إنه الشباب الأبي الذي رفض الخنوع والذل، انتفاضات نوفمبرية خلاقة تدينت فيها الوطنية، وتأمزغت فيها العروبة، فكانت رباعية من صنع شباب واع لبى الصيحة المهدوية، واستجاب للعرفانية الباديسية فكانت هذه السيموفونية. الجزائر وطننا والاسلام ديننا والعربية لغتنا والأمازيغية تراثنا.

وهكذا كلما هزني الشوق إلى بيان أول نوفمبر الذي جسد ميدانيا وبصوت واحد مضيت أقلب صفحات إلياذة مفدي زكارياء وهي تروي:

نوفمبر جل جلالك فينا        ألست الذي بث فينا اليقين؟

وثرنا نفجر نارا ونورا        ونصنع من صلبنا الثائرين

تبارك واديك صومام انا            حفظنا عهودك أين ثرنا

سكيكدة الثائرين أعيدي              علينا فضائح باغ حقود

فيالك أسطورة لم نزل              نسير على هدي الهامها

فما أقرب هذه الأبيات الملحمية من الانتفاضات الشبانية التي مازالت على المحجة النوفمبرية البيضاء ليلها كنهارها فطوبى لشباب الجزائر يوم ولد ويوم تعلم ويوم انتفض، ويوم أعاد للنوفمبرية ملحمتها وصفائها. ذلك ما كانوا منه يحيدون وللملحمة الحضارية التي كتبها شباب الجزائر بوعيهم الخلاق، وبسلوكهم الحضاري المتألق، فإذا هلكت فصيحتي تحيا الجزائر النوفمبرية التي أعاد الشباب مسارها الحضاري، والله غالب على أمره والتاريخ مجسد سننه ولكن المطبلين لا يعلمون ويا ليتهم يعلمون ويرفعون شعارا للجميع تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعتز إلا بالجزائر النوفمبرية التي حررها الجميع ويبنيها ويحافظ عليها الجميع.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com