على بصيرة

الحراك النفيس تحت شعار ابن باديس/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

ما أجمل الشباب الجزائري، حين يتجلى – في حراكه – مؤتزرا، بالعلم الوطني، الأوحد، الذي يوحد صفه وإيمانه، ويجسد وطنيته وعنوانه.

وما أروع الشعب الجزائري بجميع فئاته، عندما، يتحلى بقيم نوفمبر مُميِزة لصفاته، ومبادئ ابن باديس المعَمّقَة لتطلعاته.

وتلك هي رائعة الحراك الشعبي الجزائري في جمعته التاسعة، وهو يزداد تألقا وإشعاعا، وتجذرا واتساعا، فيتخذ ابن باديس مُلهما، والعِلم، في يوم العِلم ، معْلما.

فليس، كعبد الحميد ابن باديس ، ملهما للشعوب وهو، واضع أسس حراك المستضعفين، منذ عشرينيات القرن الماضي، حين اختار لأول صحيفة له، وهي صحيفة المنتقد، شعار: “الحق فوق كل أحد، والوطن قبل كل شئ”.

وليس كالعلم مَعْلَما ، وهو محيي العقول من الخمود، وموقط الضمائر من الجمود، وباعث المستضعفين إلى عالم العزة والخلود.

تبارك الذي خلق الجزائر، فخصّها بخير الكنوز التي تشد الأنفاس، من النفط والذهب، والماس، وميّزها بخير شباب أخرج للناس، وها هو يربك شياطين الإنس والجن، ويجعلهم يضربون الأخماس في الأسداس.

ضرب الله للمظلومين، التوّاقين إلى التغيير، مثلا: شباب الجزائر، الذي فجر في الخمسينات جهاد نوفمبر، فكان قدوة -للشعوب- تحتذى فهزم بعزمه، وحزمه، أعظم الجيوش من الأرجاس، وها هو اليوم يضرب للعالم اليوم مثلا آخر، فيقود حراكا شعبيا للتغيير بسلمية المسير، وبلاغة التعبير، وحسن التقدير، والمحافظة على البناء والتعمير.

لقد صادفت الجمعية التاسعة، من الحراك الشعبي، يوم العلم، الذي يحييه الجزائريون كل سنة، في يوم السادس عشر من نيسان “أبريل” تخليد لوفاة من كان رمزا للعلم، الإمام المصلح عبد الحميد ابن باديس، الذي وهب حياته كلها للعلم، بإحياء أمته بالعلم، فجعل العلم في خدمة الشعب لإنقاذه من التخلف، والذل، والظلم، باستئصال المصدر الحقيقي لذلك كله، وهو الإستعمار.

لذلك حق لشباب الجزائر، أن يتيهوا فخرا واعتزازا بابن باديس الرمز، فيرفعوا شعارهم الخالد: “نحن أبناء باديس، لا أبناء باريس”.

إن باديس، بطهره، قد سكن مخيلة كل جزائري، فقد فتح الجيل الجديد على حراك الإمام المصلح، وشعارات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، أم الجمعيات.

إن ذاكرتي قد احتفظت منذ الطفولة بالتغني بحب ابن باديس. فمنذ السادسة من عمري، عندما كنت في الكُتاب، أحفظ القرآن، لقنتُ، نشيدا من الشعر الشعبي، كتبه ابن معلمنا، الطالب عبد المجيد الفقيه، ابن الطالب عمر الفقيه رحمهما الله.

يقرن النشيد على بساطة كلماته،

بين إنتصار ابن باديس، وهزيمة فرنسا في الحرب العالمية. ومما جاء في النشيد المقطعين التاليين:

باديس النجم للصباح                   خليل العلم الناثر

 فهو ركن الإسلام طاح                 وكثرة المناكر.

٭٭٭    ٭٭٭٭٭     ٭٭٭    ٭٭٭٭٭

فرنسا ياوجه الضباح                    ياشرّة الشرائر

فقومي للحرب النطّاح                  يا هرّة الهرائر

 هتلر عنكم قد نجح                    يا حزمة الكوافر.

إن مثل هذه الروح، هي التي نشأ عليها الشعب الجزائري الغضوب الثائر، فكان له ما كان من المقاومة بجهاد نوفمبر، ومن المداومة في الحراك الشعبي المتواصل.

وإذ يتغذى الحراك الشعبي –اليوم– بشعارات ابن باديس، ومقومات العلم في يوم العلم، فإنما، ليزداد رسوخا وإستماتة في سبيل الحق المغتصب.

والمعادلة المستعصية الحل، تتمثل في كيفية فك الإشتباك، بين الأغلبية الساحقة من الجماهير الشعبية، والأقلية التي ذاقت حلاوة الحكم وتبعاته، فهي مستميتة في سبيل التشبث بهذا الحكم، على ما فيه من ضياع لمصلحة الوطن.

ليت القوم يعلمون، بأن الحيلة في ترك الحيل. وأن الديموقراطية التي يتعلل بها بعضهم هي تسليم الأقلية للأغلبية، وأن الإستفتاء الحقيقي، هو ما تقوم به الملايين من أبناء وبنات الشعب الجزائري كل أسبوع؛ بل كل يوم ﴿ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً ﴾ [ سورة النساء –الآية-  78 ].

إننا نريد صادقين مخلصين، أن يتغلب العقل على الهوى، وأن تتفوق الحكمة على الغواية، وأن تحكم الوطنية على الضلال والتيه. فقد آن الأوان لإسناد الأمر إلى أهله، وتوليه من ولّاهم الشعب أمر مصيره.

صرخة الأوطان في ساح الفدا

اسمعوها واستجيبوا للنداء.

إن في الجزائر -والحمد لله– عقلاء في كل الميادين والإختصاصات، وفيها شباب من جميع القناعات ومختلف الجهات وكلهم صالحون لتحمل المسؤوليات، فلِمَ لا نفسح له المجال لتولي المناصب، بعد التضحية، من القائمين على الأمر، ببعض المكاسب. فالبقاء للأصلح، والخلود للوطن.

هناك –اليوم– قوتان، لا ثالث لهما، قوة الشعب المدني، وقوة الجيش الشعبي، وهما متلاحمان متآخيان )خاوة-خاوة ( فلنساعد القوتين على دعم المطالب الشعبية بتجسيدها على أرض الواقع ، ولنساعد الأقلية المتحكمة، على الإنسحاب بشرف موفورة الكرامة، مأمونة السلامة. وعلى الخيرين في هذا الشعب، وما أكثرهم، أن يتوسطوا، وأن يبذلوا مساعيهم الحميدة، لتأمين الإنتقال السلس للحكم “وعند الصباح يحمد القوم السُرَى”.

فمن أعماق القلب، نبعث نداء الوطن إلى كل من في قلبه ذرة من الوطنية، أن يساعد على تجنيب الوطن، ما لا تحمد عقباه، خصوصا وقد بدأت بعض خيوط المؤامرة الداخلية والخارجية، تلوح، كرؤوس الشياطين.

ذلك أن ما يحاك، في مخابر مختلفة من الكيد للجزائر، في ظل الحراك الشعبي، يجب أن لا يغيب عن ضمير أي عاقل، ولنا في ما يجري من حولنا، وعلى حدودنا أبرز مثال على المضايقات، والمناورات.

نحن بالرغم من كل ما يلوح من سحب في سمائنا الصافية، متفائلون، ونحن واثقون من أن أبناء شعبنا، في قواتنا المسلحة لبالمرصاد، لكل من قد تسول له نفسه المساس، بحدودنا ووجودنا وبنودنا وجنودنا، ولكن لا نتمنى أن يجد الأعداء سُلَّما من أبنائنا ، يتخذونه لضربنا.

فحق الحراك الشعبي، المترجم لآمال وطموحات شعبنا، واضح وضوح الشمس، في وضح النهار، يكفي أن يعلم البعض منا حقيقة الوطن، فيعودوا إلى جادة الصواب، ويعيدوا الحق إلى أهله ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ [ سورة النساء – الآية -58].

نأمل أن يجد نداؤنا آذان صاغية، فتتحقق الطموحات والمطالب، ويعود الحراكيون إلى بيوتهم سالمين، آمنين مطمئنين، بعد أن يتم آداء الفرض، ويسلم العرض والأرض.

وما ذلك على الله بعزيز.
 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com