حوار

الكاتب والباحث، خير الدين هني للبصائر/ حاورته فاطمة طاهي

 “كل أمة تحافظ على خصوصيتها الثقافية في مناهجها الدراسة”

“المنظومة التربوية تتطلب وسائل التكنولوجيا العصرية من أجل تحقيق تعليم ناجح وفعال”

تحدث الباحث، خير الدين هني، في حوار خص به جريدة البصائر، عن واقع المدرسة الجزائرية من حيث المناهج والتأطير، وعن أهم المراحل التي يقوم عليها بناء وهيكلة المناهج الجديدة، كما ذكر طرق التدريس والتعليم ودورها في رفع مستوى التلميذ، مشيرا إلى المقاربة الجديدة “التعليم بالذكاءات”، متحدثا كذلك عن دور تأهيل وكفاءة الأستاذ في تحقيق نجاعة وجودة المدرسة الجزائرية، وذلك من خلال فطنته في تكييف الظروف وإيجاد الحلول، كما أشار الأستاذ خير الدين هني، إلى دور سلك التفتيش في إنجاح المنظومة التربوية، مقدما نظرته الأكاديمية من أجل المضي قدما بالمنظومة التربوية، وذلك بتوفير وسائل التكنولوجيا لتحقيق تعليم نوعي ذو جودة.

* بداية لو تقدموا لنا وللقراء نبذة عن شخصكم الكريم؟

– هني خير الدين، كاتب وباحث، تخرجت من المركز الوطني لقطاع التربية كمفتش للتعليم الأساسي بعد تفوقي في المسابقة الكتابية والشفوية، شغلت في سلك التعليم ما يقارب 23 سنة قبل أن أُحال للتقاعد في 2010، أكتب في بعض الجرائد الوطنية كالبصائر، كما أشارك مع كوكبة من الأساتذة في برنامج “مجال السيرة النبوية” بالقناة الخامسة للتلفزيون الجزائري كمحلل للسيرة النبوية، كما أشتغل بالبحث والتأليف.

* كيف ترى واقع المدرسة الجزائرية؟ وهل الإصلاحات التي اعتمدتها المنظومة التربوية في الجزائر كفيلة بمواكبة التطورات التربوية والعلمية الراهنة؟

– حين نتكلم عن الثمانينات، حيث نصب نظام التعليم الأساسي، الذي كان يخضع لفلسفة تنظيمية وهيكلية وكذا بيداغوجية، كان الأساس في تثبيت عناصر الهوية الوطنية في عقل الناشئة والأجيال الصاعدة، حتى ينشؤوا على حب الفضائل والانتماء إلى الوطن والتغني بأمجاده، والتثبت بثقافته وعاداته الصحيحة، وقيمه ومثله، هذه العناصر التي كان ينظم من خلالها التعليم الأساسي، ولكن الحياة في حركة ديناميكية متجددة، تخضع لسنن الكون، سنن التغيير، تغيير في البنى العقلية، في البنى الوجدانية وفي البنى الفكرية، وكذا تطور في المعارف تطور في العلوم وفي الفنون وفي التكنولوجيا، هذه التطورات تفرض على الإنسان أن يتجدد معها وإلا سيتبدد، لأن الجمود ليس من سمات الإنسان، فالتجدد يقوم على عنصرين فكل مجتمع من المجتمعات يخضع لفلسفة أيديولوجية معينة، مثلا المجتمعات الغربية يخضعون لفلسفة مادية بحتة، كالفلسفة الواقعية والفلسفة الوجودية أو الفلسفة المثالية أو الفلسفة التقدمية، أما نحن كمسلمين ننتمي إلى الفلسفة الإسلامية، ولهذا كل علماء التربية وعلماء النفس والمفكرين قالوا:”بأن المجتمع يصوغ مناهج منظومته التربوية من فلسفة المجتمع التي يؤمن بها”، وهناك علاقة عمودية وأفقية في المجتمع، فالعلاقة الأفقية تمثل النسق الاجتماعي الخاص، تخضع لعناصر الهوية التي نسميها بالمبادئ وبالمثل والعادات والتقاليد، وهذه العناصر الثقافية هي التي تميز بين مجتمع ومجتمع، كما توجد علاقة أفقية بين المجتمعات تنظمها العلوم التطبيقية، الرياضيات والفيزياء، والتي تعتبر القواسم المشتركة مابين المجتمعات، فالرياضيات ليست مخصوصة بأمة من الأمم وكذلك الهندسة والفيزياء والكيمياء والعلوم الطبيعية هذه العلوم المشتركة بين المجتمعات، وبالتالي تمثل أول جانب يجب أن تخضع له المدرسة، أما فيما يخص الثوابت فلا تتغير إطلاقا، إلا ربما بالبحث عن الجوانب السلبية في العادات وفي التقاليد، التي تحدثها الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، هذه هي الفلسفة التي تقوم عليها بناء المناهج، إذن المناهج التي يقوم عليها بناء التعليم الأساسي كان لها أهداف واستراتيجيات، وقد ظهرت تحولات كبرى في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، تحولات أيديولوجية، أين كان العالم يقوم على أيديولوجيتين ثم أصبح يقوم على أيديولوجية رأسمالية واحدة، العالم كان يقوم على قطبين أصبح يقوم على قطب واحد وأصبحت هناك هيمنة واحدة، وظهر ما يسمى بالعولمة الاقتصادية والعولمة الثقافية والاجتماعية، وقد أسسنا في 2003 إصلاحات “الجيل الأول” وكانت الإصلاحات جزئية نظرا للظروف الاقتصادية، ولكن الإصلاح من المفروض أن يشمل كل مكونات العملية التربوية: المعلم، المنشآت التعليمية، الوسائل التعليمية، السندات، الوسائل التكنولوجية، التشريع، الكتاب المدرسي، المنهاج، كل هذه المكونات التي تخضع للعملية التربوية لابد أن يشملها الإصلاح، ولكن عندنا الإصلاحات كانت جزئية، إذ تم التركيز فيها على المنهاج وطريقة التدريس وكتاب التلميذ، وقد حسنت الوضعية الاجتماعية للمعلم إلى حد ما، وفي 2003 إلى غاية 2013 أو 2014 ظهر الجيل الثاني الذي يعد إعادة النظر في الجيل الأول، يعني تصويب بعض الأخطاء واستدراك بعض الهفوات التي وقعت في الجيل الأول، مع إدخال بعض التحسينات والتقنيات، مقاربة التدريس في الجيل الأول والجيل الثاني هي نفسها “المقاربة بالكفاءات”، فمن حيث الفلسفة البيداغوجية مازالت نفسها، تغيرت فقط من حيث التقنيات البيداغوجية، إذن من حيث المبدأ الإصلاح شيء جميل، إذ لا يمكن للمدرسة أن تكون راكدة أو جامدة لأن المدرسة هي التي تنشأ الفكر وتنمي العقول وهي التي تنشأ الإنسان وتصنع الحضارة وتصنع التكنولوجيا، فإذا صلحت المدرسة صلح كل شيء وإن لم تصلح المدرسة فسد كل شيء، لأن المدرسة تعمل ضمن أنساق، إذ لا يمكنها أن تحقق النجاعة أو الجودة إلا بشرطين: أن تعمل ضمن الأنساق التي ذكرناها وتتضافر فيما بينها في العلاقة العمودية والأفقية حتى تتحقق الجودة والفعالية، وبالتالي لابد من سد العجز في المؤسسة التعليمية، إذ ينبغي أن يستوعب الكم المتوفر من المؤسسات التعليمية 9 ملايين تلميذ، وأن تكون المؤسسات التعليمية مشيدة بمواصفات هندسية وجمالية تتوافق مع أهداف التربية، وهو الجمال، المدرسة لا تعلمنا النظافة فقط إنما تعلمنا كذلك الفن والجمال والشعوب المتحضرة، الشعوب المذواقة التي تنشأ حضارة منسجمة في كل مجالاتها، في التسيير السياسي تجد الجمال في التسيير الفلاحي تجد الجمال حيثما ذهبت، وبالتالي هذه من أهداف المدرسة العظمى أي الطفل في المدرسة كي ينشأ على حب الجمال يجب أن يراه مجسدا داخل المدرسة وداخل القسم، في ساحة المدرسة وفي دورة المياه، يجب أن يرى الجمال متمثلا أمامه أينما ذهب، حتى إذا ما درس قيما من قيم الجمال في التربية الإسلامية أو في التربية الأخلاقية أو في نص من النصوص الأدبية إذا قرأ عن الجمال يجد المطابقة ما بين النظري وبين التطبيقي فبعد خروجه من المدرسة يجد الجمال في الشارع وفي منزله، إذن يجد المطابقة ما بين كل جوانب الحياة، ومن هنا ينشأ جيل مذواق، يقود الأمة نحو النجاعة ونحو الفعالية ونحو الجودة، أما إذا انعدم الجمال  فالطفل يجد هناك خللا ما بين النظري الذي يتعلمه في الكتاب وفي المدرسة وما بين البيئة المدرسية التي هي بيئة مادية والطفل هنا تساوره شكوك ويشعر أن ما يتعلمه ويقرؤه في المدرسة غير صحيح، لأنه لا يجده في الواقع، وعليه الواقع يمثل الانعكاس الفعلي لما يعطى في المدرسة، كما أن النجاعة لا تتوفر بدون تحقيق بيئة مدرسية ملائمة من القاعات للمحاظرات بالتقنيات الجديدة، التعليم بالكفاءات يتطلب عملا جماعيا كالورشات وعلى القاعات أن تكون مجهزة بالحواسب وبالانترنت وبالهواتف وبالفاكس بالصور وبالسندات، مجهزة بكل الوسائل البيداغوجية التي يحتاجها المعلم، إذن هذه الوسائل هي التي تساعد على تحقيق الأهداف الموجودة في المنهاج.

* جودة التعليم أيضا مشروطة بتأهيل الأساتذة وكفاءتهم البيداغوجية والمهنية، وبالتالي من أجل الوصول إلى نوعية التعليم ينطلق كذلك من نوعية الأساتذة، كيف تقيمون تكوين الأساتذة وهل هم بحاجة لدورات تأهيلية ولمرافقة من قبل المفتشين؟

– من قبل أستاذة التعليم كانوا من خريجي تخصصات: الأدب، التاريخ والجغرافيا، تخصص علم النفس وعلم الاجتماع، هذه التخصصات المقبولة كانت تنسجم مع التعليم، لكن اليوم في المدة الأخيرة، ونظرا للاحتياجات والظروف الاجتماعية أضيف  تخصص الحقوق، العلوم السياسية، وعلوم الإعلام والاتصال، ومن خلال هذه التخصصات الأخيرة، لا يستطيع من خلالها الأستاذ أن يكون مهتما ببعض المواد، كمادة الرياضيات، لأن توجهه كان منفصلا عنها وهذا قد خلق مشكلة في تكوين الأساتذة، ففي السبعينيات والثمانينيات، أسست الدولة الجزائرية معاهد تكنولوجية، من أجل تكوين أساتذة المتوسط والثانوي لمدة سنة أو سنتين، ليتخرج بعد ذلك كمعلم، وبهذا المعلم مهم جدا في المهنة التربوية، إذن هذه الشروط الموضوعية هي التي تحقق نجاعة المدرسة، وبدون هذه الشروط لا تتحقق المناهج، ويعد تحسين المناهج والكتاب المدرسي وطرق التدريس أطر نظرية إذا لم يكن فيها دعم ملموس، ويقول أحد الباحثين:”أعطوني الأستاذ أعطيكم النتيجة”.

* يركز على كفاءة الأستاذ، هل هذه المقولة صحيحة؟

– عندما نتعمق فيها نجد أن فيها جانبا كبيرا من الصحة، فالأستاذ الذي له كفاءة عالية يستطيع أن يكيف الظروف الصعبة ويجد لها الحلول، يستطيع أن يسهل الصعوبات، يستطيع أن يجتاز العقبات، لأن الكفاءة هي التي تخلق الديناميكية العقلية في الإنسان، الكفاءة هي التي تعين الإنسان كيف يجد الحلول، وكيف يتغلب على الصعوبات، أما إذا كان الإنسان محدود القدرات ومحدود الكفاءة فيعجز عن كل هذا، وبالتالي المدرسة لا تحقق أهداف النجاعة والفعالية والجودة إلا بالشروط الموضوعية والتي هي الأستاذ والبيئة المدرسية والوسائل التعليمية والتربوية، فمثلا: سلك التفتيش هو العمود الفقري لإنجاح المنظومة التربوية، فإذا صلح سلك التفتيش تنتج المدرسة، وإذا ضعف سلك التفتيش تفسد المدرسة، لأن المفتشين هم من يصنعون المناهج والمنظومة التربوية وفلسفتها وهم من يتابعون ويراقبون ويقيمون، هذه العملية تتطلب وسائل عصرية تكنولوجية حتى تحقق النجاعة، وللأسف اليوم أصبحت المفتشيات من دون مقر، ليس لها هاتف وفاكس.

* برأيكم هل تساهم طريقة التعليم والتدريس المنتهجة في الجزائر في رفع مستوى التلميذ؟

– أكيد، في التقنيات القديمة التقليدية كان التعليم يتم بواسطة ما يسمى “التعليم بالمضامين” كان يركز على المعرفة فحسب، ويعتمد على ثلاثة عناصر: التلقي والإلقاء والحفظ أي التخزين والتكديس في الذاكرة، واسترجاع ما حفظ في الامتحانات، كانت هذه العملية تناسب ذلك الوقت، كانت قائمة على مبادئ في علم النفس كانوا يرون أن الطفل صفحة بيضاء أي ليس له ميول أو اتجاهات أو رغبات، المجتمع الخارجي هو الذي يضع له الكتاب والمادة والمنهاج، وهو الذي يحدد مصيره، وبالتالي كانت المادة الدراسية محل اهتمام في الطريقة القديمة وليس التلميذ، كانوا يهتمون بالمادة وكانوا يتصورون أن الطفل عندما يحفظ كثيرا ويكدس معلومات في ذهنه يتحول إلى كفاءة، ويواجه بها الحياة، لكن تم الاكتشاف في الغرب أن الإنسان الذي تعلم بالطريقة القديمة عند اندماجه في الحياة العملية، يجد الصعوبة في التطبيق، فمثلا: في السبعينيات أتوا ببعض المهندسين الفلاحيين وقدموا لهم مزارع ليتعلموا تقنيات الفلاحة، وقد وجدوا صعوبة كبيرة لأن الشيء الذي درسوه في الجامعات والمدارس العليا لم يجدوه في الواقع، ومن هنا ظهر “التعليم بالأهداف”، في الخمسينيات، كما ظهر في الثمانينيات “التعليم بالكفاءات” ويختلف عن التعليم بالمضامين، إذ يرتكز هذا التعليم على المادة، والتي تعتبر الهدف النهائي، الطفل إذا حفظ المادة واستطاع استحضارها هذا هو الهدف النهائي في التعليم بالكفاءات، وعليه فهم المادة أصبح وسيلة وليس غاية بل موردا من موارد الكفاءة، والكفاءة هي القدرة على تجنيد مجموعة من المعارف والمعلومات والخبرات من أجل مواجهة مشكلة معينة، يعني الطفل لما يواجه مشكلة من المشكلات، كمشكلة مدرسية أو مشكلة في الحياة يجسد بسرعة جميع معارفه وخبراته، وبالتالي تتهاطل هذه الخبرات في التجارب، وبسرعة يختار من المواد ما يناسبه لحل المشكلة، إذن التعليم بالكفاءات هي تقنية جيدة وهي المعتمدة في العالم تقريبا، المعرفة في التعليم بالمضامين كان هدفا، وفي التعليم بالكفاءات أصبح موردا من موارد الكفاءة، واليوم ظهرت مقاربة جديدة تسمى “مقاربة بالذكاءات المتعددة”، وقد أوجد العالم برون فوردو، بعد 20 سنة في بحثه أن الإنسان لديه 9 ذكاءات، في حين أنه في الاعتقاد أن الإنسان يفكر بذكاء واحد، وقد طبقت هذه المقاربة “التعليم بالذكاءات” في وم أ وفي الأردن، ونحن لازلنا في المقاربة بالكفاءات وغيرنا دخلوا في الجيل الثالث، هي تقنية جيدة لكن الكثير من المكونين لم يستطيعوا أن يستوعبوا مضامينها وكيفية تجسيده في القسم، كما أن التعليم بالكفاءات يعتمد على الطريقة النشطة لا يعتمد على الطريقة العمودية، أستاذ فوق المنصة والتلاميذ أمامه يحاورونه ويناقشونه هذه طريقة قديمة، والمقاربة بالكفاءات تعتمد على العمل التعاوني الذي يتم بشكل مجموعات، نحن ندرس بالكفاءات لكن على المستوى التطبيقي لا ندرس بالكفاءات، مازلنا ندرس بالطريقة القديمة، لأن التدريس بالكفاءات يكون بواسطة طريقة نشطة تعتمد على العمل التعاوني والعمل التعاوني يتم بمجموعات، ونحن مازلنا نستخدم الطريقة العمودية القديمة الأستاذ والتلاميذ أمامه وهو الذي يسأل وهو الذي يتلقى الأجوبة، كما أن الكم العددي في التعليم بالكفاءات حتى نجري التعليم التعاوني يجب أن يكون وفقا للمعيار العالمي الذي لا يتجاوز فيه عدد الأطفال 25 تلميذا، وبالتالي 25 على 5 تكون لنا 5 أفواج، ونحن في 45 إلى 50 تلميذا في القسم، تحولت المدارس إلى ثكنات لأن الثكنات هي التي تحمل العدد الكثير، فالمدارس لها شروط ومعايير، كما أن التعليم بالكفاءات يتطلب توفير وسائل التكنولوجيا “داتاشو” وتوفير الأنترنت، وكل هذا من أجل تحقيق تعليم ناجح وفعال بواسطة المقاربة بالكفاءات.

* ما هي الأسس التي يقوم عليها بناء وهيكلة المناهج الجديدة؟

– إصلاح الجيل الثاني هي عملية تحسينية للجيل الأول، فمن حيث الإطار الفلسفي مازالت المقاربة بالكفاءات التي تعتمد عليها إصلاحات الجيل الثاني، أما بالنسبة للمنهاج فهو يقوم على المحور النسقي أو على النظرية النسقية التي تكلمنا عليها من قبل، تلاقي وتقارب المناهج في وحدة تعليمية شاملة وتنازل للمنهاج للانسجام الأفقي والعمودي، يعني المحور الأول يقوم على النظرية النسقية التي تعمل في إطار عمودي وفي إطار أفقي، أما المحور الثاني وهو المحور البيداغوجي أو الإطار البيداغوجي، والذي يقوم على النظرية البنائية، التي جاءت بعد النظرية السلوكية، حيث تعتمد على المثير والاستجابة، بمعنى أن الطفل يتعلم بواسطة ردود أفعال تثيرها مثيرات خارجية، والنظرية البنائية هي بناء عقلي وعملية ذهنية تعتمد المقاربة بالكفاءات وعلى الوضعية التعليمية والوضعية الإدماجية والتقييم في ظل المقاربة بالكفاءات هذه هي عناصر المحور البيداغوجي، ثم يأتي المحور الثالث وهو المحور المعرفي إذ أن المنهج هو التنظيم المنطقي للمعارف وتقديم منسجم لخصوصيات المادة وهو أيضا المفاهيم المهيكلة للمادة، إدماج المعارف، وحدة المعارف، المعارف في خدمة الإنسان والمجتمع، وبهذا المحور المعرفي هو محور مادي يقوم على تنظيم المادة تنظيما منطقيا وإدماجيا بما يوصل في النهاية إلى خدمة الإنسان، ويتمثل المحور الرابع في المحور القيمي وهو قيم الهوية: الإسلام والعروبة والأمازيغية في إطار جغرافي وزمني محدود، وكذلك القيم الجمالية والثقافية والقيم الكونية أو العالمية.

* ما هي المناهج التي تراها أولى من أجل جودة التعليم وفعالية استجابة متطلبات العصر من أجل تعليم نوعي؟

– علم المناهج أصبح علما قائما بذاته، يدرس في الجامعات وهو يخضع لفلسفة عميقة ودقيقة، وقد تطور علم المناهج عبر العصور من مناهج المادة الواحدة إلى المناهج المحورية والمناهج المتكاملة عن طريق الهيكلة الجديدة، ويقال أن الجيل الثاني مجرد تسمية أو شعار فقط لأنه لا يستند إلى خلفية نظرية أو مرجعية طالما مازلنا في تطبيق البنائية، يعني الجيل الثاني كتعبير اصطلاحي فقط للتمييز بين إصلاحات 2003 وبين إصلاحات 2013، فمن المفروض كلمة “جيل” تقوم على فلسفة أكاديمية جديدة لكن للأسف مفهوم “الجيل” من خلال المنهاج جاء من أجل التفريق فقط، إن المناهج المعاد طبعها ما هي إلا تعديلات تساير القانون التوجيهي للتربية وكذا التغيرات الحاصلة، التي أنشأتها وزارة التربية في 2008، أكيد هي من توجيهات السلطات المركزية، فإصلاح المنظومة التربوية ليس مسؤولية وزارة التربية والتعليم، الإصلاح الشامل والكامل من السلطة المركزية، يدرس في مجلس الوزراء، حيث أن الوزيرة تقدم خطة الإصلاح ثم تناقش بناء على القانون التوجيهي للتربية الصادر في 2008، حيث حدد الإطار المرجعي للمنظومة التربوية في الجزائر: الغايات والأهداف والوسائل، المضامين والمراجع، هذا هو الإطار المرجعي لكل إصلاح، وبالتالي لابد من العودة إلى القانون التوجيهي للتربية، الذي يحدد الإطار العام للإصلاحات، من أجل معالجة بعض الحقائق، وبالنسبة لي من خلال ملاحظتي الميدانية فالمناهج التي بنيت وقد اطلعت عليها من ناحية الصياغة والديباجة ومن حيث الوضوح فهي جيدة، إذ يجب أن نكون موضوعيين في التقويم والله سبحانه وتعالى يقول:{ولا تبخسوا الناس أشياءهم}، فالمنهاج تمت صياغته من قبل أساتذة أكفاء، أما على الجانب الفني بالنسبة لي لا بأس به إن لم أقل جيدا، أما بالنسبة للكتاب فمثلا كتاب الرياضيات والتربية العلمية والتكنولوجية، قيمته 200 دج، مصمم بأربعة ألوان، هذا إذا طبعه ناشر خاص تصل قيمته إلى 500دج على الأقل، إذ لا يوجد كتاب بأربعة ألوان وبحجم كبير بـ 200دج، وأنا لدي خبرة في طباعة الكتب، حيث كتاب بـ 133 صفحة يتجاوز 200دج، وهذا يدل على أن الدولة الجزائرية دعمت طباعة هذا الكتاب بحوالي 60 بالمائة، ودائما عن نفس الكتاب، فمن حيث التصميم والشكل والحجم فهو ملائم، الكتاب المدرسي يخضع لشروط تربوية وجمالية ونفسية هذه الشروط تقتضي أن يكون الكتاب بحجم كبير، ومن ضمن الشروط أن تكون البياضات ما بين الكتابات حتى لا تكون الحروف والكلمات متداخلة، وحتى تكون للتلميذ القدرة على الاستيعاب، وبالتالي ترك البياضات يقتضي أن يكون الكتاب ذا حجم كبير، فمن حيث الحجم الكتاب ملائم ومناسب، أما من حيث التصميم الداخلي: الألوان هي جميلة ومناسبة، ويقسم الكتاب إلى أنشطة مرتبطة فيما بينها ترابطا منطقيا، النشاط 1: أكتشف، والنشاط 2 :أنجز، والنشاط 3: تعلمت، هذا التنظيم غير موجود في الكتاب القديم، حيث كان  الدرس يقدم بطريقة فوضوية، وحسب رأيي أن الكتاب القديم لم يكن منظما بهذه الطريقة المنطقية البيداغوجية، اكتشاف إنجاز تعلمات، هذه إنجازات واضحة، حتى المعلم الجديد غير المؤهل يساعده التنظيم ويسهل عليه تحقيق الدرس ونجاحه انطلاقا من هذا التصميم، وبالتالي التنظيم البيداغوجي لهذا الكتاب هو أحسن من الكتاب القديم، أما بالنسبة للمحتوى فهو جيد، والتعليم القديم لم يكن هكذا لأن الطريقة التي تعلمناها تختلف عن هذه الطريقة، كانت تلك الطريقة سهلة وبسيطة حتى جعلتنا الآن لا نستطيع أن نتكيف مع التقنيات الجديدة، وأحد المربين يقول من يصف الطفل بالبراءة فهو البريء ويقول أن الطفل يملك قدرات خارقة على الإدراك والانتباه والفهم والحفظ والاسترجاع، والدليل الملموس أن الطفل لما يدخل السنة الأولى وهو في السادسة من عمره، في فترة وجيزة تقارب 3 أشهر، يتعلم فيها 28 صوتا، كل صوت فيه ثلاثة حركات وسكون، وكل حرف يكتب في ثلاث وضعيات: في أول الكلمة وفي وسط وفي آخر الكلمة، هي عملية معقدة بالنسبة للطفل، لكنه بعد ثلاثة أو أربعة أشهر يستوعبها فهما وقراءة وحفظا وتحليلا وتركيبا، ولما نقارن الطفل بكبار السن في مراكز محو الأمية نجدهم يستغرقون وقتا أطول حتى يستوعبوا وفي بعض الأحيان لا يستوعبون الحروف كلها، علما أن هؤلاء المسنين لهم خبرات واسعة مقارنة بالطفل، وبهذا للطفل قدرات خارقة للتعليم وللتكيف، فالطفل يستطيع أن يستوعب بكل سهولة شرط أن يجد الأستاذ الكفء، الذي يستطيع أن يقدم له هذه المعرفة بالطريقة الجديدة.

* ظهرت تناقضات وأراء متضاربة حول مناهج الجيل الثاني، ما هو تقييمكم أنتم لهذه المناهج؟

– نعم توجد آراء وردود أفعال متباينة حول مناهج الجيل الثاني بين مؤيد ومعارض، حولت القضية من كونها مسألة تعليمية تربوية لها علاقة بسياسات وخطة التنمية، إلى قضية سياسية وفكرية وأيديولوجية، مما يؤخذ على الإصلاح ما تعلق بالحجم الساعي، وهو ما يفسر التناقض بين الخطابات المؤكدة على إدراج التحسينات دون المساس بجوهر المنظومة التربوية وبنية المواد وحجمها الساعي في الوقت، حيث تم إعطاء مادة اللغة الفرنسية مكانة مهمة في النظام الجديد، وأهمية قصوى في البرنامج الإصلاحي خاصة في الطور المتوسط، حيث تمت معادلة الحجم الساعي للغة الفرنسية بمادتي اللغة العربية والرياضيات، كما قدر حجمها الساعي بما قصف لمواد الهوية الإسلامية والمدنية، التاريخ والجغرافيا، إضافة إلى ذلك أعادت خضوع حجمها الساعي للتفتيش الكبير، الذي خضعت له كل اللغة العربية والانجليزية والرياضيات، فكيف يمكن تبرير المفارقة بين ما أشارت إليه الاستشارة الميدانية في 2013 والمطابقة لأهداف القانون التوجيهي للتربية، الداعي إلى ضرورة التكفل بالبعد العلمي والتكنولوجي، وبين تقليص الحجم الساعي الذي خضعت له مادة الرياضيات، التي تعد أساس العلوم واللغة الانجليزية التي هي اللغة العالمية، إذن هذا التناقض في تصريحات المسؤولين، وضعف الإجراءات التي نراها في المناهج، والتي تخدم لصالح اللغة الفرنسية، التي أخذ دورها يتراجع عالميا، هو يتناقض صراحة مع مقولة العمل على تطوير مخرجات جودة المدرسة، إن بعض المسؤولين في وزارة التربية أرادوا أن يحلوا العامية في التدريس بدلا من اللغة الفصحى بدواعي أنها لغة الأم، وهو مخالف لعلم اللسانيات وعلوم التربية والنفس، كما أن اللغة العامية هي لغة سوقية العبارات ولا تستعمل إلا للتواصل العادي، فهي لا تخدم أدبا ولا علما ولا فلسفة ولا قانونا ولا فنا، وكل دول العالم لها لغات فصيحة ولهجات شعبية، ولا نرى أي دولة قامت بهذا الإجراء، واعتمدت العامية في التدريس، إذ أن قاموس مفردات العامة في العالم العربي لا تتجاوز حدود 2500 كلمة، وهي لغة ليست فيها اشتقاقات ولا مرادفات مما يجعلها لغة قاصرة على احتواء العلوم والتكنولوجيا وإلى ما ذلك، هؤلاء أرادوا أن يمسوا بالمرجعية الوطنية التي تتعلق بالمحتوى الثقافي، حتى يغيروا بعض الجوانب في المرجعية الثقافية المتعلقة بالأخلاق والآداب العامة والثقافة التراثية بحجة الحداثة والعولمة، والعالم أصبح قرية صغيرة وهذا ما يخالف التوجهات للسياسات التعليمية في العالم، إذ أن كل أمة تحافظ على خصوصياتها الثقافية في مناهجها الدراسية.

* ما هو السبيل لإدراك التحديات واستشراف الحلول لمواصلة المسيرة التربوية حتى تحقق أهدافها المرسومة وتجابه كل التغيرات المستجدة لتنتج في الغد لنا شبابا فاعلين في مجتمعنا؟

– يجب أن تنطبق علينا قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}، المعنى من هذه الآية ينبغي على كل مواطن خير من السياسي من المسؤول والإداري إلى المثقف إلى الإعلامي إلى أولياء التلاميذ إلى كل الشركاء الفاعلين، كلهم يجب أن يقفوا وقفة رجل واحد، كل حسب دوره، ويؤمن بأن التعليم هو النجاح، وأن التعليم هو الحياة كما قال أحد المربين الأمريكيين، حيث كانوا قبله يقولون: التربية هي الإعداد للحياة، وهو قال:” التربية هي الحياة نفسها” فإذا آمن كل الشركاء الفاعلين في المجتمع بين السياسي وولي التلميذ إلى النقابي بأن المدرسة هي التي تستطيع أن تصنع لنا مستقبلنا، إذا عمل كل في إطار ما تصنع به قدراته وتسمح به إمكانياته، وبالتالي إذا آمنا بهذا المبدأ فالمدرسة ستنجح، في الموسم الماضي ذهبت إلى إحدى المدارس كان لي موعد، وقفت أمام باب المدرسة فأرى مياه راكدة أمام المدخل الرئيسي للمدرسة مملوءة بالأوحال، ووجدت ولي التلميذ يقف ينتظر ابنه، توجهت إليه وطرحت عليه سؤالا وطلبت منه أن يجيبني بصراحة، أنتم كأولياء التلاميذ هل المدرسة تقوم بمهامها؟ أم لا؟ قال لي: لا، قلت: لماذا؟ قال: لم يصل التلاميذ إلى المستوى المطلوب، قلت له: هم بالداخل يعلمونهم دروسا في الأخلاق والتربية الدينية وعن النظافة، وبالتالي التلاميذ يشحنون بهذه الأفكار الجميلة، فيخرج الطفل مشحون من المدرسة ليطبق ما تعلمه، وللأسف من باب المدرسة يرى هذا المنظر القبيح، والسؤال المطروح من الذي هدم عمل المدرسة وعمل الأستاذ وعمل وأهداف المنهاج؟ هل المعلم؟ هل المدير؟ هل هو دور البلدية؟ كما قال الشاعر “متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم”، هاهي المدرسة مبنية من الداخل بما تملك كنسق مستقل، ها هو نسق آخر إداري ضرب أهداف المدرسة، إذن هنا المحور النسقي الذي بني عليه المنهاج الجديد وجدنا أن فيه نسقا آخر هدم لنا النسق التربوي ولهذا المدرسة لا تستطيع أن تكون فاعلة بمفردها ما لم تتضافر كل الأنساق فيما بينها كل نسق حسب مسؤولياته حتى تتحقق النجاعة والإقلاع.

* كلمتكم الأخيرة لقراء جريدة البصائر؟

– أشكر جريدة البصائر على هذه اللفتة الطيبة، التي تدل على أن مسؤولي الجريدة مهتمون بالواقع التربوي، وهذا ما يجب “التعليم بوسائل الإعلام”، ليس أن تكتب من أجل الكتابة، أو أن تقول من أجل القول، إنما تبحث عن مشكلة المجتمع لتعالجها وتبحث عن نقائصها من أجل أن نتدارك هذه الأخطاء، ونبني عليها بناءا جديدا، وفي نفس الوقت نشكركم أنتم أيضا على المجهود الذي بذلتموه، وهو يدل على حبكم للعمل وهذا شيء جميل، الذي يحب عمله ينجح فيه، والذي لا يحب عمله لن ينجح  فيه، أتمنى للجريدة ولكم وللجزائر التوفيق والنجاح والفلاح، وإن شاء الله تكون جزائرنا من الدول المتميزة والناجحة، لم لا عندما أرادوا أن ينتصروا في الثورة التحريرية في 1954، انتصروا في ظرف زماني قصير على أكبر قوة طاغية في الوجود في تلك الحقبة، فلماذا لا نستطيع أن نحقق نصرا جديدا بإقلاعة جديدة وبتصورات جديدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com