قضايا و آراء

شهر رمضان.. شهر الصبر/ د. إبراهيم نويري

مما لا شكّ فيه أنّ كلّ مَنْ يغلغل نظره في بعض الأحاديث الشريفة سوف يجد بأن الصوم قد ورد في سياق حالة استثنائية لها مميزات متفرّدة بين العبادات والتكاليف الإسلامية، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال:” كُلّ عمل ابن آدم يُضاعَف، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعف. قال الله عز وجلّ: إلا الصيام فإنه لي، يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان، فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك“.

أما لفظ رواية الإمام البخاري فهي: يقول الله عزّ وجلّ:” لكلّ عملٍ كفارة، والصومُ لي وأنا أجزي به ]..كما أخرجه الإمام أحمد من هذا الوجه ولفظه [ كلّ عمل ابن آدم له كفارة إلا الصوم، والصوم لي، وأنا أجزي به “.

فمما لا ريب فيه أن هذا النص الشريف الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجلّ، يشير إلى تميّز الصوم بين سائر العبادات والتكاليف، وهذا ما حدا بالإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي إلى عدِّ الصوم من ” أعمال الصبر، وقد بنى فهمه أو استنباطه على كون الحديث الثابت في الصحيحين قد جعل الصوم استثناءً من الأعمال المضاعفة، بحيث تكون الأعمال كلها تُضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام، فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يُضاعفه الله عزّ وجل أضعافاً كثيرةً، بغير حصرِ عددٍ، لأن الصيام من الصبر، وقد قال الله تعالى:{..إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزمر: 10] ولهذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه سمّى شهر رمضان شهر الصبر “.

وهذا فهم جيد وتخريج رائع بديع، وقد زاده بهاءً، اعتماد الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله على القرآن الكريم، في تفسير الأحاديث الشريفة، سواء أكانت قدسية أو نبوية، وهو منهج ارتضاه ـــــ مؤسس علم الأصول ـــــ الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله في كتابه العلمي البديع المشهور: كتاب (الرسالة ).

لقد أدرك أسلافنا الصالحون هذه المعاني اللطيفة، واستأنسوا بها وأفادوا منها أيما إفادة؛ ولذلك فإنّ مَن يتعقّب آثارهم يلاحظ مدى تأثرهم وحزنهم ولوعتهم على سرعة تصرُّم أيام وليالي شهر رمضان.

إنه إحساس يُكلمُ أفئدة المؤمنين الصادقين الذواقين لأريج بركة شهر القرآن والإيمان والصبر والتقرّب إلى الله، وكيف يكون وقعُ وداع هذا الشهر سهلا على روح المسلم، وقد ألِفتْ هذه الروح واستروحتْ فيه بركات القربى ونسمات الفوز والرضوان؟ فلا غرابة إذن أن تكون المشاعر حزينة إبّان أيام الوداع.. ولله درّ الشاعر الذي استشعر لُبّ هذه المعاني فقال في تصويرها :

ســــــلامٌ من الرحـــــمن كلّ أوان  **  على خيرِ شهرٍ قد مضى وزمانِ

سلامٌ على شهر الصـيام فإنه **    أمــانٌ مـــــــن الرحــــمــــن أيّ أمــــــانِ

لئن فنـــيتْ أيامُــك الغرّ بغتة  **    فما الحزن مــن قلبي عليك بفانِ

وقال آخر، وهو يرسم ويجسّد بالكلمات حقيقة هذه المشاعر الملتاعة، والأحاسيس الملتهبة، حزناً وأسًى على سرعة تصرُّم أيام وليالي رمضان:

تذكّـــرتُ أيامـــــاً مضـــتْ ولياليا ** خَلَتْ فجَرَتْ من ذكرهنّ دموعُ

ألا هَلْ لها يوما من الدهر عودةٌ  ** وهل لي إلى يوم الوصال رجوعُ

وهل بعد إعراضِ الحبيبِ تواصلٌ ** وهــل لبدورٍ قــــد أفَـــلْنَ طُــلـــوعُ

الحق أن هذه المشاعر والأحاسيس المعتّقة بصفاء الإيمان والتقوى، كانت تسكن وتنتاب نفوس وأرواح أسلافنا الصالحين، حتى لقد رُوي عنهم أنهم يظلون ستة أشهر كاملة وهم يسألون الله أن يتقبّل منهم رمضان، ثم يدأبون بعد ذلك فيظلون ستة أشهر أخرى يسألون الله أن يبلّغهم رمضان. بمعنى أنّ رمضان له حضورٌ دائم في ضمائرهم وأرواحهم، وما ذلك إلاّ لكونهم قد فقهوا وأدركوا حقيقة ما فيه من فضل وخير وبركة.

هكذا هو الشعور النابع من الوجدان المسلم المفعم بروح الإيمان وأرائج العبادة الزاكية إزاء تصرُّم شهر القرآن والتقوى والصبر.

والله وليّ التوفيق.

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com