في رحاب الشريعة

صيام العشر من ذي الحجة: بين البخاري ومسلم(3)/محمد عبد النبي

أخرج الإمام مسلم (2/ 833)، وابن خزيمة (2/ 1008)، وأحمد (40/ 177)، والنسائي في الكبرى (2/ 165)، والترمذي (3/ 120) عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط”.

عرضنا في الحلقتين السابقتين لمتن هذا الحديث، وما زُعم من أنه عورض بنصوص أخرى، كما عرضنا لمسالك بعض العلماء والشُّرّاح في رفع هذا التعارض، ونعرض في هذه الحلقة لسند الحديث، وما وقع في تخريجه من خلاف بين رواته، علما أن الإمام البخاري قد نأى بنفسه عن هذا الحديث.

قال الإمام الترمذي في جامعه (3/ 120): “حدثنا هناد، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: “ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صائما في العشر قط”.

قال أبو عيسى (الترمذي): هكذا روى غير واحد عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.

وروى الثوري وغيره هذا الحديث عن منصور عن إبراهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُر صائما في العشر. (فسقط منه الأسود وعائشة، وقد أخرج هذه الرواية عبد الرزاق الصنعاني في مصنّفه 4/ 378).

وروى أبو الأحوص عن منصور عن إبراهيم عن عائشة، ولم يذكر فيه عن الأسود. (أي: سقط منه الأسود فقط).

وقد اختلفوا على منصور في هذا الحديث، ورواية الأعمش أصحّ وأوصل إسنادا، قال: وسمعت محمدًا بن أبان يقول: سمعت وكيعا يقول: الأعمش أحفظ لإسناد إبراهيم من منصور”.

ومعنى ما سبق من كلام الإمام الترمذي أنه رجّح رواية الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة – وهي الرواية نفسها التي أخرجها الإمام مسلم- بناء على أمرين، الأول: أن أصحاب الأعمش اتفقوا على هذه السياقة لسند هذا الحديث، بينما وقع الخلاف بين أصحاب منصور- بين وصلها وإرسالها- والثاني: أن الأعمش أوثق في إبراهيم من منصور، وبالتالي فإنّ وصل ما وصله الأعمش أصحّ مما أرسله منصور.

وهذا الأمر من مباحث العلل التي هي من اختصاص الأئمة الكبار، ومنهم مسلم والترمذي؛ وقد رجّحا الوصل تخريجا في كتابيهما، ودعم الترمذي ما خرّجه بالمناقشة والترجيح النظريين.

لكن يبدو أن نقادا آخرين كان لهم رأي آخر، مالوا فيه إلى تقديم الإرسال على الوصل، ففي علل الحديث لابن أبي حاتم (3/169) قال: “وسألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه أبو عوانة عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صام العشر من ذي الحجة قط، ورواه أبو الأحوص فقال: عن منصور عن إبراهيم (فأسقط الأسود) عن عائشة؟ فقالا: هذا خطأ، ورواه الثوري عن الأعمش ومنصور (أي: عن كليهما) عن إبراهيم قال: حُدِّثتُ عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

وقول أبي حاتم وأبي زرعة: “هذا خطأ” ينصرف – فيما يظهر- إلى رواية الأعمش الموصولة، وإلى رواية منصور المنقطعة، ورجّحا رواية الثوري عن الأعمش ومنصور – معا- عن إبراهيم المرسلة.

وهذا الاتفاق بين الأعمش ومنصور – على الإرسال، كما رواه الثوري عنهما – لم يُشر إليه الترمذي في كلامه السابق، واقتصر على ذكر رواية الثوري عن منصور فقط؛

وأورد الدار قطني حديث مسلم في انتقاداته على الصحيحين في كتابه الإلزامات والتتبع (353) فقال: “وأخرج مسلم حديث الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة: ما صام رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم العشر، قال أبو الحسن: وخالفه منصور، رواه عن إبراهيم مرسلاً”. فرجّح رواية الإرسال، وتناول الأمر في العلل (15/ 74) بالتفصيل، ثم انتهى إلى القول: “…والصحيح: عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: حُدثت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك رواه أصحاب منصور عن منصور مرسلا، منهم فضيل بن عياض، وجرير”. وبالرغم من هذا فإن الدار قطني نفسه نصّ على أنه لم يُختلف عن الأعمش فيه، واختُلف عن الثوري، وذكر بعض الاختلاف الوارد في ذلك، ومع ذلك رجّح رواية الثوري عن منصور المرسلة!

وأخرج ابن الجعد [المتوفى سنة: 230] في مسنده (265) الروايتين، لكنه بدأ برواية سفيان بالمرسلة، ثم ذكر الرواية المسندة.

وفي لطائف المعارف (262) لابن رجب الحنبلي، ذكر أن جواب الإمام أحمد اختلف بين حديث مسلم (النافي)، وبين حديث حفصة (المثبت، وهو الذي حُكم عليه بالاضطراب)، ثم قال ابن رجب: “..وأشار إلى أنه اختُلف في إسناد حديث عائشة: فأسنده الأعمش، ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا”. وأن يتردّد الإمام أحمد بين حديث مسلم، وبين حديث حفصة الضعيف، فمعنى ذلك أنه متردِّد في قبول حديث مسلم!

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com