شعاع

أولويتان عظيمتان..!/ حسن خليفة

يبتهج المرء وهـو يرى هذه البشائـر الطيبات من الأفعال والأنشطة والبرامج في عدد من ولايات الوطن، – فبعد مستغانم، قالمة وخنشلة – في لقاءات وملتقيات زاهرة مثمرة، هاهي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تبلي بلاء حسنا من خلال شُعبٍ أخرى في أعمال طيبة عبر كل من الشلف، برج بوعريريج والعاصمة هذا الأسبوع؛ ونحن على مشارف الشهر العظيم رمضان الكريم، جعله الله تعالى لنا جميعا فرصة للانعتاق من أسر الدنيا الفانية، وفرصة للوثوب والسموّ والاشرئباب إلى الأفق الأعلى والأبقى.

فأما ولايتي الشلف والبرج فقد كان الاحتفاء عظيما وباهرا فيهما، وأهم ما ميّزهُ الاحتفاء بحفظة القرآن الكريم، في يوم مشهود يجد القارئ وقائعه في هذا العدد من “البصـآئر” تقريرا وصورا.

والحقّ أن الاحتفاء بالقرآن الكريم جزء من الصنيع العامّ الذي تقوم به الجمعية في ميدان القرآن العظيم تحفيظا، محافظة، وتدريسا لعلومه، وترسيخا لمبادئه.

وأما في العاصمة فمحطة أخرى  لإعراب الجمعية عن الاهتمام المركزي بقضية فلسطين، قضية المسلمين الأساسية والمحورية، والتي تتميز الجزائر بخصوصها – شعبا وحكومة – بعلاقة وفاء لم ولن تنقطع بعون الله، رغم مصاعب المرحلة، وكثرة المكائد، ووفرة الخَونَة، وازدهار مواسم “الخيانة والغدر”..! وانقلاب البعض على القضية كلها بالمجاهرة بالولاء لليهود الصهاينة المجرمين، كما فعلت البحرين.. وما خفي أعظم…!

أضيف إلى هذه اللقاءات والاهتمامات والأنشطة النوعية، في هذه الولايات شرقا ووسطا وغربا، لقاء جمع ثلّة من الأفاضل الدعاة والأئمة والأساتذة في أعقاب الأسبوعين العلميين اللذين برمجتهما شعبة قسنطينة في أحد المساجد العامرة (مسجد السلام) بالمدينة الجديدة، فقد آثرت الشعبة إكرام وتكريم الأساتذة والدعاة الذين قدموا محاضرات على مدار أسبوعين كاملين، فرأت أن تعدّ لهم لقاء – وقد تم ذلك- وكان مثمرا للغاية، لما تمخض عنه من أفكار لامعة، ولفتات وتنبيهات مهمّة في الحقل الدعوي.

ومن مجموع هذه الأعمال الكثيرة المهمة استوحيت بعض الأفكار التي أرغب في مقاسمتها مع الإخوة من قراء البصآئـر، من أعضاء الجمعية ومنتسبيها وغيرهم من الأفاضل والفاضلات المهتمين والمهتمات بالإصلاح والتغيير والدعوة ونشر الفضائل والخير في مجتمعنا الحيّ المتحرك المتوثّب. وأرى أن أركز على مجموعة بسيطة من المقترحات العَملية المفيدة التي أعتقد أنه ينبغي أن نولي لها الاهتمام الكامل، على اعتبار أنها “أولويات”.

الأولويــة الأولى: تفريغ العاملين.

فأمام هذه الوفرة الرائعة من الأعمال والأنشطة، بمختلف مضامينها وصيغها من الملتقيات إلى الندوات إلى ما سوى ذلك من الأعمال المبرورة النافعة بإذن الله تعالى؛ أرى أنه من الضروري أن يتم  البحث في هياكل جمعية العلماء كلها عن صيغة مناسبة وفعّالة لتعضيد وتأطير وتقوية هذه الأعمال، والحرص على انتظامها ودوامها. ولعل أفضل السبل في ذلك هو “تفريغ” مجموعة من العاملين على مستوى كل ولاية – شعبة ولائية- خاصة ممن لديهم المؤهلات المناسبة، والوقت والقدرة على المتابعة والتنظيم، وأتصوّر أن تفريغ اثنين أو ثلاثة في كل شعبة ليس أمرا عسيرا ولا معجز، وعلى الجميع البحث وتدبّر الأمر، وإيجاد الوسائل والطرائق المناسبة لتنفيذه، وتحقيق المراد منه، وهو إعطاء دفع أكبر للعمل الديني – التربوي – الفكري – الإصلاحي الذي تقوم به الجمعية.

وبطبيعة الحال ينبغي أن نشير هنا إلى أن هؤلاء المتفرغين ينبغي أن ترصد لهم منحة تعينهم على أداء مهامّهم على الوجه الأكمل، أو تخصيص مرتب – لمَ لا – تتكفل به الشعبة المعنية بالولاية، يضمن تفرّغ العضو، وبذله كامل الجهد في هذا سبيل خدمة جمعية العلماء. إن هذا الأمر سيعين على انتقال الجمعية إلى طور آخر فيه نوع من الاحترافية، وفيه نوع من العمل المؤسسي، وفيه أيضا إعادة صياغة وترميم لبعض المفاهيم الفضفاضة كـ: “التطوع”، الذي يعني عند الأكثرية منا إعطاء فضول الوقت لهذا العمل الإصلاحي النبيل، وأيضا إعطاؤه فضول الجهد، وفضول المال؛ وهذا لا يستقيم أبدا، لا في المفاهيم الشرعية المؤسسة للعمل الدعوي، ولا في الواقع الصعب الذي تتزاحم فيه المطالب، وتتعدد الحاجات. فمن الفقه الصحيح ومن فقه الواقع ومن فقه الدعوة والإصلاح أن ننظر في هذه المسألة على النحو الذي يسمح لنا بإيجاد آليات وطرائق تقود أعمالنا في الجمعية إلى الطرف الأعلى والأسمى، وتمضي بنا قدما نحو أفق أكثر انتظاما، وأكثر قوة ومتانة، وأعظم آثارا.

الأولويــة الثانية: تقريب الرؤى بين الدعاة والعاملين، ووضع برامج جامعة.

وأرغب في المسارعة إلى التأكيد على أن لفظ “الدعاة” لا يُقصد به الأئمة والمشتغلين في حقل الدعوة والوعظ والإمامة فحسب، بل هي صفة لكل مهتم ومهموم بالعمل الديني الفكري الذي يصبّ في نهر الإصلاح والتغيير الهادف الرشيد. وعليه فإن كل عامل وعاملة في هذا الحقل هو صاحب حق في أن يكون من أهل الإصلاح الداعين إلى الخير، والأمر هنا يتجاوز جمعية العلماء إلى كل العاملين، سواء في جمعيات وهيئات أخرى – رسمية – شعبية، أو العاملين المستقلّين – إذا صحّ التعبير ، وفي أي ميدان أو حقل كانوا. المهمّ أن تكون رؤاهم متقاربة وقناعاتهم أيضا متقاربة، وفهمهم للواقع سليم ودقيق، واقتناعهم بأهمية العمل – مع بعض – كواجب شرعي مؤكد، بما يعنيه ذلك من وجوب التنازل والتراحم والتفاهم والاتفاق على الحدّ الوسط على الأقل. وأريد هنا التذكير ببعض الأفكار المهمة الوجيهة في هذا المجال مما اقترحه الأفاضل في لقاءات متعددة:

1/ النظر إلى انتظام اللقاءات بين العاملين والدعاة كواجب أساسي، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والمطلوب لقاءان سنويان على الأقل في كل ولاية أو منطقة، تجمع أخيارها وأفاضلها للنقاش والتدبّر والتعاون وتحقيق المراد الإلهي في قوله عز وجل: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المــآئدة: 2].

2/ البحث عن صيغ وبرامج لتفعيل دور الدعاة والأئمة والأساتذة، لترسيخ وتعميق دور الإبلاغ والتبليغ والنصح والإرشاد والوعظ والتربية والتوجيه من خلال (كأمثلة فقط) قوافل الدعاة، الأسابيع العلمية، الكراسي العلمية، النشر المشترك، التوأمة بين المساجد، اللقاءات الدعوية المفتوحة (التفاعلية) مع الشباب خاصة، إلى آخر الصيغ والطرق التي يمكن من خلالها إيصال كلمة الإسلام الصحيحة السليمة الواضحة إلى الجمهور الواسع عبر المساجد، وفي المراكز الثقافية والمؤسسات التعليمية.

3/ تسيير القوافل الإصلاحية الدعوية في الأسواق والساحات للتذكير والتنبيه على الكثير من المخالفات الشرعية والقانونية، وصور الغش ومظاهر الخداع في البيوع والتجارة وسائر الأعمال التي فيها منافع للناس. وبذلك يتاح نشر الثقافة السليمة الشرعية والوصول إلى الناس في محال عملها ونشاطها، ولا يقتصر الأمر على المساجد فقط، فهناك ألوف مؤلفة لا يصلّون ولا يزكون ولا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا؛ فمن الأفضل إيجاد طرق للوصول إليهم وتبليغهم ما يمكن، استنقاذا لهم من عذاب الله عز وجل. وغير هذا كثير مما يمكن أن ينتهي إليه الحوار بين السادة الأئمة والأساتذة والباحثين والدعاة من أطباء وصيادلة ومحامين …إلخ.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com