وراء الأحداث

عادت الذكرى … وتراجع مطلب الاعتذار..!/ عبد الحميد عبدوس

أقيم هذا العام (2018م) فعاليات إحياء الذكرى الثالثة والسبعين لمجازر الثامن ماي 1945م في مدينة قالمة التي مازالت آثار الوحشية الاستعمارية حية في ذاكرة أبنائها. هذه الذكرى تشكل في التاريخ المعاصر عارا لا يمحى، وجريمة لا تنسى؛ ورغم التنكر والإنكار الفرنسي الرسمي الذي يتمسك به رؤساء فرنسا المتداولون على حكمها منذ عقود، فإنها مازالت تستفز الضمير العالمي، ففي ذكرى الثامن ماي لهذا العام (2018م) هاجم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الاستعمار الفرنسي، قائلا: “إن الفرنسيين قتلوا 5 ملايين مسلم في الجزائر”. وكان أردوغان قبل سنوات قد انتقد الاحتلال الفرنسي، وطالبها بالاعتراف بجرائمها الاستعمارية في الجزائر. وأما السفير الأمريكي بالجزائر فقال في تغريدة: “8 ماي يوم فريد في سجلات التاريخ، في 8 ماي 1945م، ابتهج العالم بنهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا. لقد كان يومًا للاحتفال بانتصار الحرية على الطغيان. ولكن هذا اليوم كان يومًا حزينًا للجزائر”. لقد تعمدت سلطات الاحتلال الفرنسي على تحويل آمال الجزائريين وثقتهم في وعود الحلفاء المنتصرين على القوة النازية إلى عملية إبادة جماعية ومجزرة بشرية لا توصف.

فغداة مظاهرة، الثامن ماي 1945م أصيبت سلطات الاحتلال في الجزائر بالذعر؛ فأعلن الحاكم العامّ إيف شاتنيو: “إنّه الجهاد”؛ فردّ الجنرال شارل ديغول الّذي قاتل من أجل حرية فرنسا: “استعيدوا النظام“!

وكان الـجـنـرال ديـغـول قد صرح فـي بـرازافـيـل، عاصمة الكونغو، فـي جـانـفـي 1944م عندما كان المجندون الجزائريون في الجيش الفرنسي يحاربون من أجل تحرير فرنسا من الغزو النازي، أي  قبل حوالي سنة ونصف من مظاهرات الثامن ماي: “أن هـدف سـيـاسـة فـرنـسـا هـو جـعـل الـشـعـوب الـمـسـتـعـمـرة تـحـكـم نـفـسـهـا”. ولكن بدل الاستجابة للمطالب المشروعة للمتظاهرين تصدت لهم قوات الاحتلال الفرنسي بالدبابات والطائرات والجرافات وجندت قواتها البرية والبحرية والجوية لارتكاب مذابح بشعة راح ضحيتها أزيد من 45 ألف شهيد، ولم يكتف المحتل الفرنسي بالتقتيل والترويع للمدنيين المتظاهرين، ولكنه قام أيضا بحل الحركات الوطنية والأحزاب السياسية الجزائرية وزج بزعماء تلك الحركات في السجون مع إعلان الأحكام العرفية في كافة البلاد وإلقاء القبض على آلاف المواطنين، وإيداعهم المعتقلات بحجة أنهم خارجون عن القانون وإصدار في حقهم أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد والنفي خارج الوطن والحرمان من الحقوق المدنية. وللمفارقة إن كل هذه الأعمال التي تفوق في وحشيتها الممارسات النازية كانت بأمر مباشر من بطل تحرير فرنسا الجنرال ديغول، حيث قامت الحكومة العامة الفرنسية في 12 ماي1945م بالإبلاغ عن برقية أرسلها ديغول مؤكدا فيها: “رغبة فرنسا المنتصرة في عدم السماح بالمساس بسيادة فرنسا بالجزائر”، وطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لقمع كل السلوكات المعادية لفرنسا والتي تقوم بها أقلية من المحرضين حسب قوله؛ وبعد هذه المجزرة التاريخية للجزائريين المنتفضين سلميا في 8 ماي 1945م أبرق الحاكم العام الفرنسي في الجزائر لقائده الجنرال ديغول يقول له: “إن العرب خضعوا بعد إبادتهم”. وذكرت الكاتبة فرانسيس ديساني  أن السفير الأمـريكي في القاهرة بانكنـي توك أخبر رئيس الجامعة العربية عزام باشا بأن هناك “45 ألف جزائري” قتلهم الفرنسيون في مظاهرات 8 ماي 1945م، مما أغضب الجنرال ديغول من هذا التصريح باعتبار ما قامت به  فرنسا في الجزائر “قضية داخلية”!

وفي عام 2011م أي بعد مرور 66 سنة على جريمة فرنسا في 8 ماي 1945م قال السفير الفرنسي بالجزائر -آنذاك – كازيفي دريانكور، أن فرنسا لم تتنكر أبدا لمسؤوليتها تجاه بعض الأحداث المؤلمة التي وقعت خلال فترة الاستعمار، ولكنه أضاف حول ضرورة اعتراف فرنسا بجرائمها في مجازر 8 ماي 1945م متهربا من السؤال بالقول: “أتركوا بعض الأشياء للوقت… الوقت سيتكفل بها”.

وفي ديسمبر 2012م اعترف فرنسوا هولاند بـ: “العذاب الّذي تسبّب فيه الاحتلال” للجزائريين، وندّد بـ: “النظام الظالم والوحشي للغاية“. ولكن، رغم صدور العديد من الشهادات والاعترافات من جنود وضباط فرنسيين كانوا شهدا على الحدث أو مشاركين فيه، ومع توفر الوثائق الدامغة والحقائق التاريخية الساطعة عن مسؤولية الدولة الفرنسية عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بصورة مخططة وممنهجة ضد المدنيين الجزائريين، فإن رفض الاعتراف بالجرائم وتقديم الاعتذار والتعويضات اللازمة للضحايا هو استهتار مقصود بالدولة الجزائرية وبشعبها، وليس سرا أن هناك تراجعا في التمسك بمطلب الاعتذار والتعويض من طرف الجزائريين، رغم وعود الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون الذي ضلل الجزائريين بوعود لفظية فارغة في بداية حملته الانتخابية للرئاسيات الفرنسية عام 2017م التي أطلقها من الجزائر.

المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا قال في أحد حواراته الصحفية: “إن هناك خطابين (عند الرسميين الفرنسيين) الأول يخص السياسة الخارجية، ويتضمن خطوات لبناء اعتراف؛ والثاني داخلي موجه إلى زبائن عدد الناخبين، يراعي وجود حساسيات تجاه كل ما هو اعتراف واعتذار بما وقع في الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي”.

بعد مجازر  الثامن ماي 1945م كتب العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله – الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين 1945م- “لو كان تاريخ فرنسا كتب بأحرف من نور ثم كتبت في آخره هذا الفصل المخزي بعنوان سطيف قالمة خراطة لطمس هذا الفصل التاريخ كله”.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com