في رحاب الشريعة

حفاوة الشارع..ببطولات النساء…!/ محمد عبد النبي

لا تزال المرأة تثير الكثير من اللغط حول مكانة تتأرجح فيها بين أقوام لا يفهمون من الدين إلا رسوما، وبين آخرين لا يؤمنون بما فيه إلا طقوسا، هؤلاء يسيرون فيهن سيرة غرب يسلِّع كل شيء، وأما أولئك فلا يرون فيهن قيمة ولا اعتبارا؛ وقد تكون من عجائب المفارقات أن أفرادا منا لا يزالون يتحرجون من ذكر أسماء زوجاتهم أو بناتهم، في الوقت الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم يُعلي من شأن خديجة وعائشة وفاطمة علنا، وتوثِّق السيرة الشريفة لتعامله الراقي مع المرأة في مصنفات تُقرأ إلى يوم القيامة، وبالرغم من ذلك كله يصرّ نفر من المسلمين على استبدال اعتقادات الجاهلية القديمة والمعاصرة بما ثبت من سنة وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أخرج الإمام أحمد في مسنده (5/ 30-31)، واللفظ له، والحاكم في المستدرك (2/ 538) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة؟ فقالوا: هذه رائحة ماشطة ابنة فرعون وأولادها، كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته: أبي؟ فقالت: لا، بل ربي وربك ورب أبيك، فقالت: أُخبر بذلك أبي؟ قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها وبولدها، فقال: يا فلانة، وإن لك ربا غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أمر بها أن تُلقى هي وأولادها فيها، فقالت: لي إليك حاجة، فقال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنه جميعا، فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأتى بأولادها فألقى واحدا واحدا، إلى أن انتهى ذلك إلى صبي لها مرضَع، كأنها تقاعست من أجله، قال: يا أمه، اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فاقتحمت، قال: قال ابن عباس: تكلم أربعة صغار: عيسى بن مريم عليه السلام، وصاحب جريج، وشاهد يوسف، وابن ماشطة ابنة فرعون”. صحح الحديث الحاكم والذهبي، وحسّنه الشيخ الأرناؤوط، وضعّفه الشيخ الألباني.

الذي يناسب المقدمة أني سبقت هذا الحديث بمشاركة النساء في بعض المجالات الحياتية أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد الصحابة والتابعين، لكي ندلِّل على مقام لها غير منكور؛ لكن ذلك يبقى استثناء، لا يُقنع دعاة التحرّر اليوم بشيء، ولا يقنعهم وجود مئات الفقيهات والمحدثات اللاتي كنّ يشاركن في الحياة العلمية، والحديث الذي بين أيدينا- لو صحّ-يرقى بالمرأة إلى مستوى من التضحية -بمبدأ تؤمن به- يصعب تصديقه، من مثل هذا الكائن الذي شاع في الناس ضعفه ورقّته، وهو إعلان بمبدأ في مواجهة مَن يُضرب به المثل في الطغيان و الجبروت. ولسنا ندري هل وُجد في الناس -قبل موسى عليه السلام والسحرة الذين آمنوا به- من وَقَفَ ضد فرعون أو قاومه؟ سرّا أو علنا؟ والذي ورد في القرآن يوحي باستكانة وخنوع وطاعة. قال تعالى:{فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ} [الزخرف:54]، قال ابن عاشور في التحرير والتنوير (13/229): “والمعنى: أنهم إنما خَفُّوا لطاعة رأس الكفر لقرب عهدهم بالكفر، لأنهم كانوا يؤلِّهُون فرعون، فلما حصل لهم تردّد في شأنه -ببعثة موسى عليه السلام- لم يلبثوا أن رجعوا إلى طاعة فرعون بأدنى سبب”.

ولسنا ندري كذلك: هل كانت مقاومة هذه المرأة قبل بعثة موسى أم بعده؟ وهل تأثّرت بآسية امرأة فرعون في إيمانها وثباتها؟ لسنا ندري ذلك كله، وليس من طبيعة القرآن ولا السنة أن يخوضا في التفاصيل، وإنما الغرض هو العبرة والدرس المستفاد.

ومرّة أخرى: لو صحّ الحديث لكان معنى ذلك أن أنثى من داخل القصر الفرعوني أعلنت تمرّدها على العبودية الحقيقية التي كان فرعون يسوس بها رعيّته، في الوقت الذي كان فيه الذكور أذلّة خانعين!

والعبرة الثانية اللصيقة بالأولى: أن الزوجة والخادمة أعلنتا كفرهما بالطاغوت، وإيمانهما بالله وحده، في مراغمة نادرة لأجواء العبودية، ولا تكون مثل هذه الظواهر إلا في أعقاب دعوات الأنبياء أو المصلحين، يرفعون للحق راية، فتنشأ به – شيئا فشيئا- أجواء أخرى للحرية، تنشر ريحها، لتزيح روائح الطغيان الكريهة، ولو بعد حين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com