في رحاب الشريعة

الأمن النفسي بعبادة رب العالمين ورحمة عباده المسالمين/ محمد مكركب

إشكالية البحث هنا: هي كيف يتحقق الأمن وتهنأ الأمة بالاستقرار، وتسعد بالتمكن والازدهار؟ ثم كيف تتخلص المجتمعات الإنسانية من مرض “الإرهاب” السفيه المقيت، واجتثاث الفكر الحروري التنطعي الزفيت؟ فما أحوج المسلمين في كثير من ربوع الوطن العربي إلى الأمن والسكينة، حيث الحروب الأهلية تدير رحاها بكل حمية وشراسة، ويعيش كثير من بني آدم على سطح الأرض؛ حالات من الخوف والرعب والذعر، وتهديدات أهل الشرك والكفر. وقد علمنا الله تعالى أنه من أسباب العزة والتمكين وتحقيق الأمن والاستقرار للمسالمين، عبادة الله وحسن طاعته تبارك وتعالى.

إن الله رفيق يحب الرفق، ورحيم يحب الرحماء، وطيب يحب الطيبين، وهو المؤمن ويحب المؤمنين. وخير ما يتلى ويُتَدَبَّر للموعظة والعلم وحسن الفهم كلام الله جل جلاله، وهو الشفاء للأمة ووقايتها من كل الأمراض.

وبخصوص تحقيق الأمن الذي يبحث عنه بعض الناس عند غير رب الناس، فها هو الحل في القرآن يا عباد الرحمن في قول الله عز وجل: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور: 55].

ألا يليق بنا أن نبدأ بترسيخ الرفق والرأفة والتراحم بيننا، واجتثاث جذور العنف والكيد والحقد من وسطنا؟ أجل، يجب علينا في زمن الفوضى والاضطراب، والتنطع و”الإرهاب”، والصراع والغلاب. أن نسأل من أين نبدأ؟ نعم هذا هو السؤال. نبدأ من تحقيق الأمن النفسي وسط الأسرة، نقيم رياض السكينة في البيت، والمسؤول بالدرجة الأولى هما الزوجان. تخيلوا معي لو أن كل الأزواج يقيمون علاقاتهم على المودة والرحمة كما هو أمر الله في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21]، عندما تقوم العلاقة بين الزوجين على الود والحب والرحمة والعطف، ويتربى الأولاد في جو الابتسامة والحنان وحياء الإيمان، ويتغذون بالحلال الطيب، ينشأ جيل رجولي، يمتاز بالشهامة وقيم الاستقامة، كالرزانة، والحلم، والتعقل، والتطاوع، والحوار، وغير ذلك من الآداب الإنسانية.

والسؤال بم تحفظ المودة والرحمة بين الزوجين؟

أولا: بالتفكر في الآيات الكونية متبوعا بالآيات التاريخية والشرعية. ومفتاح التفكر مطلوب وجوبا من مدلول قول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، والتفكير المقتضى هنا هو التفكير المستنير، الذي يقوم على النظر التأملي والبصيرة المستحضرة للمستقبل، باستعراض النتائج والآثار، للوصول إلى استحضار الْمآلات.

فإن بعض الزوجات غافلاتٌ لا يفقهن مصالحهن، فعندما تغضب إحداهن تطلب الطلاق، والأدهى والأمر أحيانا حتى الزوج يجاريها في غضبها وقلقها وتسرعها، وينهزم أمام رد الفعل النفسي المضاد، حيث يعصف به قلقُه ويرد عليها بغضبة صبيانية، فإذا قالت الزوجة الغافلة: طلقني، يقول لها الزوج الغافل: أنت طالق بالثلاث..!؟ وسبحان الله، ولا إله إلا الله، وهنا يصير الرجل أضعف من المرأة، هي طلبت طلقة واحدة، وفي طلبها هذا غلط كبير، فرد عليها بثلاث طلقات، وهذا من الجهل بالمآلات.

أما الزوج العاقل الرزين، صاحب العلم والدين، إذا أخذ الغضب بالزوجة وقالت خطأ: طلقني، يقول لها: هداني الله وإياك، وغفر لي ولك، وافرضي أنني طلقتك، وهذه مسألة سهلة لانقطع من أجلها البحور، فبكلمة واحدة، أما الحكمين من أهلك وأهلي في مجلس واحد، أقول لك: أنت يا فلانة طالق، نظرا لعدم قدرتنا، على العيش معا، ولانعدام الصبر في قلوبنا، وبتلك الكلمة نكون قد هدمنا بنيانا عظيما أقيم على ميثاق عظيم. فهل ترضين بذلك. وفرضا قالت: نعم، أريد الطلاق؛ يقول لها: شاوري أهلك، ثم لك ما تريدين.

فالزوج الذي يطلق قبل هذه الموعظة لزوجته، ما فهم المعاني الكاملة لقول الله تعالى: ﴿الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [النساء: 34]، ولا فهم قصة الحوار الذي جرى بين رسول الله وزوجاته. للعمل بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [الأحزاب: 28/ 29].

إذا كان المفتاح الأول لتحقيق الأمن النفسي والاستقرار الاجتماعي في الوسط الأسري هو التفكير المستنير كما رأينا (التعقل)، فإن المفتاح الثاني هو الصبر العقلاني. انطلاقا من الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان: 20]. والفتنة هنا نكرة عامة، قد تكون في الدين، وقد تكون في الأمن، وقد تكون في الجسد، وقد تكون في المال، وقد تكون في الشهوات، قد تكون فتنة مالية على ميراث، أو صداق، أو قرض، أو شراكة. وقد تكون فتنة سياسية كشأن الأحزاب عندما ينحرفون عن الصواب، ويخرجون من دائرة أولي الألباب.

ومنه فالزوجة فتنة لزوجها، وهو فتنة لها. لكن رب العالمين قال، وقوله حق مبين: ﴿أَتَصْبِرُونَ؟ هل سألت هذا السؤال: كيف نصبر؟ والجواب هو: أولا: بالتعلم من قصص الأنبياء؛ ولقد ورد في قصة موسى عليه السلام مع الخضر: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً* قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً. وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [ الكهف: 66/ 68].

أمرنا الله تعالى أن نستعين بالصبر، فعلينا أن نتعلم كيف نصبر. وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه سلم أن يصبر: ﴿وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ [النحل: 127].

فلو تعلمنا الصبر والاصطبار لتحقق الأمن والاستقرار، وكل أولئك الذي يشعلون نيران الحروب الأهلية لم يتعلموا الصبر، وبسبب فقدهم هذا الخلق العظيم الرفيع الذي أمر به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكانوا فتنة لأمتهم، وعارا في مسيرة تاريخهم؛ ولو أنهم صبروا حتى تعَلَّمُوا واستشاروا وفهموا، وفكروا وتدبروا لكان خيرا لهم، منهم الغافلون، ومنهم الجاهلون، ومنهم الحروريون…!

ولكننا الآن مع الأسرة، أو ليست الأسرة خلية المجتمع؟ إذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، ألا وإن البداية من الزوجين. فقد كانت بداية الحياة من زوجين: آدم وحواء، وبدأ المجتمع يتكون، ولكن آدم نسي فعصى وخالف أمر ربه، وذاق من الشجرة التي نهاه ربه عز وجل عنها، فأُخرج من الجنة بسبب النسيان، وابنه نسي، وسولت له نفسه قتل أخيه فقتله، وأصبح من النادمين، وامرأة نوح، وامرأة لوط كانتا تحت عبدين صالحين، ولكن المرأتين بالجهل والغفلة خانتا، فكان مصيرهما أن غضب الله عليهما، وهكذا كل البلايا والمصائب من  النسيان، بماذا نتغلب على النسيان؟ – طبعا- بالمداومة على مجالس العلم والإيمان.

والذي يتحمل المسؤولية في الأسرة أكثر هو الزوج، وبالنسبة للأولاد فالأب يتحمل المسؤولية. والأزواج كذلك هم مخاطبون بهذه المسؤولية أكثر، قال الله تعالى: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء: 19]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِمْ] (سنن الترمذي.1162).

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com