في رحاب الشريعة

فلسطين أرض الإسراء والمعراج / الشيخ الدكتور: يوسف جمعة سلامة

المسلمون في هذه الأيام المباركة من الشهر الكريم شهر رجب، الشهر المبارك يستحضرون في كلِّ مكان ذكرى من أعزّ الذكريات، إنها ذكرى الإسراء والمعراج؛ فحادثة الإسراء من المعجزات والمعجزات جزء من العقيدة الإسلامية، لذلك فإن ارتباط المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالأقصى والقدس وفلسطين هو ارتباط عقدي، وليس ارتباطاً انفعالياً عابراً، ولا موسمياً مؤقتاً.

ومع حلول هذه الذكرى المباركة في كل عام فإن الأمة تتطلع إلى مسرى رسولها العظيم، أولى القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، وهو الآن يئنّ ويزداد أنينه يوما ًبعد يوم، لما يتعرض له من اقتحامات واعتداءات على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ومن المعلوم أن أرض فلسطين المباركة هي أرض الإسراء والمعراج، كما جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ
(وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَويلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِه الأنْبِيَاء قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيِه رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ،  فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَال جِبْرِيلُ صلى الله عليه وسلم: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاء، فاسْتَفْتَحَ جبريلُ فَقِيل: مَنْ أنت؟ قال: جبريلُ. قِيلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قال: محمدٌ …” (1).

المسجد الأقصى المبارك قلب المدينة المقدسة، وهو محور الارتكاز في رحلة الإسراء والمعراج، وهو نهاية الإسراء وبداية المعراج، وتلك دلالة واضحة على مكانة المسجد الأقصى المبارك بفلسطين، حماه الله من كيد الكائدين.

رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي إماماً بالأنبياء والمرسلين

في المسجد الأقصى المبارك بفلسطين ليلة الإسراء

 

لقد جمع الله سبحانه وتعالى الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى المبارك، حيث صَلَّى بهم صلى الله عليه وسلم إماماً في ليلة الإسراء والمعراج، كما جاء في الحديث الذي رُوِي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، “قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ الأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ” (2).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كُرْبَةً مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ: فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى عليه السلام قَائِمٌ يُصَلِّي فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلام قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلام قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ صَلّى الله عليه وسلم- فَحَانَتِ الصَّلاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ الصَّلاةِ قَالَ قَائِلٌ يَا مُحَمَّدُ: هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلامِ” (3).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَويلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) قَالَ: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، قَالَ: فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِه الأنْبِيَاء قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيِه رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ).

جاء في كتاب (فتح المنعم شرح صحيح مسلم) في شرح هذا الحديث: “بعد هذا الإعداد وذلك التطهير جيء له بالبراق، تلك الدابة العجيبة الشأن، التي تشبه المألوف في الشكل، وتخالفه في الصفات والفعل، إنها شبيهة بالحمار الكبير أو البغل الصغير، لكنها تضع حافرها عند منتهى بصرها، وإذا صعدتْ جبلاً طالت رجلاها، وإذا هبطت وادياً طالت يداها، فيظل ظهرها مستوياً في الحالتين زيادة في راحة راكبها، لقد نقلت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي صحبته جبريل عليه السلام من المسجد الحرام بمكة المكرمة إلى المسجد الأقصى بالشام في لحظات، وهناك كانت وفود الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في استقباله، وَأُذِّنَ للصلاة، فقاموا صفوفاً ينتظرون مَنْ يَؤُمُّهم، فأخذ جبريل بيد محمد صلى الله عليه وسلم فأمَّهم” (4).

فلسطين أرض مباركة

 

يقول الله سبحانه وتعالى:{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}(5).

لقد ذكر الإمام القرطبي في تفسير الآية السابقة: “يريد نجينا إبراهيم ولوطاً إلى أرض الشام وكانا بالعراق، وذكر أيضاً: أن الأرض المباركة هي بيت المقدس؛ لأنَّ منها بَعَثَ الله أكثر الأنبياء، وهي أيضاً كثيرة الخصب والنموّ، عذبة الماء” (6)، وورد في تفسير ابن كثير: “عن أبيّ بن كعب قال الأرض التي بارك الله فيها للعالمين: هي الشام، وقال قتادة: وما نقص من الأراضي زيد في الشام، وما نقص من الشام زيد في فلسطين، وكان يُقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام، وبها يهلك المسيح الدجال” (7).

فإذا كان ما حول المسجد الأقصى مباركاً، فَمِنْ بابٍ أولى أن تكون البركة فيه مضاعفة، لذلك فإن أرض فلسطين كلها أرض مباركة.

فلسطين أرض مقدسة

 

يقول الله سبحانه وتعالى:{يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ}(8).

جاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير للصابوني في تفسير الآية السابقة: “المراد بالأرض المقدسة: بيت المقدس وما حوله” (9).

كما جاء في تفسير التحرير والتنوير للإمام ابن عاشور في تفسير الآية نفسها: “والأرض المقدسة بمعنى المطهّرة المباركة، أي التي بارك الله فيها، وهي هنا أرض كنعان، وهذه الأرض هي أرض فلسطين” (10).

والآية تشتمل على خطاب موسى عليه الصلاة والسلام لقومه بدخول الأرض المقدسة، وفيها دليل على أن القدس وفلسطين مقدسة في الأزل، قبل أن يَحِلَّ بها قوم موسى؛ لأن وجود المسجد الأقصى في القدس وفلسطين، قبل حلول بني إسرائيل في فلسطين، وقبل أنبياء بني إسرائيل الذين يزعم اليهود وراثتهم.

إن فلسطين بصفة عامة، ومدينة القدس بصفة خاصة تحتاج إلى وقفة جادة من الأمتين العربية والإسلامية لوقف المخطط الإجرامي الذي تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد بلادنا المباركة، وكذلك للمحافظة على المدينة المقدسة، ولؤلؤتها المسجد الأقصى المبارك، ولمساعدة المقدسيين على الثبات فوق أرضهم المباركة، فالقدس تستحق الكثير.

أملنا في الله تعالى، ثم في أمتنا كبير، فالليل مهما طال فلابدَّ من بزوغ الفجر، وإن الفجر آتٍ بإذن الله، {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيباً} (11).

نسأل الله أن يحفظ بلادنا، ومقدساتنا من كل سوء.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش :

  • أخرجه مسلم
  • أخرجه أحمد

3- أخرجه مسلم

4- فتح المنعم شرح صحيح مسلم 1/541

5- سورة الأنبياء الآية (71)

6- تفسير الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي 11/305

7-تفسير القرآن العظيم لابن كثير3/248- 249

8- [المائدة: 21].

9- مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 1/502

10- تفسير التحرير والتنوير للإمام الشيخ ابن عاشور6/162.

11- [الإسراء: 51].

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com