قضايا و آراء

قوافل الخير المطاردة “بعكس الآخرين، نحن نرى أموالكم”/ علي حليتيم

بهذه الكلمات خاطب الرئيس البوركينابي أحد الأطباء الجزائريين الذي عمل في بوركينافاسو لعشر سنوات في جمعية العون المباشر التي أسسها الطبيب الكويتي عبد الرحمان السميط رحمه الله.

كانت بداية الدكتور السميط مع محسنة كويتية اسمها أم علي، طلبت منه أن يبني مسجدا على حسابها، فاقترح عليها أن يُبنى ذلك المسجد في جمهورية مالاوي، حيث لا مساجد؛ وذهب إلى مالاوي فراعه ما رأى فيها من فقر وبؤس فأسس جمعية مسلمي مالاوي في 1981م، ثم توسع العمل إلى ثلاثة وثلاثين بلدا إفريقيا فحملت اسم جمعية مسلمي إفريقيا، ثم تحولت في 1999م إلى جمعية العون المباشر DIRECT AID لأنها كانت تخدم المسلمين وغير المسلمين، وقامت بعمل لم ينجز مثله أبدا لا على المستوى الإسلامي، ولا على المستوى الأممي!

أنجزت العون المباشر على المستوى الصحي  260 مستوصفا وأربعة مستشفيات كبيرة بناء وتسييرا وإدارة مع ما يتبع ذلك من تكفل بملايين المرضى منها تنفيذ أكثر من 1504 برنامج صحي (مخيمات جراحية، مخيمات عيون، حملات تطعيم، ختان، قوافل طبية)، وإرسال 550 ألف طن من المساعدات والأدوية والأغذية والملابس، وتكوين عدة جسور جوية للإغاثة لنقل المساعدات والمعونات العاجلة إلى مناطق الجفاف والمجاعة في مختلف الدول الأفريقية. أما على المستوى التعليمي فقد قامت الجمعية ببناء وإدارة 260 مدرسة نظامية من مرحلة رياض الأطفال وحتى الثانوية وبناء وإنشاء و تسيير ثلاث جامعات شاملة للعديد من التخصصات الأكاديمية وكفالة 2000 معلم، وكفالة أكثر من 7775 طالب للدراسات الجامعية، وتقديم عشرات المنح الدراسية للدراسات العليا، وإنشاء وتسيير 63 مركزا لتدريب وتأهيل النساء. وأما على المستوى الدعوي ففي حساب الجمعية كفالة ما يزيد عن 70 ألف يتيم وبناء أكثر من 5094 مسجد في مختلف الدول الأفريقية وبناء وتسيير 36 معهد شرعي. وفي التنمية قامت الجمعية بحفر أكثر من 18568 بئر ماء سطحي وإرتوازي لتوفير الماء النظيف لأهالي القرى والمناطق الفقيرة وإقامة 10 محطات إذاعية في إفريقيا، وتسيير برامج إذاعية في 17 دولة وكان إجمالي عدد المشاريع التنموية 8586 لفائدة الأسر الفقيرة. هذا الجهد الضخم الذي عجزت عنه الدول يقوم عليه فريق من 6577 موظفا منهم 182 موظفا يعملون في الكويت، والباقي في مكاتب العون بالدول الإفريقية، واليمن منهم جزائريون أطباء وإداريون، لكن الجزائر لا تملك مكتبا للعون المباشر لأنه يمنع على المنظمات الدولية الإنسانية إقامة فروع لها بالجزائر!

وفي قطر تقوم “جمعية قطر الخيرية” بعمل مقارب لما تقوم به العون المباشر الكويتية، ففي هذا اليوم الذي أكتب فيه هذا المقال تكفلت قطر الخيرية بست وثمانين فقيرا جمعية وأنجزت 361 مشروعاً في العشرة أيام الماضية، وهي إحدى أكبر الجمعيات الخيرية في العالم العربي والعالم ويشمل نشاطها التغذية والتعليم والصحة والمياه والآبار والرعاية الاجتماعية، والبنى التحتية واللاجئين والكوارث والثقافة الاسلامية، وتحتل المؤسسات القطرية المركز الـثاني عشر عالميا من حيث حجم المشاريع المنفذة، فقد ناهز إجمالي المشروعات التي نفذتها المؤسسات الخيرية القطرية نصف مليار دولار عام 2016م، واحتلت قطر الخيرية المركز الأول عالميا في مجال إغاثة السوريين خلال الأعوام الثلاثة الماضية، بحسب تقرير للأمم المتحدة. يلي “قطر الخيرية” حسب الأهمية مؤسسة عيد الخيرية بـ: 6642 مشروعا في ستين دولة بقيمة مائة مليون دولار، استفاد منها 14.7 مليون شخص، كما نفذت مؤسسة “راف الخيرية” مشروعات بقية 136 مليون دولار استفاد منها أكثر من 19 مليون شخصا عبر العالم. حضرت بنفسي مرة مؤتمرا دوليا لنصرة فلسطين وحضرت سيدة قطرية فأخذت الكلمة فقالت: “نحن في قطر بلد صغير وشعب صغير لكننا نحاول أن نكون كبارا بعطائنا، ووقوفنا جنب القضايا العادلة”. ثم قدمت شيكاً بنصف مليون دولار!

لكن كل ذلك أصبح مهددا بالزوال في ظل الحرب العالمية على الإرهاب التي القصد منها هو وقف العمل الإغاثي والثقافي الإسلامي ومحاصرة الإسلام في كل الميادين، في التربية والإعلام والثقافة والاقتصاد والسياسة وكل شيء.

لم يعد الغرب يستطيع أن يتحمل أن يخرج مئات الآلاف، بل والملايين من الأفارقة من المجاعة والفقر والأمية على يد هيئات إغاثية إسلامية، ولم يعد مقبولا أن يسلم أحد عشر مليون إفريقي إثر مرور جمعية العون المباشر. يريد الغرب أن تعود الأمور كما كانت في الماضي حين كان الخليجيون يرسلون تبرعاتهم إلى الهيئات الإغاثية الدولية التي يسيطر عليها الغربيون لتتولى العمل الميداني مع ما يعني ذلك من تسويق لتلك المساعدات كهدية من الغرب الإنساني الكريم وما يتبعه من شروط، وتدخل في السياسات وتغريب وارتباط بالتنصير ومع ما يعني ذلك من توظيف للكوادر الغربية مما يعود بالفائدة الاقتصادية على الدول الغربية أكثر من الدول التي تتلقاها! يتفق الدارسون على أن من بين كل مائة دولار يُتبرع بها، لا يصل إلى الفقراء إلا أقل من عشرة دولارات. حين يتدخل كادر أوروبي من منظمة أطباء بلا حدود في منطقة كوارث لمدة أسبوع فإنه ينال بالمقابل عطلة لمدة أسبوع في أي منطقة في العالم من اختياره في فندق خمسة نجوم مدفوعة كل التكاليف!

وثالثة الأثافي أن العمل الخيري الغربي يفتقد إلى الإنسانية والأخلاق عكس ما يُسوّق له إعلاميا، لا أدل على ذلك من اعتراف أندرو ماكلاود، الرئيس السابق للعمليات في مركز تنسيق الطوارئ التابع للأمم المتحدة، بوقوع نحو 60 ألف حالة اغتصاب ارتكبها موظفون في الأمم المتحدة خلال العقد الماضي بما فيها نسبة مهمة ضد الأطفال.

وحين نضع في الحسبان أن الجزء الأكبر من الستين مليون لاجئ في العالم هم من المسلمين، وجزء كبير من فقراء إفريقيا هم من المسلمين فإنه يضاف إلى مشاكل العمل الإغاثي الذي يقوم به الغربيون عدم احترامهم لخصوصيات المسلمين مثلما حدث في فضيحة رمي ساندويتشات تحوي لحم الخنزير على سريبرينيتشا أو احتقار المسلمين أصلا مثلما حدث في الدواء الفاسد الذي أرسلته الأمم المتحدة للسوريين أو أموال الإغاثة التي تذهب إلى إسرائيل بعنوان مساعدة الفلسطينيين!

ماذا عن الجزائر؟!

بدأ بعض الجزائريين يدركون الواجب الإنساني الذي ينتظرهم في إفريقيا، وفي دول جارة في بعض الأحيان (مالي والنيجر)، بل وفي بلادنا في أحيان أخرى (اللاجئون الصحراويون) الذين تركناهم عرضة للمنظمات الصليبية أو الذين يأتيهم الخليجيون من بعيد بدل أن يغيثهم الجزائري القريب، ويقوم بعض الشباب بحركات هنا وهناك قد تكون صغيرة، لكنها مباركة وتعد بمستقبل واعد خاصة بعدما لمسنا حماستهم الكبيرة للمغامرة والاستكشاف وتحقيق ذواتهم، وبعدما أدرك هؤلاء الشباب أن العمل الإغاثي الدولي لا يستلزم موافقة السلطات الجزائرية بما أنه يقع في أرض غير جزائرية، ويفتح لممارسيه آفاقا واسعة من العمل والتجربة واختبار إنسانيتنا وتواصلنا مع العالم.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com