قضايا و آراء

حول قضية الحداثة والنهضة/ بقلم: د. إبراهيم نويري

هناك طائفة ليست بالقليلة من المصطلحات المستدخلة أو المقتحمة لسياقات ثقافية وأدبية ولغوية وحضارية أخرى بشكل أو بآخر، أثارت وما تزال تثير لغطاً وجدلاً واسعاً لاسيما داخل الأوساط العلمية والثقافية. وسرّ ذلك أن المصطلح عندما يهاجر من سياقه الثقافي والحضاري الأصلي لسبب أو لغرض مقصود أو عرضي، إلى سياق ثقافي/ حضاري مغاير، فإنه يأخذ معه حمولته السياقية الأصلية، مما يعود بالضّرر وبالكثير من التداعيات المشبوهة، على عرين الثقافة التي اقتحمها أو هاجر إليها، أو هُجّر إليها عمداً لأغراض وأهداف تمّ تحديدُها سلفاً وضبطُها بعناية في إطار ما يُعرف بصراع الأنساق وتدافع الثقافات والأفكار والمرجعيات.

ومن بين جملة المصطلحات التي بات لها حضورٌ ملفت في أدبيات الخطاب المعرفي العربي والإسلامي المعاصر، مصطلح ” الحداثة “.. وهو مصطلح يجيء أيضا، أو يأتي ــ في كتابات البعض ــ مرادفاً لمعنى التنوير أو المعاصرة أو التجديد، أو ما يتماهى أو يقترب من هذه المدلولات والمعاني والمقاصد…

إن الاتجاهات الفكرية في العالم العربي والإسلامي البعيدة عن أهمّ وأرسخ مكوّنات الذات والهُويّة الحضارية للأمة، وبسبب الفراغ أو الغربة أو المجافاة عن – الأرومة والجذور والأصول- فإنها تقع غالبا في خطأ منهجي قاتل، تتعدّد مظاهرُه واستعمالاتهُ، كما تتعدّد صورُ أثاره في السلوك والعلاقات والارتباطات والأحكام والمعايير..ولكنه مع ذلك واحد فحسب عند التأمل.

ببساطة يتمثل هذا الخطأ المنهجي فيما يمكن أن نطلق عليه: ” الاقتطاع التاريخي”..فمعظم هؤلاء، وبحكم مرجعيته الفكرية والثقافية، يلجأ إلى مساءلة التاريخ الغربي، فيجزّئُ أو يقتطع بعض أحداثه، أو ينتقي منه مصطلحاتٍ وشواهدَ ومواقفَ، ليتمّ توصيفها ـــ ثمّ توظيفها أيضا ـــ فيما بعد، أو جعلُها واجهاتٍ للصراع الفكري.. ومع الأيام تتحول تلك المصطلحات والرموز إلى تحديات تُشهر في وجه منابعنا الثقافية، وأنساقنا الفكرية والسلوكية والحضارية؛ أي تُصبح كأنها معيار أنموذجي ثابت للحكم على تجارب الآخرين، وقياس مدى جدوى منجزات الأنساق الفكرية، على الصعيدين القيمي والعملي والسلوكي والحضاري.

وفي نظري فإنّ هذا الأمر أو التصرّف غير الواعي، حدث فعلا مع مصطلح “الحداثة “…فقد كانت الكنيسة في أوروبا، قبل الثورة الفرنسية، تكبّل العقل، وتتحكّم في ضمائر الناس واختياراتهم، وأذواقهم، بل وتُمضي صكوك الغفران لكلّ من يتقبل منطقها، في حين تحكم بالإعدام على كلّ مَنْ يعارض أو يسخّف مواقفها ورؤاها واجتهاداتها، أو يستعلن بآراء وأفهام واجتهادات تعارض وتناقض “المعتقدات المقدسة ” الموهومة!!.. وقد أعدمتْ الكنيسة بهذا المنهج الأرعن الموبوء الكثيرَ من العلماء والمفكرين والمكتشفين والفلكيين وأحرار الفكر والعلم والضمير والحضارة…الأمر الذي أدى بالعقل الغربي ــ في مرحلة لاحقة ــ إلى التمرّد والانتفاضة والوقوف في وجه أتون ” الجحيم ” الذي نصبته الكنيسة أمامه، مانعةً بذلك أيَّ تطور أو إبداع أو اجتهاد أو فهم يخالف معتقداتها وتصوّراتها الجامدة المتحجّرة، بل المصادمة تماماً للمعقول وتجارب العلم والمنطق.

وهكذا برز القول بمسألة الحداثة كمفهوم وكإفراز موضوعي طبيعي لا غبار عليه  يجسد انتصار العقل الغربي على الوهم والخرافة واحتكار الرأي والنظر والاجتهاد…لتتحول مع الوقت وبمعيّـة المنجزات العلمية التي تحققت في الواقع الماثل إلى ” منهج حياة ” وإلى ” نسق ثقافي ” له مبرّراته التاريخية وخصوصياته الفكرية والعقلية وارتباطاته الذاتية      والموضوعية…

أما عندنا نحن فإن بعض الاتجاهات الفكرية، اعتقدت في منعطف الارتطام بالفكر الغربي الحديث، والوقوع تحت طائلة التأثر والخضوع والركون، أنه لا مدخل لنا إلى العصر، ولا سبيل لنا لتحقيق التنمية والنهوض والتغيير إلا بانتهاج الطريق الذي سلكه العقل الغربي، وتحقيق الإنجاز ذاته على كافة المستويات…وبدأت هذه الاتجاهات تروّج لمصطلح الحداثة، وكانت البداية بالأدب شعراً وقصةً ونقداً وتنظيراً، لينتقل الحديث بعد ذلك، عن ضرورة وحتمية تحديث المجتمع والتعليم والمناهج والسلوك والارتباطات العامة داخل شبكة العلاقات الاجتماعية..

لكننا عندما نتأمل في رغائب ونوايا أصحاب هذه التوجّهات وتطلعاتهم وصياغاتهم الفكرية المعلنة، نجد أن مفهوم الحداثة الذي يؤمنون به، ويتبنونه تنظيراً وعملاً في مختلف المجالات والأصعدة، يتمثل في سلخ الأمة عن هُوّيتها، وتهوين صلتها بمنابع عقيدتها وثقافتها ومرجعيتها التاريخية والحضارية، وإحلال النموذج الغربي في الحياة والسلوك والتربية والقيم والمناهج والعلاقات العامة بين الناس عموما، وبين الجنسين خصوصا…وكأنّ السياق التاريخي والاجتماعي الذي ظهرت فيه مفاهيم الحداثة والتنوير ــــ وفق الرؤية الغربية ــــــ هو تاريخ أمتنا وليس تاريخ أوروبا وتاريخ الكنيسة، أو بمعنى أكثر وضوحا: كأن الإسلام يقف في وجه الإبداع والاجتهاد الحر، أو يتنكر لانطلاقات العقل وكشوفاته ومنجزاته، أو يضيق بما هو جميل ونافع في الحياة!! ..

إن معظم اتجاهات التغريب والعلمنة في العالم الإسلامي، التي تدّعي الحداثة، هي في الحقيقة ــ عند التأمل ــ إنما تعيش عصر ما قبل الحداثة في أوروبا، بل إنها تحمل بعض أفكار الكنيسة الغربية ذاتها قبل الثورة الفرنسية، إذ ما فتئت هذه الاتجاهات تنكر الحوار وسماع الرأي الآخر، وتقف في وجه الأغلبية، وتحبك المؤامرات، وتزعزع الاستقرار الاجتماعي، وتشرف على تزييف الانتخابات وآليات اختيار الكفاءات الحقيقية في أوطاننا المنكوبة، وتقف ضد ثوابت الأمة وعوامل وجودها وعناصر قوتها وتكاملها وتضامنها في المجالات المختلفة ..

وهي في ذلك لا تستند إلى أي مبرّرات منطقية وعلمية، ولا تنطلق من أرضية نابعة من الذات الحضارية لأمتنا، تقتضي تجديد التفكير، أو تطوير أساليب العيش والتعامل بما يتماهى أو يتماشى والفهم المقاصدي للإسلام وأطر الاجتهاد القائمة في هذا المنهج، وإنما تلجأ إلى عملية ” الاقتطاع التاريخي “.. أو ” استدخال الأحداث ” غير النابعة من سياقاتنا التاريخية، أو واقعنا الخاص الذي يكون في الأصل منبثقاً عن كيفية تنزيل النصوص على الأحداث والواقع بواسطة تفاعل العقل المسلم وطرائق ارتباطه بتلك العناصر والمكوّنات.

أمام هذا التحدي الذي يطال جانباً هاماً من الواقع الإسلامي، فإنه يتوجّب على دعاة العودة إلى الأصول في الفكر والاجتهاد وضع قواعد ومنطلقات جديدة تمكّنهم من التعامل الجدي والبناء، مع كل ما يُثار من مسائل بمنأى عن أساليب ردود الفعل التي استبان عبر عدة عقود فشلُها في تأسيس النهضة والإقلاع الحضاري المنشود أو المأمول.

أما دعاة علمنة المجتمع الإسلامي، فعليهم أن يقتنعوا بأنه ليس من حقهم أبداً إملاء أو فرض المناهج والرؤى والأساليب والآليات التي يرونها كفيلة بتحديث مجتمعاتنا، وفق منظورهم المقتطع بطبيعة الحال من سياقات واقع وظروف الآخر الثقافي والنفسي والحضاري.

فمن المقطوع به أن المنهج الإسلامي ليس عاجزاً عن مسايرة العصور، وإيجاد الحلول المناسبة لكلّ المشكلات والمستجدات والنوازل كما يعبّر الفقهاء، فهو منهج له أدواته الخاصة في التجديد والاجتهاد والتكييف، وتأطير النظر والانجاز وفق المقاصد والمآلات المرجعية المحكومة بالخصائص الذاتية للإسلام وأهداف شريعته الغراء.

إن هذا الأمر يُعد من بديهيات المنهج الإسلامي، إذا نحن حقاً أردنا الإنصاف وإقرار الحقائق: فدعاة غلق باب الاجتهاد، عبر فترات متفرقة من تاريخنا، لم يجدوا الصدى المطلوب لدعواهم، وما ذلك إلاّ لكون الإسلام يقرّ ويعترف  بالجدلية القائمة بين ” الكائن ” و “التغيير” أو بين ” المثال ” و ” الممكن “…ولعله يسهل تلمّس مختلف جوانب        ومكوّنات هذه البديهية دون عسر في طرق ومناهج التجديد والاجتهاد في المنهج الإسلامي.

غير أن المسألة المركزية التي تُثار بهذا الخصوص ربما تتمثّل في طرح هذا التساؤل الجوهري التالي: هل من حقنا تحديد الباب الذي ندخل منه إلى آفاق عوالم الحداثة في ظل صراع الأنساق الفكرية والمعايير الحضارية المعاصرة؟..إن مشكلاتنا نحن العرب والمسلمين ليست مع الحداثة أو مع مستجدات العصر ومتغيّراته، فليس ذلك مما يمكن أن يعترض أمةً متجذرةً في منعطفات ومحطات تاريخ الإنسانية، بما تحمله من تراث ثرّ ورصيد فذّ من المواقف والإنجازات والأمجاد الأثيلة..

إن مشكلتنا الأولى هي أننا لا زلنا نعاني عجزاً ملحوظاً في فهم واقعنا وإدراك السنن التي تحكم الأنفس والآفاق، أي نشكو ضعفاً وضآلة في التفاعل المطلوب مع مواريثنا العقدية والتشريعية والفكرية والقيمية، بالإضافة إلى عدم وضوح الرؤية فيما يتعلق بالطريقة الصحيحة إزاء كيفية الإفادة مما هو مشترك إنساني عام في العطاء الحضاري المعاصر.

أعتقد أن هذه هي المشكلة الرئيسة التي نعاني وطأة آثارها وتداعياتها في واقعنا الإسلامي المعاصر، وليست المشكلة البعد عن الركب الحضاري، لأنه ببساطة لكلّ واقع إنساني ظروفه الخاصة، وإمكاناته الخاصة للتطور الطبيعي، بعيداً عن مجازفات حرق مراحل الزمن، أو تجاوز سنن التغيير وطريقة عملها في الأنفس وفي حركة تطوّر تجارب المجتمعات والحضارات.

والله وليّ التوفيق

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com