كلمة حق

مذهب أهل السنة لا ينتسب إليه أهل الفتن والتفريق بين المسلمين/ عمار طالبي

نقرأ هذه الأيام مقالة لبعضهم ممن يزعم أنه من أهل السنة دون غيره، يثير الفتنة، وتضليل المسلمين وتبديعهم، وحشرهم في أهل الأهواء والبدع، يرجع إلى افتراق المسلمين في التاريخ البعيد، ويحيي شعارات مصطنعة، فهل يوجد اصطلاح أهل السنة والجماعة في عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، إنما صيغ عقب الفتنة الكبرى التي مضت الأمة التي عاشتها وخلت، ويأتي الآن بعض مثيري الانقسام في الأمة، وإحياء التفريق القديم، فعامة الناس اليوم لا يعرف إلا أنه مسلم يؤمن بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر ولا يدري أنه أشعري ولا ماتريدي ولا أنه من أهل السنة والجماعة، ويكتفي بذلك، وبعض هؤلاء يقتصر على المؤلفات القديمة التي فيها ما فيها من التنابز والتبديع والتكفير ويحييها كأنه يعيش في القرن الثالث وما بعده إلى القرن السابع والثامن وما ينازع به ابن تيمية رحمه الله وغيره، وابن حزم من الهجوم على كل فرق المسلمين، بحدة تخرج أحيانا عن أدب الخلاف.

ويأتي هذا المقال الذي يفرق بين أهل السنة عموما، وأهل السنة خصوصا، ويخرج المسلمين منها ما عدا ما يذهب إليه هو من هذا الاصطلاح، أخرج من السنة الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والصوفية والإباضية، والعقلانية والحزبية والشيعة والروافض والمرجئة والخوارج والجهمية وجماعة التبليغ والإخوان والحركات التنظيمية الدعوية والحركات الثورية الجهادية، وتيار التغريب، والتقريب بين الأديان، والخارجين عن الأئمة والذين لا يصبرون على الظلم والجور، والثائرين عليهم بالمظاهرات والاعتصامات والاضطرابات باسم التصحيح والتغيير، وما تمليه الحريات الديمقراطية والعلمانية والاشتراكية، والليبرالية الرأسمالية والقبلية والوطنية والقومية والديمقراطية والحزبية والحداثة والفكر الفلسفي والتأويل الكلامي وكل هؤلاء الذين يسميهم الفرق فتسمية مضادة لأهل السنة والغرباء من أهله، ومن لم ينتسب إلى أهل السنة كما يفهمها هو فهو “أضل من حمار” على حد تعبيره.

وقضى على ما قاله عضد الدين الإيجي من أهل السنة أهم “الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة”، وقول المرتضى الزبيدي “إذا أطلق أهل السنة والجماعة فالمراد بهم الأشاعرة والماتريدية بأنه بلا شك ادعاء باطل كاسد، وقول عاطل فاسد”.

وأن “أهل السنة إنما يوحدهم الإيمان والتوحيد. ولم يأت بدليل واحد من الكتاب ولا من السنة على أن هؤلاء ليسوا من أهل السنة، وحشر جميع المسلمين حشرا وأخرجهم من أهل السنة والجماعة إخراجا بكلام عام من أهل السنة والجماعة هم الذين “يوحدهم الإيمان والتوحيد ويجمعهم اتباع الهدي النبوي وفق منهج رباني قائم على الكتاب والسنة”. نقول: وهل الأشاعرة مثلا ليسوا موحدين ولا مؤمنين ولا يتبعون الهدي النبوي ولا يصدرون عن الكتاب والسنة، ولا يسترشدون بفهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة؟ فإذا بدعنا وضللنا مثل الجويني والباقلاني وأبي حامد الغزالي من الشاعرة والمعتزلة والذين دافعوا عن الإسلام وجابهوا المجوسية والثنوية، وردوا على مزاعم الملحدين. فمن يبقى من أهل السنة والجماعة؟

ويرى صاحب هذا المقال أن أهل السنة والجماعة في فهمه: “يوظفون أيضا الأدلة العقلية والأقيسة المستنبطة من الكتاب والسنة الذين يتخذونهما ميزانا للقبول والرفض”.

وهل الأشاعرة أو الماتريدية أو الإباضية مثلا لا يوظفون الأدلة العقلية والأقيسة ولا يتخذون الكتاب والسنة ميزانا؟ هل أعلن أهل السنة أنهم لا يعتمدون على الكتاب والسنة، مع أنه يقول أنهم – أهل السنة (أي فرقته) – ينفون أي تعارض بين العقل والنقل، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا ينكر استعمال العقل في فهم الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية وغيرهم إذا نفينا العقل فبأي شيء نفهم الكتاب والسنة، والقرآن يطالبنا بقوة باستعمال العقل والتفكير، فيما لا يحصى من النصوص، وهل هؤلاء المسلمون غير “فرقته” لا تربطهم الأخوة الإيمانية في الله؟

إن هذا الكلام العام المثير للفتنة بين المسلمين من جديد، والذهاب إلى تضليل بعضهم لبعض، والتبديع الذي يؤدي ببعضهم إلى التكفير الذي يعاني العالم الإسلامي اليوم منه ما يعاني، وما داعش وقبلها القاعدة إلا من هذه العقلية العمياء، فيأتي صاحب هذا الكلام فيحيي النزاع والتبديع، والتضليل في عصر تتحد فيه الأمم، وتتسامح المذاهب، وتراعي المشترك وما اتفق عليه وهو الأكثر والأعم ويعذر بعضها بعضا فيما اختلفوا فيه.

لم يصرح أحد أنه ضد السلف الصالح، ولهذا الغموض في معنى السلفية عند هؤلاء الذين يحصرون السلف فيما يفهمون هم من معنى ضيق لا يتسع لجمهور المسلمين اليوم، ويزعم بعض هؤلاء أنهم وحدهم على الحق وأنهم الناجون من الفرق، وغيرهم ضال مبتدع، لا نجاة له، ولم يكن لهم مفهوم واضح صحيح عن البدعة.

إن هذا يعود بنا إلى القرون الخالية، وإحياء النزاع بين الفرق الإسلامية التي انقرض أغلبها فلا وجود للجهمية مثلا الآن وتذكر كأنها حية تنازعهم، والمسلمون اليوم لا يفرقون بين أشعري وماتريدي، ولا بين معتزلي وغيرهم، اختفى هذا النزاع إلا في عقول من يقرأ الكتب القديمة بدون فهم للظروف التي أدت إلى ذلك وذهبت، ولا فهم لما يجري اليوم في العالم من اتحاد غيرنا، وتفرقنا.

إن ما نعانيه اليوم دون غيرنا سببه هؤلاء الذين يغلقون عقولهم على ما مضى ويعيدونه ويحيونه ويتعصبون له تعصبا أعمى، ويذهبون إلى تدين بليد كما يقول محمد الغزالي -رحمه الله- بذهنية حرفية ظاهرية.

إن هذا النوع من التجمد على النصوص القديمة المتنازعة المتخاصمة لا يؤدي إلا إلى التشتت والانقسام، وانفصام الوحدة بين الأمة الإسلامية التي أمر الله بوحدتها في دينها ووجهتها.

ونحن نعيش في عالم تتحد فيه الأمم، وتتعاضد من أجل مصالحها، نسي الكاثوليك والبروتستانت مثلا نزاعهم وحروبهم طوال السنين، وأقبل بعض الناس عندنا اليوم بشعور أو بلا شعور على إحياء النزاع الذي تديره المخابرات العالمية، ومكاتب الدراسات الاستراتيجية ومراكز البحث المتعددة في الغرب والشرق، وهؤلاء عن ذلك كله غافلون، يسيرون ولا يدرون، ويقلدون تقليدا أعمى بعض الشيوخ الذين يأمرون بقتل المخالفين لهم، وتبديعهم كما يقع في ليبيا، ويأتي شيخ قابع في بلديته يزكي أناسا، ويوصي بهم، وينصب نفسه وصيا على الجزائريين أن يختاروا لأنفسهم علماء يقتدون بهم، ويسلموا أنفسهم إليهم في رسالة مخطوطة معروفة متداولة.

إن هؤلاء في أنفسهم منقسمون وما يزالون ينقسمون ويزعمون السلفية، وما هم بسلفية التي نعرفها من الصحابة، والتابعين ومن كان على نهجهم لا يبدعون ولا يضللون، ولا يكفرون الناس بدون دليل قطعي، ينكر أصلا من أصول الدين أو نصا صريحا قطعي الوصول والدلالة.

إن الفقه هو الفهم للنصوص، والنصوص تحتمل معاني في أكثرها وظنية الدلالة، فلا نبدع فهما اجتهاديا ولا نضلله ولا نكفره.

إن الإمام الأشعري الذي يضللونه أعلن أنه سلفي على مذهب أحمد بن حنبل المحدث، وأعلن أنه لا يكفر أحدا من أهل القبلة، ونحن لا نكفر من يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر بما في ذلك الشيعة رغم ما يذهبون إليه من المهدية، وبعض الأمور التي لا نتفق معهم فيها وشعاراتهم في سوريا والعراق: يا علي يا حسين كأنهم يحيون معارك قديمة، مثل ما يحيي صاحب هذا المقال هذه الفرق والنزاع بينها لبث الفتنة والتفرق من جديد.

إن هذا لمنكر لا يجوز السكوت عليه، لأنه لا عاقبة له إلا الفرقة بين المسلمين في عصر ندعو فيه إلى الوحدة. ونحن نبرأ من الدعوة إلى الولاء والبراء بين المسلمين فالولاء للمسلمين جميعا والبراء من أعدائهم ومن يدعو إلى تفرقهم.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com