ما قل و دل

حدثني الشيخ موسى الأحمدي/ محمد الصالح الصديق

هناك لغة لا يفهمها جيل هذا العصر، ولم يبق ممن يفهمها من الأجيال الماضية إلا قليل، وهي التي أكتب بها حلقة اليوم، وبها حدثني الأستاذ الراحل العلامة الشيخ موسى الأحمدي عن شيخه الفقيه الموسوعي عثمان بن مكي التونسي رحمه الله.

حدثني بما مؤاده: كان شيخي لصلاحه وتقواه يشم رائحة الصالح والطالح، وشاع ذلك عنه في مختلف الأوساط التونسية، مما جعل المذنبين يبتعدون عنه ويتحاشونه خشية أن يفتضح أمرهم، وينكشف سرهم، وذات يوم كنا في حلقته نتلقى عنه درسا في الفقه، فجلس طالب فتأمله قليلا ثم أمره بالنهوض، ولما انتهى الدرس وسألناه قال إنني شممت منه رائحة الفسق، وفي المساء اتصلنا بالطالب وسألناه عن حقيقة أمره فأكد ما قاله الشيخ، وذكر لنا أن الشيطان قد أغواه، ومال به عن الجادة القويمة فهوى على الحضيض حيث تلوث في حمأة آسنة وتلطخ بوحل عفن.

قال الشيخ، وبعد أيام استقام الطالب على الجادة، وندم على ماضيه، وعزم أن يعادي الشيطان بقية حياته، فجاء إلى حلقة الشيخ رغبة في مواصلة الدراسة، فوقف قبل أن يجلس ينتظر أمر الشيخ، وكله خوف ووجل، فهش له الشيخ وقال: “عد ولا تعد”، أي عد إلى درسك ولا تعد إلى مثل ما اقترفت من ذنب ومعصية.

وقال الشيخ: كان شيخنا عثمان يحدثنا عن أشياء فوق عقولنا، ويقول ما معناه: إذا حكمت الروح بفضائلها أعطت الجسم حقه في اعتدال يحفظه، وحالت بينه وبين مهلكاته من لذات وشهوات ومغريات، وحالت بينه وبين ما يهدم كيانه، وحفظت وجوده المادي والأدبي كإنسان، وليس على وجه الأرض أسعد مما اطمأن بالا وقلبا ونفسا، ولا سبيل إلى هذه السعادة إلا سبيل واحد: أن تكون قيادة الجسم للروح!! (أو هذا مؤدى كلامه).

وقال الشيخ: كنا ثلاثة من الطلبة الجزائريين الذين بلغ بهم الفقر حدا لا يطاق، ومع ذلك كنا نعاني ونصارع الحياة، وكنا في آخر كل سنة نودع شيخنا على أن لا نعود في السنة المقبلة، وكان الشيخ يقول كل مرة: ستعودون.

وفي المرة الرابعة ودعناه على عادتنا، وكنا على عزم بأننا لا نعود فقال الشيخ إنكم لن تعودوا.

وفعلا لم يعودوا في هذه المرة لأن شيخهم انتقل إلى رحمة الله.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com