بالمختصر المفيد

خواطر في ذكرى العقاد والغزالي/ كمال أبو سنة

حياة الإنسان هي مجموعة تجارب، تتراكم مع مرور الأيام والليالي، ومن أهم ما يُثري هذه التجارب قضاء أوقات بين الكتب النافعة، فنفعها لا يقدر بثمن، ومتعتها لا يستشعرها إلا من يعرف قيمتها، وأدمن مجالستها والاغتراف من سواقيها.

لقد شغفت منذ صغري بالقراءة، وكان أكثر وقتي أقضيه في مطالعة الكتب التي كنتُ أشتري بعضها بشق الأنفس وأجد فيها رفيقا لا تُمل صُحبته، ولا تنقضي منافعه، ومن أهم الكتب التي عشت معها شابا كتب الأدب والفكر، فقد صحبتُ كُتَّابها حتى توثقت بيني وبينهم رابطة متينة كأني أعيش معهم وأحضر مجالسهم، ولي بكل واحد منهم معرفة شخصية بما أقرؤه عن سيرتهم ومسيرتهم في الحياة، وما عاشوه من أحداث ووقفوه من مواقف.

اسمان كبيران في عالم الفكر والأدب من أبرز الأسماء التي أعترف بفضلهما فيما خطّه بناني من إنتاج في كتب منشورة أو مقالات في الجرائد أو أبحاث في المجالات ونحوها وهما: الأستاذ عباس العقاد والشيخ محمد الغزالي، رحمهما الله، هذان الرجلان اللذان عشتُ مع كتبهما وما فيها من أفكار ومعارف سنوات شبابي الباكر فكانت لي معينا للمضي قدما في عالم الفكر والثقافة، فصاغت شخصيتي العصامية المغامرة التي تهوى الولوج إلى كل البساتين العامرة بالخير والتمتع بالنظر إلى كل الأزهار المتنوعة وشم عبيرها المنعش.

لقد علمني العقاد أن لا أرهب المعرفة، ولا أخشى جبال العلم الشاهقة، ولا أضعف أمام أول العراقيل التي تواجهني في سبيل البحث والكتابة، وأصبر على طول المكوث منحنيا على الورق كاتبا وباحثا مدة طويلة يراها غيري سجنا قاسيا وأراها متعتي وجنتي.

وأذكر أني قرأت المجموعة الكاملة لعملاق الأدب عباس محمود العقاد في 26 مجلد، وعلى مرتين، مع تلخيص كل كتاب في هذه المجلدات في أوراق كنتُ أكتبها بقلم الرصاص، وللأسف ضاعت هذه الملخصات، وكثير من مخطوطاتي مع مكتبتي بسبب الأمطار التي أتت عليها في تسعينيات القرن الماضي، وهذه الملخصات لو حُفظت وجمعتها ربما تزيد على مجلد أو مجلدين…!

والثاني العلامة الشيخ محمد الغزالي صاحب القلم البليغ واللسان الفصيح والقلب المرهف والبصر الحديد الذي كبرتُ مع كتبه ومحاضراته التي حضرت بعضها، وتمتعت بالنظر إليه والاستماع إليه، والشيخ محمد الغزالي حين تقرأ له تتمتع بأسلوبه الأدبي السهل الممتنع، ودقة تصويره، وتحليله للقضايا بعقل متفتح ذكي، وشعور الداعية المرهف الذي يريد أن يقدم الحق للناس أجمعين؛ لقد تعلمت من الشيخ محمد الغزالي الوسطية والاعتدال ونبذ الغلو في الدين، والتيسير والتبشير، وتقريب الإسلام للناس وعدم التنفير، ويبقى كل إنسان يؤخذ من قوله ويرد إلا قول وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ المولى عز وجل فيه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}.

رحم الله المفكر عباس محمود العقاد والشيخ محمد الغزالي، ورحم الله كل العلماء الذين علمونا العلم واجتهدوا لتنوير عقولنا.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com