أقلام القراء

هجرة الأدمغة الطبية الجزائرية، نزيف قاتل لمنظومتنا الصحية “البروفيسور الجزائري مسعود أوزيالة يرحل في صمت”/محمد مصطفى حابس

 

كتبت منذ أشهر، تحديدا مع نهاية العام الماضي في العدد: 889  من “البصائر” مقالا  مقتضبا عن نجاح السواعد والعضلات العربية في المهجر، فمنهم الشاب الجزائري خالد لعلام المقيم في السويد، والذي افتك الميدالية الذهبية الدولية للمصارعة  لدورة نهاية عام 2017م بعنوان: “بعد هجرة الأدمغة، هجرة السواعد والأوردة”، و قد لاقى استحسانا لدى القراء، وقد نقلته حتى بعض يوميات الصحافة العربية  المهاجرة، بينما تناسته صحافة  بلده الجزائر…!

واليوم أعود لأميط اللثام عن هجرة العقول الجزائرية  نحو الخارج،  معلوم أن “هجرة العقول أو هجرة الأدمغة” عموما هو مصطلح يطلق على هجرة العلماء والمتخصصين في مختلف فروع العلم من بلد إلى آخر طلبا لرواتب أعلى أو التماسا لأحوال معيشية أو فكرية أفضل، وعادة ما تكون هجرة العقول من البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة، كما تعد المنطقة العربية أكثر المناطق التي يضطر علماءها وكفاءاتها إلى الهجرة وهم من المهندسين والأطباء وعلماء الذرة والفضاء، حيث أن أكبر نسبة مهاجرين للأدمغة في العالم من سكان المنطقة العربية

وقد أظهرت بعض الدراسات التي قامت بها جامعة الدول العربية ومنظمة اليونسكو، والبنك الدولي، أن العالم العربي يساهم في ثلث هِجرة الكفاءات من البلدان النامية؛ وتذكر بعض التقارير أن 54% من الطلاب العرب، الذين يدرسون في الخارج، لا يعودون إلى بلدانهم، مما يفرز تبعات سلبية على مستقبل التنمية في عالمنا العربي.

هذه الأرقام المخيفة تدعم الفكرة التي تؤكد أن البلدان العربية أصبحت بيئات طاردة للكفاءات العلمية العربية وليست حاضنة أو جاذبة لها، حيث يتساءل الكثيرون عن الأسباب التي تقف وراء هذه الظاهرة الخطرة. إذ ترجع مصادر علمية أسباب هجرة العقول العربية إلى ضعف أو انعدام القدرة على استيعاب أصحاب الكفاءات الذين يجدون أنفسهم عاطلين عن العمل، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، والإشكالات التي تعتري التجارب الديمقراطية العربية التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى شعور أكثر أصحاب الكفاءات والخبرات بالغربة في أوطانهم، مما يضطرهم إلى الهجرة سعيا وراء ظروف أكثر حرية وأكثر استقرارا.

وهنا تحضرني مأساة العديد من الكفاءات الجزائرية التي عادت للوطن، لتنتحر حقيقة أم مجازا؟ والأمثلة معروفة ورحم الله الشهداء .

ولا تزال ظاهرة هجرة العقول مستمرة في الجزائر، بحثا عن مستقبل علمي أفضل وحياة رغيدة في البلدان الغربية، وهي ظاهرة لم تتوقف منذ أكثر من عشرين عاما، وحسب دراسة أجرتها جمعية “نادي المستقبل” في كندا، فإن قرابة 42 ألف جزائري هاجروا إلى كندا بين 2006م و2015م، فيما بلغ عدد الأطباء الجزائريين في كندا 15 ألفا.

وفي ظل تضارب الأرقام بشأن عدد الأطباء الجزائريين الذين هاجروا بلادهم خلال العقدين الماضيين، هناك اتفاق على تعرض قطاع الصحة بالجزائر إلى نزيف في كوادره بسبب الهجرة بحثا عن ظروف اجتماعية ومهنية وأكاديمية أفضل.

وحسب تقرير صدر نهاية عام 2015م عن مجلس عمادة أطباء فرنسا، فإن عدد الأطباء الجزائريين الموجودين بفرنسا يمثلون نسبة 25% من مجموعة الكفاءات الطبية الأجنبية العاملة بهذا البلد، بتعداد قارب 5905 أطباء في مختلف التخصصات، ناهيك عن أعداد الشبه الطبي.

وبين التقرير ذاته أن نحو 27.7% من هؤلاء تخرجوا في المعاهد الطبية الجزائرية، بينما حصل 71.7% منهم على شهاداتهم من الجامعات الفرنسية.

بينما تقول مصادر جزائرية، على لسان المكلف بالعلاقات الخارجية في البرلمان الجزائري الأسبق جمال بوراس أن عدد أبناء الجالية الجزائرية من الأطباء العاملين في فرنسا بلغ 16 ألف طبيب في مختلف التخصصات؛ وتحصي نقابة العاملين في الصحة العمومية أكثر من عشرة آلاف طبيب في أوروبا، ونحو 2500 طبيب في أميركا الشمالية وبشكل خاص كندا، التي تستقطب الأطباء الجزائريين ضمن برنامج الهجرة الانتقائية واستقطاب الكفاءات، بالمقابل تستقطب دول خليجية أخرى مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت أعدادا كبيرة من الأطباء الجزائريين، وبالمجمل تحصي النقابة نحو 15 ألف كادر طبي بين الأطباء والكوادر شبه الطبية في تلك المنطقة من هؤلاء الأطباء والإطارات العليا في السلك الطبي.

رحل هذا الأسبوع، وفي صمت إعلامي جزائري مقلق، رحل البروفيسور الجزائري مسعود أوزيالة  بباريس، إلى دار البقاء، عن عمر شارف على الستين عاما، قضى معظمها في طلب العلم، ومداوات الناس وتقديم الخدمة لهم، والعمل على تحقيق نهضة المجتمع الجزائري، وتأمين وجوده الثقافي والاجتماعي والحضاري، سيرا على خطى والده الشهيد ضمن الجيل العظيم الذي حرر المجتمع الجزائري من الوجود الاستعماري، “وتاق إلى بناء دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية أو شعبية، ينعم فيها كل جزائري بالحرية والعدالة الاجتماعية والقانونية، والكرامة الإنسانية، وتكافئ الفرص في أداء الواجبات الوطنية”، كما ذكر ذلك بيان المجلس العلمي لمؤسسة السننية، وكما تناولت رحيله العديد من مواقع التواصل الاجتماعي الأوروبية والغربية.

وككل الوطنيين الرساليين الأصلاء، قالت عنه السننية أن “البروفيسور مسعود تفانى وأخلص في خدمة المجتمع، من خلال مهنته كجراح مختص في أمراض الكلى بمستشفى مصطفى باشا الجامعي بالعاصمة الجزائرية، حيث أجرى مئات العمليات الجراحية للجزائريين”، كما أجرى مئات العمليات الجراحية في المستشفى الذي كان يعمل به في باريس، وفي عيادته الخاصة هناك بعد ذلك، على حد تعبير زميلة البروفيسور سليم بن خدة.  كما قدَّم  المرحوم خدمات جليلة لكل الجزائريين وأصحاب الحاجات الذين يقصدونه أو يستشيرونه كما ذكر ذلك الدكتور سعيد الهلالي المقيم في فرنسا، إذ نوه بقوله “أن البروفيسور مسعود كان خدوما متواضعا حييا كريما شهما فحْلًا، مضحيا من أجل الصالح العام، قويا في دينه وأخلاقه، صلبا في نصرة الحق، ككل الجزائريين الأصلاء، أصحاب الكلمة والنيف والنجدة، ورفض الحقرة، والهيام بالحرية والعزة النفسية”.

وقد عرف الناس فيه هذه الصفات والخصال المتميزة، واختبروها في حياته، فأحبوه ووثقوا فيه، واختاروه عن غير رغبة منه في أول انتخابات بلدية ديمقراطية في الجزائر في مستهل تسعينات القرن الماضي ليكون رئيسا لبلدية عين طاية بالجزائر العاصمة، ثم ممثلا برلمانيا بعد ذلك في الانتخابات البرلمانية الديمقراطية المجهضة سنة 1992م، والتي انفتح على الجزائر والجزائريين بسبب إلغائها، جحيمُ الفتنة والظلم والفساد، الذي أتى على كثير من مقدرات المجتمع، وجعل قامات علمية وتربوية واجتماعية كبيرة وكثيرة مثل البروفيسور مسعود أوزيالة، يتعرض للمحنة وخطر التصفية الجسدية، ويتشرد في الصحراء، ثم في المنافي، حفاظا على النفس والكرامة، واستمرارا في خدمة الجزائريين والناس عامة في باريس، وفي نصرة القضايا العادلة في العالم.

إن البروفيسور مسعود أوزيالة ما كان له ليخرج من الجزائر أبدا، لولا أن حياته تعرضت للخطر، فهو كما نقول في اللهجة الأمازيغية (سي اثْقِيار نَثْمورَثْ) أي: “من جذور الأرض الجزائرية الأصيلة الصلبة”، فقد اختُطف سنة 1997م ولولا لطف الله به لكان في عداد آلاف المفقودين، فاضطر إلى إنقاذ نفسه من طاحونة الموت، بالهجرة إلى فرنسا، التي عرفت قدره ومقامه العلمي، واستفادت منه في مجال تخصصه العلمي الدقيق، وكان هو وفيا لأخلاقه وقيمه وأصالته وإنسانيته ورساليته، فلم ينكمش على نفسه، ولم يستأثر بالمتع التي أتيحت له هناك، بل واصل خدمة الجزائريين وغيرهم، وكان خير سفير شعبي للجزائر العميقة والجزائريين الأصلاء، في زمن المحنة وتشويه سمعة ومكانة هذا البلد العظيم، وهذا الشعب الفحل.

إن الإنسان لتعتصره الحسرة والألم والحزن، وهو يشهد آلاف القامات العلمية والتربوية والاجتماعية الجزائرية المبعثرة، بل والمشرَّدة أحيانا، في القارات الخمس، من أمثال البروفيسور مسعود أوزيالة، دون أن تستفيد منها الجزائر الاستفادة المطلوبة، بل ومنها من يُحاصَرُ ويشوَّهُ ويجرَّد من حقوقه…! بسبب آرائه ومواقفه الفكرية أو السياسية، ولو أن هذه الطاقات والقامات الكبيرة والكثيرة جدا، عُرفت أقدارُها ومقاماتها، ووُضِعت في أماكنها الصحيحة في خريطة إدارة الدولة والمجتمع، لكانت الجزائر غير الجزائر هذه، ولكان الجزائريون غير الجزائريين، من حيث القيمة والمكانة والدور والتأثير في محيطهم الإقليمي والعالمي.

إن رحيل البروفيسور مسعود أوزيالة من ديار الغربة إلى دار البقاء، بعد ما يزيد عن ربع قرن من التشرد في المنافي الداخلية والخارجية، دون أن يؤثر ذلك سلبا على أصالته ورساليته ووطنيته، يعطي للنخبة الوطنية في ديار الغربة وفي البلد، درسا كبيرا جدا في الوطنية والرسالية الحقيقية، وهو الارتفاع إلى مستوى المصالح العليا للمجتمع، وعدم ربطها بالمصالح الآنية الضيقة للأشخاص والفئات والجماعات السياسية والاجتماعية المتهالكة على المغانم المسمومة.

فالمصالح العليا للمجتمع الجزائري ممثلة في تحقيق أمنه الثقافي والاجتماعي والحضاري الاستراتيجي الحقيقي، هي المصالح الحقيقية العليا التي يجب علينا وضعها في حسباننا باستمرار، وجعلها فيصلا وميزانا في العلاقة بالأفكار والأشخاص والفئات والمؤسسات والأنظمة.

والبروفيسور مسعود أوزيالة، مهما اختلف بعض الناس معه في بعض المواقف، فإنه يقدم لنا أنموذجا حيا في هذا المجال، حيث نعتقد بأنه دار مع المصالح العليا للمجتمع الجزائري حيث دارت قدر ما استطاع، وثبت على ذلك حتى لقي ربه، نظيفا مرفوع الهامة.

وبهذه المناسبة الأليمة، فإن الجالية الإسلامية والعربية، تتقدم لأسرته خاصة، وللنخبة الجزائرية في ديار الغربة وفي البلد عامة، وللمجتمع الجزائري بصفة أعم، بأخلص التعازي والمواساة، في فقدان هذا الرجل الرسالي الثابت، داعين الله تعالى أن يتغمده برحمته الواسعة، وأن يلهم الجزائريين والجزائريات السداد والرشاد، وأن يجمعهم على كلمة سواء هي في خدمة بلدهم، والحفاظ على مصالحه الحقيقية العليا، المنفكة عن المصالح الضيقة للأشخاص والجماعات الفئوية.

(إنا لله وإنا إليه راجعون)

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com