بالمختصر المفيد

زفرة العربي الأخيرة..!/ كمال أبو سنة

تابعت في وسائل الإعلام العالمية بألم شديد المجزرة المروعة التي نفذها الروس بمشاركة نظام الأسد المجرم في حق الأطفال والشيوخ والنساء والرجال الأبرياء أمام مرأى العالم كله، وبينما مشاعر الأسى كالجمر تحرق فؤادي بسبب مشاهد القتل والدمار في الغوطة الشرقية، أعلن البيت الأبيض أن موعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس اعترافا بأنها عاصمة ” الكيان الصهيوني” سيكون في منتصف شهر ماي تزامنا مع الذكرى السبعين لقيام هذا الكيان الغاصب المحتل، والموافق ليوم النكبة الفلسطينية التي وقعت أحداثها عام 1948..!

وفي هذه اللحظة لستُ أدري لماذا ظهرت أمامي صورة الأندلس، الجنة المفقودة، ومعها ملوك الطوائف الذين كانوا من أهم الأسباب لسقوطها وضياعها بعد أن حكمها الإسلام ثلاثمائة وسبعين عاما..؟

الوضع العربي اليوم بانقسامات الدول العربية الاثنين والعشرين، ومعارك حكامها فيما بينهم، وظهور الخيانات، وتدخل اليد الأجنبية ولعبها المكشوف في توجيه قرارات معظم الدويلات العربية، وضياع السيادة الحقيقية، ووجود القواعد العسكرية الأجنبية في بعضها، وإعطاء المليارات من أجل كسب رضا الحاكم الغربي والتحالف معه، كل هذا وأكثر، يشبه إلى حد كبير الوضع الذي كان سائدا في الأندلس بعد سقوط الدولة العامرية ومعها الخلافة الأموية في الأندلس، وظهور الفتنة البربرية الكبرى في قرطبة، ومجيء عهد ملوك الطوائف الذين أصبحوا مضرب المثل في التاريخ في الصراعات المدمرة والخيانات الكثيرة التي كانت سببا في ضياع الأرض وهتك العرض من طرف الإفرنج النصارى..!

لقد دفعت الأطماع الشخصية على حساب الحقوق العامة للأمة الكبرى إلى نشوء دويلات في مساحات صغيرة متقاربة، بل وتَسَمَّى مجموعة من حكام هذه الدويلات بالخلافة، وهذا ما دفع ابن حزم -رحمه الله- إلى الاستهزاء بهم قائلا:

” واجتمع عندنا بالأندلس في صقع واحد خلفاء أربعة، كل واحد منهم يخطب له بالخلافة بموضعه، وتلك فضيحة لم ير مثلها، أربعة رجال فى مسافة ثلاثة أيام كلهم تسمى بالخلافة، وإمارة المؤمنين “.

وبدأت المنافسة البائسة بين هؤلاء الملوك من أجل السيطرة وبسط النفوذ وتحقيق رغائب الأنفس الأمارة بالسوء ولو أدى ذلك إلى التحالف مع النصارى وإعطاء الجزية لهم، فسقطت طليطلة فكانت أولى حبات العقد انفراطا ثم بدأت المدن الأندلسية تسقط تباعا وآخرها غرناطة التي ضيعها أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الطوائف بالأندلس..!

ويذكر التاريخ أن أبا عبد الله الصغير حين غادر غرناطة مذلولا مهزوما وقف في المكان الذي ألقى منه نظرته الأخيرة عليها والمعروف اليوم باسم “زفرة العربي الأخيرة” بكى، فقالت له أمه”عائشة الحرة” وكأنها تخاطب فيه كثيرا من حكام هذا الزمان العربي البائس: “ابكِ كالنساء على مُلك لم تحافظ عليه كالرجال”.

ما أشبه اليوم بالبارحة فأوضاع عالمنا العربي المعيشة تكاد تكون صورة طبق الأصل لأوضاع حقبة ملوك الطوائف بصراعاتها وخياناتها وبكائياتها وهزائمها وخسائرها وانتكاساتها ونكباتها ونفاقها ومظالمها ومفاتنها وفتنها… فمتى تنتهي زفرة العربي الأخيرة.؟!

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com