شعاع

خفوت المرجعية الدينية الوطنية …أين الخلل؟/ حسن خليفة

شهد الأسبوع الماضي لغطا كبيرا في عديد من وسائل الإعلام الوطنية حول مسألة “انجذاب الجزائريين والجزائريات” إلى مواقع وصفحات دينية غير وطنية، ومتابعتهم للشأن الديني من خلال منابر غير خارجية مشرقية وخليجية. وبقطع النظر عن “النوايا” لدى كل طرف في مقاربة ومعالجة هذا الأمر فإن ثمة عددا من الملاحظات يجب التذكير بها، كما أن هناك عددا من “الاستخلاصات ” يمكن  الانتهاء إليها فيما أعتقد، وذلك  على سبيل وضع تصّور حقيقي لمسألة المرجعية الدينية في وطنننا وكيف يمكن ترسيخها. إن مشكلة المرجعية في تقديري أبعد من مجرد انجذاب الشباب ـخاصة ـ إلى دعاة وحتى علماء من المشرق أو الخليج. إنها أكبر من ذلك، تتصل أساسا بالمقاربة التي تُمارس مع “الدين” في بلادنا، رسميا وشعبيا. وهذا ما أرغب في تسجيله هنا كملاحظات :

فأما بالنسبة للملاحظات:

الملاحظة الأولى: أتصور أن ثمة مشكلة حقيقية فيما يتعلق بالمرجعية الدينية ، بل وبالدين كله كمنظومة مباديء وقيم وشريعة وأنظمة وقوانين..لابد من الإقرار هنا أن الدولة ـعندنا ـ  تتحمّل المسؤولية الكبيرة في هذا المجال بالذات؛ حيث يمكن التأكيد على أن “الدين” كان في الغالب على “الهامش” من حيث أولويات البناء والتشييد والتنمية، ولم يكن الدين ضمن نطاق الاهتمام الجاد في سلاسل مخططات الدولة، منذ أزمنة بعيدة لأسباب قد نختلف حولها، ولكن الواقع يؤكد على تهميش ملاحظ وملموس للشأن الديني بشكل أو بآخر، وهناك الكثير من الأدلة في هذا المجال ولعل أقلّها هو السعي المستمر لأبعاد التربية الإسلامية و”العلوم الإسلامية” من المنظومة التعليمية والتكوينية  عامة، والمنظومة التربوية (لأطوار التعليم الأولى) خاصة .ويعلم الجميع ما حدث ويحدث في هذا الشأن من تجاذب بين أطراف عدّة ، كما يعلم الاتهامات الخطيرة والباطلة التي أُلصقت بالدين وبالمدرسة، وأبسطها أن الدين في المدرسة   “يخرّج” الإرهابيين!. وربما كانت تلك القناعة الظالمة هي السبب في الحرص على إبعاد الدين وكل ماهو “ديني” عن فضاءات التكوين والتعليم والتربية والتنشئة .والنتيجة يعرفها الجميع: جيل لا يكاد يجد نفسه، واتساع رقعة الانحراف، وانشطار الانسان الجزائري، وإيغال في المادية والغرائزية والضلال .لكن ذلك ليس موضوعنا في هذه السطور.

إن من الأولويات إعادة النظر في هذه الرؤية الضيقة الخاطئة .وإعطاء الدين المكانة اللازمة لها في نظامنا الاجتماعي والتربوي والقيمي والحضاري؛ فإن الدين هو الكفيل بإخراجنا من كل المحن والإحن ـ الملاحظة الثانية: ينبني على الأمر الأول وأعني به ضعف رعاية الشأن الديني في الواقع المعيش، فبالرغم من اللجوء إلى الدين وإلى الأئمة في المُلمات والأزمات والمنعطفات وأجواء الفتن والإكراهات ..فإن الشأن الديني لا يلقى الاهتمام المطلوب؛ سواء في رجاله أوفي مؤسساته ..وأبسط الأدلة على ذلك: مرتّبات السادة الأئمة بمختلف رتبهم والأعوان ومعلمي ومعلمات القرآن الكريم والقيّمين.. والمرشدات الدينيات .فإلى وقت قصير كان الأئمة في مؤخرة المراتب بالنسبة للأجور، ما جعل الأكثرية ينصرفون عن تلك المهمة النبيلة والوظيفة الرشيدة “الإمامة” .ودون الدخول في التفاصيل ما إذا كان ذلك مقصودا أم غير مقصود ، فإن الحقيقة توجب التذكير أن “مقام” الإمام مقام عال وسامق وشامخ، ويحسُن أن تأخذ الدولة على عاتقها المسؤولية في إيلاء الإمام مكانه اللائق الكريم.. كفاية ورعاية واهتماما .ليؤدّي دوره على أحسن وجه.

ـ الملاحظة الثالثة: تدخل أيضا في إطار العناية والاهتمام فليس كل شخص يصلح أن يكون إماما،وليس كل إمام إماما حقيقيا جديرا بأن يكون في مقام منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما بالحق والبر وتعليم الدين وتفقيه الناس..فحريّ أن يكون الاختيار على أوفق وأمثل ما يكون عليه، فليست الإمامة حقلا مهملا يمكن لأي أحد أن يتبوأ فيه مكانا .والحق أقول إن ثمة أئمة لا علاقة لهم بالإمامة لا من قريب ولا من بعيد ، وإنما جاؤوا إليها سدّا لفراغ ولأنهم لم يجدوا مكانا آخر..على حين أن هناك الكثير ممن يستحق أن يكون في هذا المجال ولكنه حُرم لسبب من الأسباب .وعليه من الواجب النظر إلى الشأن الديني بنظرة أوسع وأليق ، وهذا أمر يهم الجميع وله مقام السموّ والعُلو والصدّارة إن أردنا بالفعل الخروج إلى ضوء النهار.. عناية ورعاية واختيارا وتكوينا وتحفيزا لكل من له علاقة بالشأن الديني .

إذا ولّينا وجوهنا شطر ما تمّ تداوله كنتيجة لذلك الانجذاب نحو مصادر خارجية بخصوص المرجعية الدينية وخفوت الصوت الوطني فيها ،فإنه يمكن استخلاص ما يلي:

أـ من الواجب إيلاء الأمر كامل الاهتمام بما يوجب ترسيخ المرجعية الدينية الوطنية على أوسع نطاق ، تعليما وتكوينا وتوجيها وإفتاء ..وهذا متاح إذا تعاونت المصادر المختلفة رسمية وشعبية ، مؤسسات وأفرادا، فالجزائر لا تعاني من فقر (كمي أو نوعي) في مجال المعارف الدينية بمختلف جوانبها ،وإنما تعاني أشد المعاناة في مجال التنسيق والتكامل والتعاون .وتلك “علامة جزائرية مسجلة  ” في كثير من المجالات ،وليس في هذا المجال فقط .فمن الواجب الأكيد العمل على تدارك الخلل بمزيد تعاون وتنسيق .وأخص بالذكر هنا الوزارة الوصية وجمعية العلماء ؛ حيث تعاني الجمعية في عدد من الولايات من “نفور”بعض المسؤولين على القطاع وعدم تعاونهم مع الجمعية ورجالها وأساتذتها وأعضاء شعبها.

بـ استدراك ما وقع من أخطاء في مجال تهميش وإبعاد الدين عن التنشئة والتكوين، ويتصل الأمر هنا بالمدرسة في المقام الأوفر، ولكنه أيضا يتصل بالأسرة والمحيط الاجتماعي القريب من الأطفال، الأسرة، العائلة، المسجد، الحيّ الخ …فمن المقاربات المهمة المقاربة الدينية الحميمة الدافئة التي تغرس المحبة والاستقامة والفضل والتسامح والإيثار في نفوس وعقول الأبناء والبنات بمختلف الصيغ .وضمن ذلك تعريفهم بأعلام الوطن في الدين والتاريخ والفكر والثقافة..

ج ـ كما أن من  أفضل الصيغ في مجال ترسيخ المرجعية الدينية الوطنية السعي لإطلاق برنامج عمل متوسط المدى يغطي كل الجوانب المتصلة بهذه المرجعية :تعريفا، وتمكينا، وترسيخا، ونشرا خاصة في وسائط الإعلام الحديثة، مع عمل جدير بالتقدير في مجال الاستقطاب بالنسبة للشباب خاصة (ومنهم رواد مواقع التواصل الاجتماعي)…مع تنويع في  أشكال وأنواع التقديم والترويج وإيصال الأفكار والمعلومات الدينية وذات الصلة بالمرجعية الدينية إلى الناشئة، وهو أمر تقوم به الجمعية في كثير من أنشطتها: مسابقات، معارض، تجارب، ندوات الخ. وهو في حاجة إلى التكثيف والتحسين والتطوير والدعم.

دـ ولا ريب أن قيام الإعلام التلفزيوني بأدواره بصيغ مبتكرة ،قريبة إلى النفوس سيكون له دور أيضا في هذا المجال .وكل ذلك يكون في إطار عام وتنسيق وتعاون جاد، سيثمر خيرا إن شاء الله.

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com