قضايا و آراء

هانوتو ولتورنو ومغالطة فصل العرف القبائلي عن الشريعة/ أ.عبد اللطيف سيفاوي

من الشخصيات البارزة في مجال الدراسات البربرية، هانوتو) 1814-1897 ( ولتورنو اللذان ألفا كتاب بلاد القبائل والعادات القبائلية في ثلاثة أجزاء، سنة 1868، دراسة استغرقت أربعة سنوات من البحث والجمع .

وكانت الدراسة تدخل في إطار مشروع الحاكم راندون الرامي إلى إدخال محكمة استئناف ببلاد القبائل وتحضير قانون مدني قبائلي، لكن الأحداث التي عرفتها فرنسا ومنطقة القبائل )انتفاضة المقراني-الحداد( عطلت المشروع .

وفي سنة 1874 تم تأسيس محاكم فرنسية بالمنطقة وتم تكليف رؤساء المحاكم وقضاة الصلح  بجمع القوانين القبائلية )العرف( ولكن في واقع الأمر بقي عمل هانوتو ولتورنو المرجع الأساسي لهم[1] .

وهما يعتبران أنّ كلمة القبائل تطلق على السكان ذوي الأصول البربرية التي تقطن الجبال،  فكثير منهم بحكم الاحتكاك الكبير مع العرب، تعربوا ونسوا حتى أصولهم وهؤلاء يحتكمون إلى الشريعة الإسلامية، ومنهم من حافظوا على بعض تقاليدهم ولكنهم أيضا يحتكمون إلى الشريعة، وفئة ثالثة بقيت تتمتع باستقلاليتها وأبقوا على مؤسساتهم التقليدية ويحتكمون إلى أعرافهم وقوانينهم القديمة، وذلك رغم تقديسهم للشريعة الإسلامية إلا أنهم لا يعتبرونها قانونا ملزما لهم [2].

ويعتبران أنّ هدف الدراسة هو عادات القبائل بمفهومها العام إلا أنّ حصر الدراسة في قبائل جرجرة [3]على حد تعبيرهما له مبرره وهو أنهم بحكم استقلاليتهم فإنّ عادتهم أقرب إلى ما كانت عليه في العهود القديمة [4].

وهما مع ذلك يعتبران  بالنسبة لقضية الأصول أنّ أغلب القبائل دون شك هم بربر، لكن الشيء المؤكد أيضا أنهم اختلطوا كثيرا مع غيرهم، وأنّ تحديد نسب هذا الاختلاط يعد مستحيلا.[5]

وهما يركزان على مسألة الاختلاط والتمازج بالعنصر الأوربي والعربي بحكم أنّ المنطقة كانت منطقة غزو طيلة تاريخها، ويعتبران أنّ منطقة  القبائل تتوفر على أفضل الشروط لتقبل الحضارة إذا تمّ تصديق من يقول بأنّ الشعب يكون محضرا أكثر لتقبل الحضارة إذا كثر فيه التمازج[6] .

وبالنسبة للغة، فهما يعتبران أنّ التقبايليت لهجة بربرية، بها كلمات كثيرة بالعربية وأنّها تكتب بالحرف العربي فقط وليس لها حروف خاصة بها[7] .

وبالنسبة للدين فهم مالكيون بدون استثناء، ويقولان أنهما لا يتفقان مع “أوهام” بعض الفرنسيين الذين يعتبرونهم “مسلمين سيئين” وأنهم أكثر استعدادا لتقبل سيطرة الفرنسيين واعتناق المسيحية[8] .

وهما إن كانا ضد المشاريع الرامية إلى تنصيرهم، إلاّ أنْهما يعتبران أنّ أفضل مشروع يخدم الرسالة الحضارية الفرنسية بالمنطقة هو مشروع راندون الذي بموجبه تمّ تثبيت نظامهم وتقاليدهم، لأنّ في هاتين المسألتين السمة الكبرى التي يتميز بها البربر عن كل الشعوب الإسلامية وخاصة أنّ هذا التمجيد للعادات عندهم لا يعني الجمود وأنّهم منفتحون على التجديد [9].

وهما يبينان أنّ الفرق بين العادة والعرف من جهة والشريعة الإسلامية أنّ الأولى قاعدتها التوافق العام وليست وحيا سماويا وبالتالي قابلة للتغيير [10].

وهذه النقطة بالذات تعد مسألة جوهرية في أطروحة النزعة البربرية، حيث انطلاقا منها، تمّ اعتبار أنّ العرف القبائلي منفصل عن الشريعة الإسلامية، وبذلك سهل التصرف في ذلك العرف وتغييره وجعله متوافقا مع القانون الفرنسي .

وفي حقيقة الأمر، فإنّ هذا الطرح كان بمثابة مغالطة كبيرة، إذ أنّ العرف يعد مصدرا من مصادر الفقه الإسلامي، وأن العرف القبائلي كان دائما منضبطا بأحكام الشريعة الإسلامية، منذ الفتح الإسلامي للمنطقة.

 

[1] La Kabylie et les coutumes kabyles , Adolphe Hanoteau et Aristide Letourneux

[2] نفس المرجع ص 2

[3] يقولان أنهما أختارا هذه التسمية و يفضلانها عن القبائل الكبرى التي توحي بفكرة تفوق فئة على أخرى وهذا غير مبرر .

[4] نفس المرجع ص 3

[5] نفس المرجع ص 301

[6] Idem p305

[7] نفس المرجع ص  306

[8] Idem 310

[9] نفس المرجع ص 310

[10]  نفس المرجع ص 137

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com