قضايا و آراء

حريّة الوصول إلى المرأة!/ نجيب قويزي

 

في بدايات القرن التاسع عشر انطلقت أصوات المطالبة بحقوق المرأة في الغرب، وذلك نظرا للحالة المزرية التي كانت تعيشها، والاضطهاد الذي كانت تعاني منه، فإنه وإلى وقت قريب، كان الجدل قائما حول كون المرأة مخلوقا بشريا أو شيطانيا في تلك الأوساط!

غير أنّ هذه الحركات في مجملها، كانت تنطلق في مطالبها من جملة من المشتركات الإنسانية، والتي يمكن أن نعتبرها في مجموعها حقوقا ضمن الإطار الإنساني المشترك وانتماء الإنسان لمجتمعه وحضارته باستقلالٍ عن المادة، وتعامل المرأة ككائن اجتماعي ينشد العدالة للجميع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، مثل المطالبة بحقّ الحضانة للمرأة عام 1838م، وحق المرأة في التملّك عام 1857م، ولذلك وجدت هذه الحركات من يدعمها من العنصر الرّجالي، فقد حضر أكثر من 40 رجلا من بين 300 امرأة في مؤتمر أقيم بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1848م لدعم حقوق المرأة.

غير أنّه ومع موجة التحدّث وما بعد التحدّث والعلمنة التي أصابت المجتمعات الغربية، والغرق الفظيع في براثن المادية وتسليع الإنسان، حصل تطوّر جديد في توجّه هذه الحركات، بحيث كان هذا التحوّل نتيجة حتمية للثنائية الإمبريالية الغربية التي وضعت الإنسان في مواجهة ثنائية مع طرفين: أخيه الإنسان والطبيعة، والاهتمام بالقيم المادية على حساب القيم الاجتماعية والأخلاقية الأساسية. وقد نجحت هذه الأخيرة –كما يعبّر عن ذلك المسيري- في تحويل الإنسان من كائن قادر على تجاوز المادة، إلى إنسان ذائب تماما مع المادة.

ولقد نجح المسيري إلى حدّ كبير في تشخيص هذا التحول عند هذه الحركات، حيث اعتبر أنّ عملها وفق هذه الإيديولوجية كان من أجل الوصول إلى نقطة مهمّة جدا، يمكن من خلالها صنع قابلية في نفوس البشر لتقبّل المطالب التي تتبنّاها ولو كانت مخالفة للمرجعية البشرية، لأنه وفي تلك المرحلة، تكون المرجعيات الإنسانية كلها قد أُلغيت، وهي ما أسماها بالواحدية السائلة، والتي تجعل من الكون كله سطحا مستويا تتساوى فيه جميع الكيانات، وتلغى فيه كلّ الثنائيات، ويصبح كل شيء رهن الصيرورة، وتصبح الإنسانية بذلك أمام باب مفتوح من التجريب اللامتناهي، لتنتقل هذه الحركات رسميا من مجرّد المطالبة بحقوق المرأة إلى المطالبة بإلغاء إنسانية هذه المرأة، وإلغاء الطبيعة التي خلقها الله عليها، بل وإلغاء كل مرجعية إنسانية، ولهذا نجد أنّ كل الحركات التي تنطلق من هذا المبدأ تتبنّى قضايا غريبة عجيبة على غرار المطالبة بحقّ الانتحار أو الشذوذ أو المثلية.

إنّ هذه الحركات في صدرها الأول لم تكن تسعى لخلق صراع بين الذكر والأنثى، بل كانت مؤمنة بحقيقة التكامل بينهما، وأنّ هذا التكامل هو جزء من استمرار الكون، إلا أنّها تحوّلت فيما بعد إلى العداء المطلق مع كل ما هو ذكوري، حتى راحت تزعم أنّ البشر كانوا يعيشون في سلام حين كانت تحكمهم آلهة من النساء، وأنّ الخراب عم الكون حين تحوّلت هذه الآلهة إلى ذكور، بل ومسّت هذه العدائية حتى المصطلحات والمقولات التي صارت مرجعية إنسانية، مثل مصطلح التاريخ History، حيث زعم المنظرون لهذه الحركات أنّه مصطلح ذكوري، وأنه يعني تاريخه His Story، ودعوا إلى إعادة تسميته بـ Her Story !! وهي بذلك تتجاوز مرحلة خلق الصراع بين الجنسين إلى العمل على التأسيس لإلغاء دور الرجل من الكون، وتسخيره في سبيل خدمة المرأة والقيام على مطالبها.

إن الخطر الحقيقي لهذه الحركات وفق هذا المنطلق يكمن في التأسيس لجملة من الانحرافات الأخلاقية تحت مسمّى التحرّر، لأنه وبالنظر إلى ما سبق تفصيله من بيان الرؤية المرجعية الفكرية لهذه الحركات نجد أنّها في الأساس محاولات لتسوية الرّجل بالمرأة في كل المجالات رغم الفوارق الطبيعية والبيولوجية بين الجنسين، وإلغاء للمشترك الإنساني بينهما وتغليب المشترك المادي، مما أدى إلى ظهور العديد من المصطلحات مثل الـ Unisex أي عدم التمييز بين الجنسين، ومصطلح الـ Gendre أي النوع الاجتماعي، هذا الأخير الذي بات يغزو المجتمعات الإسلامية عن طريق سوق الموضة والماركات تحت دواع اقتصادية، فتجد الفرد بلغ من السرور مبلغا لأنه استطاع أن يقتني حذاءً أو لباسا يمكن لولده وابنته أن يرتدياه معا، دون إدراك للأهداف الحقيقية لهذا المشروع، لأنّ الجندر في النهاية ما هو إلا محاولة لإعطاء السّحاق الصبغة الشرعية القانونية، فالمرأة من خلال هذه الرؤية لا تولد امرأة، وإنما المجتمع هو من يجعلها كذلك، ومشكلة الحاجة الجنسية يمكن القضاء عليها من خلال اللجوء إلى امرأة أخرى دون الحاجة إلى الدخول في متاهات الألم ودوامات الظلم والاضطهاد مع الرجال!

إنه لا يمكن بحال دفع خطر هذه الحركات وما تتبناه من الرؤى إلا بالمحافظة على الأسرة، لأنها الحصن الوحيد الذي يمكن أن يصمد أمام أمواج المادية العاتية، وهو المكان الوحيد الذي يمكن فيها للعلاقات أن تحافظ على بعدها الإنساني الاجتماعي الخالي من النزعة المادية البراغماتية، وحركات التمركز حول الانثى –كما وصفها المسيري- تريد إخراج المرأة من هذا الحصن لتستطيع الحصول على صلاحية وصول كاملة إلى المرأة حتى تجعل منها سلعة في سوق الموضة والأزياء والإباحية، وهذا هو الهدف الحقيقي لهذه الحركات، وهو الذي عبّر عنه الأمير الراحل نايف بن عبد العزيز بقوله: “إن الذين ينادون بحرية المرأة ، لا يريدون حريتها بل يريدون حرية الوصول إليها”.

ونحن لا ننكر أنّ هنالك ظلمًا كبيرًا وقع على المرأة عبر مرّ العصور، كما لا ننكر أنّ الكثرة من الأحكام المتعلّقة بالمرأة في التراث الفقهي الإسلامي هي في الحقيقة جملة من العادات والتقاليد البدائية التي تسللت من خلال النزعات الشخصية لبعض الفقهاء ونظرتهم إلى المرأة، لكننا نؤكّد أيضًا على أنّه حين كانت الكنيسة والمجتمعات الغربية لم تتّفق بعد على حقيقة كنه المرأة، كان القرآن الكريم قد نزل بسورة كاملة اسمها سورة النساء، قرّر فيها ما للمرأة من الحقوق وأعلى مقامها ورفع ذكرها وسمى بشأنها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي بالمرأة خيرًا أما وزوجةً وبنتًا وأختًا، بل وفاضت روحه صلى الله عليه وسلم إلى بارئها وهو يوصي بهنّ خيرا!

وإلى اليوم لازالت المرأة في المجتمعات الغربية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا –مع ما تزعم أنها قطعته من أشواط في تحقيق العدالة الإنسانية- تعاني من وطأة الاضطهاد والاستغلال، حيث نشرت دائرة الإحصاءات الأمريكية أنه يوجد حوالي عشرة ملايين أسرة تعيلها الأم فقط، ويُقتل بالإجهاض بسبب علاقات غير شرعية أكثر من مليون طفل سنويا، وفي تقرير صادر عن وزارة العدل الأمريكية أنّ أكثر من ألف امرأة تقتل سنويا على يد زوجها أو صديقها، وفي دراسة أجرتها وزارة الدفاع الأمريكية أن حوالي 78 % من النساء في القوّات المسلّحة تعرضن للتحرش الجنسي من قبل الموظّفين العسكريّين، ولازالت الكثير من المطاعم في أوروبا وأمريكا تقدّم الوجبات الفاخرة على أجساد النساء العاريات، والصناعة الإباحية القائمة على المرأة، تجلب وحدها أرباحا سنوية تقدّر بـ 12 مليار دولار!!

فمن كرّم المرأة ومن أهانها إن كنتم تعدلون؟

 

* للموضوع مراجع.

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com