حديث في السياسةغير مصنف

من أجل تحرير القدس: الوعي أولا…!/ التهامي مجوري

في ملتقى سطيف الذي نظمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المخصص هذا العام لمناصرة الأقصى، أعجبتني محاضرة الدكتور علي حليتيم التي كانت بعنوان: “خطة طريق لتحرير المسجد الأقصى”، ورغم أن المحاضر لم يلق محاضرة وإنما تحدث عن نتف وعناوين لهذه المحاضرة التي قال إنها في 50 صفحة، وستنشر لاحقا بإذن الله تعالى، فإن ما ذكره من نقاط على السريع كانت كافية للكشف عن أصل الداء في القضية ألا وهو الوعي، والوعي كما هو معروف “إدراك الشيء كما هو وفق مرجعية محددة ومضبوطة”.

فقد أعاد الدكتور حليتيم القضية إلى مربعها الأول، بما يعني أن الأمة من هذا الجانب عديمة الوعي بالقضية، أو أن وعيها لم يبلغ المستوى المطلوب الذي يبشر بقرب تحرير المسجد الأقصى؛ لأن الوعي هو أساس المسألة بجميع أبعادها، والوعي بمعنى آخر أقله تصور الفكرة أو الموضوع أو المسألة، وكما يقول علماء الإسلام “الحكم عن الشيء فرع عن تصوره”.

والمتابع للقضية الفلسطينية، ومنها قضية القدس يلمس انعدام هذا الوعي عند البعض، وضعفه عند البعض، واختلاط أوراقه عند آخرين، بما في ذلك المشكلات القائمة بين الفصائل الفلسطينية نفسها، فهم يتنازعون في ترتيب الأولويات، ويتنازعون في المرجعية، ويتنازعون عن مواقع السلطة..إلخ.

لماذا تتنازع هذه فصائل فيما بينها، وتتقاتل وهي حركات كلها قامت من أجل التحرير..؟! لأن وعي هذه الفصائل لم يرتق إلى مستوى التحدي، وفي الوقت الذي ينتظر فيه ارتقاء صاحب الحق في مقاومته، والدنو من استرجاع أرضه، نجد أن الغاصب والمحتل هو الذي يتقدم في كسب أنصار له من العالم، وينجح في تحييد آخرين، ويفوز باستبعاد خصوم من الساحة الإقليمية والدولية، والفرق بين الجهتين أن أحدهما لا يملك وعيا كافيا بحيث هيمنت عليه الاختلافات حول مسائل الجزئية حزبية وفئوية وولاءات، وضغطت عليه النزاعات الداخلية، فانحرفت المركبة عن مسارها في المرجعية وترتيب الأولويات والولاءات، وفي توسيع مساحة الاستغلال للغير، بحيث أصبح بعض الفلسطينيين يحقق ما مصالح غيره على حسابه، بل ويقوم بما يريده العدو الصهيوني بكامل إرادته وقواه العقلية.

أما على المستوى الجماهيري فإن الواقع في الشارع العربي والإسلامي يعكس مستوى وعي النخبة، حيث ترتقي الجماهير وتتقهقر بحسم مستوى الخطاب الذي تقدمه لها النخب السياسية والثقافية، ولذلك فهي تتفاعل مع الواقع وفق ما هو معروض بين يديها من آراء وأفكار، في المهرجانات وفي الإعلام وبالمواقف السياسية والفكرية، وإذا أخذنا نموذج القضية الفلسطينية وأساسها المسجد الأقصى، فإننا نجد أن الأمة التي كانت مجمعة على أن القضية الفلسطينية قضية أمة بجميع أبعادها الدينية والثقافية والسياسية، هي اليوم منقسمة على نفسها، فمنها الوطني الذي يراها مسألة وطنية فلسطينية وقضية استعمار، وللفلسطينيين أن يعالجوها كما يريدون، ولا يحق لأحد التدخل في شؤونهم، ومنهم الأممي الذي يراها قضية حضارية نحن مسؤولون عنها كمسلمين، كما يشعر الغرب بمسؤوليته على مناصرة إسرائيل ومساندتها.

قبل مدة كتبت مقالا – في غير هذه المساحة – تكلمت فيه عن زوال دولة إسرائيل كحتمية، واستشهدت على ذلك بتصريحات وشهادات وقناعات علمية ودينية وسياسية، لأن وجود إسرائيل بطابعها الذي قامت عليه، وجود غير طبيعي، لأنها دولة قامت في قلب منطقة، تختلف عنها في كل شيء، ومن ثم فهي محكومة بأن تقضي على كل من حولها، وتهيمن على المنطقة بكل ما عندها من قناعات ودين وثقافة وسياسة، أو أنها تذوب في هذا المحيط. وقدرت أن ذوبانها أو زوالها أقرب من أن تقضي هي على من حولها من المجتمعات والدول.

ومن ناحية أخرى بعض الحاخامات اليهود أنفسهم يرفضون قيام دولة يهودية لهم، وهذا الرفض مؤسس دينيا؛ لأنهم يعتبرون أن شتاتهم في الأرض عقاب من الله بسبب معاصي ارتكبوها ولا يكفرها إلا هذا الشتات.

ومن ناحية ثالثة وجود المقاومة التي تسكن كل المسلمين في العالم ومنهم أبناء فلسطين نفسها. وهذه المقاومة رغم أن المجتمع الفلسطيني مكبل بالكثير من الاتفاقيات والمواثيق، إلا أن الإرادة الشعبية لا تؤمن إلا بالعدل معها في قضاياها، وإلا فإن إرادة التحرر باقية وكامنة في النفوس إلى أن يحين أوان بعثها.

ورابعا المظالم التي ترتكبها سلطات الاحتلال، وتضخم الترسانة النووية، ستتحول إلى أعباء عليها؛ لأنها أسلحة لا تستطيع استعمالها؛ لأن استعمالها يفني العالم، وتحتاج إلى تكاليف باهظة لحمايتها وحراستها.

كل ذلك من مبشرات زوال إسرائيل من الوجود، وكان من بين ما ذكرت أن هناك من يتوقع زوال إسرائيل في سنة 2020م…! ومنهم من قال سنة 2027م…!

فجل التعليقات على هذا المقال كانت تستبعد هذا الكلام، ومنهم من قال لي صراحة “راك تخرَّف…!”.

لكن في المقابل وفي هذا الملتقى بالذات المشار إليه في مطلع هذا المقال، قال لي أحد المشرفين عليه “لقد فاجأنا الحضور”، حيث حضر الناس بكثرة، وما ذلك – في اعتقادي- إلا لاهتمام الناس بالموضوع، وإلا كيف يكون الحضور في هذا الملتقى المخصص لنصرة القدس والأقصى ولا يكون مثل الحضور في ملتقيات أخرى  في غير هذا الموضوع.

هذان النموذجان في رأيي كلاهما موجود في أوساط جماهير الأمة، ولكن ليس كقناعة جماهيرية، وإنما كتفاعل مع خطاب نخبوية موجود في الواقع، يعالج بمعالجة الخطاب المنحرف منه، وذلك بعودة الوعي واستكماله في أوساط النخبة العربية والإسلامية أولا، وما لم يعاد بناء الوعي، سواء في القضية الفلسطينية أو في غيرها، لن تعالج قضايا الأمة المعلقة منذ قرون؛ لأن الوعي هو الذي له القدرة على الاكتشاف والتقدير والاستدراك والتكييف والتكيف، لأنه مدرك لما تملك الأمة من إمكانات وللتحدي الذي تواجهه الأمة وكيفية الاستجابة له.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com