قضايا و آراء

قضية فلسطين… “بين التاجر الأمريكي البغيض وصبيانه”/ محمد مراح

ملاحظة موقف الرئيس الأمريكي ترامب إزاء القضية الفلسطينية تتسم بالسمات الآتية:

– نه لم يتجاوز شعار الدعوة إلى ما سمي بالمفاوضات من أجل السلام؛ فرغم بعض التصريحات المغمورة تحت وابل مهاتراته وفضاضته، وتصريحاته الاستفزازية، وتقلباته الجوية غير المحتسبة، وحروبه المتسرعة تجاه السياسيين والإعلام والمرأة، والدول والحكومات والأشخاص؛ أي جميع من يعتقدون أن لهم وجودا مؤثرا أو متأثرا من قريب أو بعيد، ممن يدور في فلكه الذي صنعه لشخصيته التجارية البغيضة. فرغم الوعود التي صاحبت بعض مراحل وصوله لسدة الرئاسة، من أنه سوف يطرح مشروعا واعدا لحل الصراع الفلسطيني – الصهيوني، فإنه لم يبادر حسب سُنّة أسلافه الذين طرحوا مشروعات ورعوا مفاوضات مباشرة بين الطرفين منذ اتفاق أسلو.

ولسنا في حاجة للتذكير أن الثابت في كل تلك المشروعات هو أن دولة الكيان الغاصب هي محور الحلّ ومركز الثقل فيه، ومن ثمّة الضغط في اتجاه أن الحلّ الذي يجب أن تنتهى إليه المفاوضات في أحسن صيغها، دولة فلسطينية شكلية السيادة، تستأذن الكيان الغاصب للسماح لها بكلّ ما يمنحها معنى وجود وحياة، بما ذلك الهواء الذي عليها وعلى شعبه أن يتنفسوه؛ فيجب أن يكون ممهورا بالختم الصهيوني اللعين.

– الانحياز المطلق للموقف الصهيوني التزاما بالتقاليد التي أرساها الجمهوريون منذ زمن بعيد؛ فلا يرون القضية إلا بعيون الكيان المجرم.

– التحدي الوقح السافر لترددات سابقيه في حسم الموقف من مدينة القدس؛ والوقوف ممتلئ فخرا أمام مليارات البشر معلنا قرار نقل سفارة بلده إلى القدس، مشيدا بكل ابتهاج وتيها بالدولة التي تنبض حيوية وحرية وديمقراطية في محيط عربي يموج ظلاما وظلما وانحطاطا.

– الضغط على حلفائه العرب في المنطقة بما شاع وسمه بصفقة القرن.

– حصر القضية في زاوية تجارية محضة، بروحه التجارية البغيضة، فبعد أن أمسك عن الأونروا نصف المبلغ الذي تمنحه لها، للوفاء بالتزاماتها الدولية إزاء الفلسطينيين الذين صنع الغرب الاستعماري مأساتهم بإقامة الكيان الصهيوني ومساندته، ورعايته وحمايته بكل وسائل الحماية.

حوّل تلك المنحة الهزيلة إلى أداة ضغط ومساومة للفلسطينيين كي يتصارعوا للرغبة الصهيونية التي صار الآن القائم على تنفيذها، فيعودوا لما سُمّي طاولة المفاوضات بعد أن فقدوا كل ما من شأنه أن يعدّ شبهة سند. فقد صرح في منتدى دافوس (أحد منتديات الرأسمالية الطاغية)؛ إثر لقائه برئيس الكيان الصهيوني قائلا: “عندما أبدوا عدم احترام تجاهنا قبل نحو أسبوع بعدم سماحهم لنائب الرئيس بمقابلتهم، ونحن نعطيهم ملايين الدولارات مساعدات ودعما، وهي أرقام هائلة، أرقام لا يفهمها أحد، هذه الأموال مطروحة على الطاولة، وهذه الأموال لن تذهب إليهم ما لم يجلسوا ويتفاوضوا من أجل السلام”.

إذن يأتي هذا الموقف الأخير بروح وشخصية التاجر البغيض الذي لا يرى الذين أمامه سوى كتلة مادية قد تدُرُّ أو لا تدُرُّ عليه مالا وربحا. فهكذا انتهى مسار القضية في سوق النخاسة الدولية إلى هذه الزاوية الرخيصة في النظر إلى القيم الإنسانية العليا.

ومن الأسئلة الجديرة بالطرح هنا: ما الذي شجع هذا التاجر على ذلك؟

بالطبع الأسباب المفسّرة كثيرة، ومتشابكة الخيوط، ومعقدة، لكنّا نُضيّق دائرتها في حيز المحيط العربي الإسلامي؛ أي ما الذي شجع على الانتهاء بها إلى تلك الزاوية البائسة، أي مساومة حياة شعب مستعمر بحفنة دولارات يقبضها لسدّ بعض رمقه، مقابل الخضوع الكامل للشروط الصهيونية؟

لا شك أن تقييم الموقف العربي بل والإسلامي من القضية على المستويات الرسمية اتسم في أكثر مراحله بالخذلان والخنوع والالتفاف على القضية وحقوق أهلها، بل والخيانة والعمل لمصلحة الطرف الصهيوني والغربي الأمريكي على وجه التحديد. الدوافع لذلك باتت معروفة للعام والخاص.

لكن مع ذلك فقد شهدت محطات اتسمت بالمقاومة والمواقف الصلبة والعداء المستحكم للعدو، ودفع أثمان باهضة في بعض الأحيان نتيجة ذلك.

لكن الوضع الآن لا بأس منه ولا أذل ولا أهون: فما كان قبل نحو عقد من الزمن يعرف بالعالم العربي تحديدا آخذ في الاضمحلال إلى كيانات يشمل دولا فاشلة ودولا منتهية الوجود ودول مستعمرة من أكثر من مستعمر في الوقت نفسه، خلاف ما كان عليه الحال من الاستعمار الغربي في القرن العشرين لدولنا.

البداية كما نعلم جميعا كانت بإحدى أبشع جرائم العصر، ضد بلد واحد من أعرق الحضارات في التاريخ أي العراق الذي أقدم في لحظة من لحظات العزة على إدخال الصهاينة لجحورهم كالفئران المذعورة، وألبسهم الكمامات فغدا منظرهم كالخنازير المروعة.

وعملية الإنهاء والإفشال استعمل فيها (إنشاء أو استغلالا) عدة عوامل أهمها: الديمقراطية – الطائفية – حقوق الإنسان – الجماعات الإرهابية، وغيرها.

وأُشرك في تنفيذها قوى ودول من النسيج والجنس العربي والإسلامي، أكثرها لا علاقة لها بالقيم العليا التي رفعت في أتون فورة ما سمي بالربيع العربي.

ومن المهم جدا في تقديري هنا الإشارة إلى ملاحظة قد لا تكون أها قد لفتت انتباه الملاحظين للمشهد العربي والإسلامي الحالي من زاوية حضارية وتاريخية لها أثرها في مستقبل الأمة قريبا أو بعيدا، مفاد الملاحظة: أننا إذا استعرضنا الدول التي استهدفت بالسقوط والفوضى والاحتراب الداخلي والتهجير والإرهاب، والاضطرابات والفتن الداخلية، والإحاطة بمهددات جسيمة على أمنها واستقرارها الداخليين، والتجاذبات السياسية الهزيلة باسم الديمقراطية…! نجد أنها تشمل الدول ذات الثقل الحضاري في تاريخ العرب، أي ذات الحضارات الضاربة في التاريخ (العراق –مصر – الشام – اليمن )، فهي تقريبا التي تقدم الملمح الحضاري على مستوى خارطة حضارات العالم الكبرى، فإذ ضربت وأنهكت وأفشلت الدول القائمة على جغرافيتها وعرقها وتراثها، تكون عوامل الإحياء والقوة الحضاريين المختزنة في جيناتها عبر القرون قد استهدفت بكفّها عن أن تبعث في الجسم العربي روح إحياء ومقاومة وتأبي عن الاحتلال الصهيوني وأدواته من الغرب الإستكباري.

وبعد أن استوت الأمور على ما هي عليه في هذا المستوى والجانب، جاءت المرحلة التالية، وهي اختلاق أزمات بينية للدول التي عرف عنها دورانها في الفلك الأمريكي تحديدا، تستنزف قواها المالية تحديدا في مضمار التداول على منابر إدارة معاركها.

ولعلّ الملمح الجديد الذي أخذ في التشكل منذ أسبوع هو النافذة القاتمة التي شرعت لتركيا كي تلجها في سوريا، نافذة عفرين وما تلاها، والمؤشرات الأولى لا تبعث على الاطمئنان، فعلى الرغم من الأخبار الأولى التي تفيد بتحقيق بعض النتائج الأولى للحملة العسكرية، فإن مؤشرات تعتمل ظهورا وخفاء تضفي ظلالا كثيرة على مآلات قد تصب في رصيد الحسابات الصهيونية والأمريكية. وقد يكون أقربها تحقق تهيئة أفضل لظروف لتقسيم سوريا، أي الهدف الذي لم يتحقق رغم مأساتها الإنسانية قليلة النظير بعد الحرب العالمية الثانية. فضلا عن تتويه تركيا في متاهات لا حصر ولا مخرج لها منها…!

أمّا ما ضمّناه العنوان بصفة (صبيان ترامب)، فهم الذين حُشرُوا له في محفل الجباية البائس تحت سماء بلاد الحرمين؛ ليعلن عمّا سُمي بالتحالف ضد الإرهاب، وهو مشروع استكمالي لما أنجز من إنهاك الجسم الإسلامي، إن لم يكن يهدف لإنهاء الإسلام واستئصاله من بلاد المسلمين والعالم، فقد تحقق أنّ هذا الجهد لا طائل منه، ولا مجال للحلم بتحققه، فكان البديل الأوفق هو استثمار المظلة الإرهابية لحشر الإسلام بوصفه عقيدة وشريعة في زاوية حادة يؤذن له فيها بتمثل بعض معتقداته على نحو باهت لا فعالية لعقيدته، أو تهويما عاطفيا يلبى عواطف وروحانيات هائمة، وكذا أداء شعائره على نحو لا يُتجاوز فيها إلى آثارها الاجتماعية والسياسية على وجه الخصوص، ولا مانع من بعض الأخلاقيات الشخصية أو الاجتماعية المحدودة التي لا تنشئ تصورات ولا أفكار ومشروعات ولا مؤسسات تمثّل شخصية الأمة. أما الشريعة فحسبها أن تشرّفت جماعات التطرف والغلو والإجرام الإرهابي بإنجاز مهمة التجريم، وصاحبتها أقلام ومؤسسات (بحثية – مؤمنون بلا حدود مثلا)، لتأدية المهمة بأقذر ما يتوقع، فضلا عن المكث في حالة تأهب لمدّ التاجر البغيض بما يلبى شراهته للمال.

والحقّ أننا تفاءلنا ببعض ردود فعل بعض الدول اللصيقة بالمحيط الفلسطيني، على قرار “سفارة ترامب”، لكن تطورات لاحقة يبدو أنها أعادت القطيع للممرّ…!؟

طيب تحت سقف هذا الواقع البائس ما المتاح عمله؟

إذا كان الهدف المركزي للصهيونية والتاجر البغيض الفتُّ في عضد المقاومة، فإن تاريخ المقاومات علمنا أنها لا تعدم وسائلها، مما لا يعرضها للانقراض، ومقاومة المحتل لا يزال لها تيارها الفاعل على الأرض.

أما هزال الدولارات الأمريكية، فإن الفرصة سانحة لإحراج الأنظمة التي لا تزال في عافية من حالها ممّا لحق بالأنظمة التي ساهم كثير منها في إسقاطها عن سبق ترصد وممالئة.

ولما لا نرفع تحديا شعبيا وخيريا تعلن فيه الأمة أن بها رمق من حياة وعزة، رغم محاولات الإذلال التي رفع بها التاجر البغيض عقيرته، فُتطلق جهات ثقافية أو خيرية مشروع جمع المبلغ الذي يساهم به، ثم تسليمه للأونروا كي تقوم بمهمتها على تواضعها بالطبع؟

أو القيام بمساعي دبلوماسية لدى دول منافسة للولايات المتحدة كي تتولى هذا الأمر، وفرص مناكفة الولايات المتحدة متاحة الآن بشكل كبير وواسع، نظرا لتشابك كثير من المشكلات الإقليمية والدولية، فضلا عن رغبة العالم في التخلص من طلعة التاجر البغيض المزعجة.

وفي الختام يسعدنا أن ننقل التحفة التفسيرية الآتية الذكر من خواطر الشيخ محمد متولى الشعراوي -رحمه الله تعالى- حول سورة الإسراء أو كما تسمى أيضا سورة بين إسرائيل، يقول رحمه الله بلفتاته الرائعة الذكية: (حدث من المسلمين انصراف عن المنهج وتنكُّب للطريق المستقيم، فانحلَّتْ الأمور الإيمانية في نفوس المسلمين، وانقسموا دُوَلاً، لكل منها جغرافياً، ولكل منها نظام حاكم ينتسب إلى الإسلام، فانحلّتْ عنهم صِفَة عباد الله.
فبعد قوتهم واستقامتهم على منهج الله، وبعد أن استحقوا أن يكونوا عباداً لله بحق تراجعت كِفتهم، وتخلَّوْا عن منهج ربهم، وتحاكموا إلى قوانين وضعية، فسلَّط عليهم عدوهم ليؤدّبهم، فأصبحتْ الغلبة لليهود؛ لذلك يقول تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 06]

و”ثُمَّ” حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي، على خلاف الفاء مثلاً التي تفيد الترتيب مع التعقيب، ومن ذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ} [عبس: 21/22].
فلم يَقُل الحق سبحانه: فرددنا، بل {ثُمَّ رَدَدْنَا}، ذلك لأن بين الكَرَّة الأولى التي كانت للمسلمين في عهد رسول الله، وبين هذه الكَرَّة التي كانت لليهود وقتاً طويلاً.
فلم يحدث بيننا وبينهم حروب لعدة قرون، منذ عصر الرسول إلى أن حدث وَعْد بلفور، الذي أعطى لهم الحق في قيام دولتهم في فلسطين، وكانت الكَرَّة لهم علينا في عام 1967م، فناسب العطف بـ «ثم» التي تفيد التراخي.
والحق سبحانه يقول: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء: 06] [الإسراء: 6] أي: جعلنا لبني إسرائيل الغَلَبَة والقوة والنصر على المسلمين وسلّطناهم عليهم، لأنهم تخلوْا عن منهج ربهم، وتنازلوا عن الشروط التي جعلتْهم عباداً لله.
و(الكَرَّة) أي: الغلبة من الكَرِّ والفَرِّ الذي يقوم به الجندي في القتال، حيث يُقِدم مرة، ويتراجع أخرى.
وقوله تعالى: {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} [الإسراء: 06] وفعلاً أمدّهم الله بالمال حتى أصبحوا أصحاب رأس المال في العالم كله، وأمدّهم بالبنين الذين يُعلِّمونهم ويُثقّفونهم على أعلى المستويات، وفي كل المجالات.

ولكن هذا كله لا يعطيهم القدرة على أن تكون لهم كَرَّة على المسلمين، فهم في ذاتهم ضعفاء رغم ما في أيديهم من المال والبنين، ولا بُدًّ لهم لكي تقوم لهم قائمة من مساندة أنصارهم وأتباعهم من الدول الأخرى، وهذا واضح لا يحتاج إلى بيان منذ الخطوات الأولى لقيام دولتهم ووطنهم القومي المزعوم في فلسطين، وهذا معنى قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} [الإسراء: 06].
فالنفير مَنْ يستنفره الإنسان لينصره، والمراد هنا الدول الكبرى التي ساندت اليهود وصادمت المسلمين.
ومازالت الكَرَّة لهم علينا، وسوف تظل إلى أنْ نعود كما كُنَّا، عباداً لله مُسْتقيمين على منهجه، مُحكِّمين لكتابه، وهذا وَعْد سيتحقّق إنْ شاء الله تعالى، كما ذكرتْ الآية التالية: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء: 07]، أو كما قال في نسخة التفسير البصرية، أي الأصلية صوة وصورة: (أدخلوها عليهم بروح إيمانية، لا قومية ولا دنيوية ولا غيرها).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com