قضايا و آراء

الجزائر والهوية الملتبسة!/ على حليتيم

حين يحلم الإنسان حلماً مزعجاً فإنه يقول إن هذا الحلم من الشيطان!

هل يمكن أن يحلم الجزائريون يوماً بكابوس أليم يفتت بلدهم ويسيل دماءهم وينهي وحدتهم ولحمتهم التي لم يشكوا فيها يوما حتى جاءهم الاستعمار؟

لقد أدرك الجزائريون فجأة أن أمر هويتهم غير محسوم حتى اليوم لأنه مرتبط بالسياسة والاستعمار وما بعد الكولونيالية التي تعمل على تحويل التعدد اللغوي الجزائري إلى بلقنة سياسية تهدد أمن واستقرار هذا البلد الذي لم تطرح فيه المسألة اللغوية أبداً من قبل.

آن لنا أن نتجاوز زمن الوعظ الديني والمعرفي الذي كنا نقول فيه إن التعدد اللغوي نعمة من نعم الله بنص الآية الكريمة وإن الجزائريين عرباً وأمازيغ جسد واحد معجون على حد تعبير الدكتور عمار طالبي إلى مرحلة من الوعي بأن يداً معروفة هي التي تصنع بعناية علم الاجتماع ومشاريع التغريب الفصام اللغوي والهوياتي الجزائري الذي يريد أن يحول وئام القرون الطويلة إلى الخصام الذي يصنعه تحت نظرنا المستعمِر!

إن الواقع السوسيو-لساني للجزائر ليس بالتعقيد الذي تصوره لنا السياسة ولا بالغموض الذي تريد أن تخلقه الأطراف الذي لا يوائمها الوضوح حين كان الجزائريون عبر القرون يتكلمون لغتهم الأصلية بمختلف لهجاتها لأنها لغتهم الأم ويتكلمون اللغة العربية لأنها لغة الإسلام مع ما بين اللغتين من نسب عريق.

إن النخبة الفرونكوفونية المتحكمة في زمام القرار اللغوي والثقافي في بلادنا تريد أن توهم طائفة من شبابنا بوجود صراع نفوذ بين العربية والأمازيغية حتى يحصل الإجماع على اللغة الفرنسية كمخرج وحيد مؤقت من الأزمة.

وعوامل الفتنة موجودة آخذة في الاتساع والقوة كاستعلان طائفة من الكتاب والروائيين بعداوتهم لكل ما هو عربي ومسلم على شاكلة بوعلام صنصال وكمال داود وغيرهما، والعامل الثاني هو مواقع التواصل الاجتماعي التي تعج بالمقالات والتعليقات العنصرية من الجانبين ولا داعي للتذكير أن أكثر المواقع نشاطا في بث الكراهية والعنصرية ومعاداة الإسلام هي مواقع تكتب بالفرنسية بل وتبث من فرنسا بالذات.

لقد بلغ السيل الزبى وكشفت الفتنة عن عفنها في غرداية حين سالت دماء الجزائريين الطاهرة عبثا بينما عدو الأمس ينظر ويترقب ويفرك كفّيه جذلا وأملا في المزيد لأنه يعلم أن محصلة كل فتنة هو الانخراط أكثر في التبعية والتغريب والشقاق والفرقة والارتباط بالعدو وخلو الساحة للغة الفرنسية.

لكن يبقى العامل المهم في اتساع الخرق هو غياب سياسة واضحة لمواجهة الفتنة والاكتفاء بالتصريحات من هنا وهناك وترك الحبل على الغارب حتى بلغ الأمر مبلغ الخطورة أو يكاد فأصبح العلم الوطني يُنزل من المؤسسات العامة.

ماذا سيبقى لنا إن فرطنا في أخوتنا ووحدتنا وديننا وانسجامنا؟ إن الطيبين سيقولون إن الشعب الجزائري واحد موحد لن يفرقه أحد، لكنهم لا يعلمون أن الوحدة بناء خاضع للسنن وقوانين علم الاجتماع ينبغي الاعتناء به وأن معاول الهدم تعمل على تقويضه ليل نهار وأن خطة الشيطان المستمرة منذ قرنين إن لم تفلح في هدم البنيان فإنها سوف تنجح في توريث الأحقاد والضغائن وكفى بذلك من شر حتى غدا بعض شبابنا يتحدثون عن الاحتلال العربي واللغة العربية الأجنبية!

ما أحوجنا في هذا الظرف بالذات إلى المشروع الباديسي للوحدة الوطنية القائمة على الأخوة العربية الأمازيغية المقدسة وما أحوج الوطنيين من الجانبين إلى تفكيك هذه الألغام وإطلاق مشروع ثقافي وطني قائم على وحدة الوطن والدين والآمال والمصير، وعلى نبذ الفرقة والتغريب والتبعية والاستعمار..

إن العربية هي لغة الدين ومن يعاديها فهو يعادي الإسلام

وإن الأمازيغية هي لغة الهوية ومن يعاديها فهو يعادي الهوية

وإن الإنجليزية هي لغة العلم ومن يعاديها يعادي العلم

وإن الفرنسية هي لغة المحتل ومن ينصرها فهو ينصر المحتل.

وإذا كانت اللغة جزءا أساسيا من الهوية ومؤطرة للخصوصيات الثقافية زيادة على كونها لغة تواصل إلا أنها لا تحمل في ذاتها رؤى خاصة للعالم ولا روحا خاصة للمتكلمين بها ولا شوفينية خاصة تجاه غيرها ، نقول هذا حتى نتجاوز جدلية هل نحن أمازيغ عربنا الإسلام أو أمازيغ أسلمنا الإسلام إلى فضاء نحن مسلمون أمازيغ كما أن هناك أتراكا مسلمين وهنودا مسلمين وهلم جراً ولم يمنع الأتراك عشقهم للغتهم ولا تقدمهم الهائل من جعل اللغة العربية ثاني لغة في تركيا قبل الإنجليزية. ويعلم كل المثقفين الجزائريين أن الصراع الحقيقي في منطقة زواوة ليس حول اللغة في حد ذاتها التي هي مطلب كل الأمازيغ دون استثناء لكنه يدور حول الإيديولوجيا المصاحبة لهذه اللغة بين من يتمسكون بدينهم وأصالتهم وبين من يتبنون فكرا تغريبيا فروكوفونيا انفصاليا وهم قلة عددا لكنهم مدعومون ومسيطرون عدة.

وعلى حماة المشروعي الباديسي للوحدة الوطنية أن يشرحوا للناس أن الصراع القائم بين العربية والأمازيغية إنما هو صراع واجهة لصراعات أخرى حقيقية تريد أن تدخل في هذه الهوية لغة المحتل وتخرج منها مكوّن الدين وإلا فإن المواطن الجزائري لا يعيش أي فصام بين عروبته وأمازيغيته ودينه وجزائريته.

والغرب القائمة خططه على التخطيط وفق قواعد علم الاجتماع يعلم أن مختلف الطوائف تتقوقع على نفسها حين تشعر باللاأمان في ظل الضعف السياسي والاجتماعي للأمم ولذلك فهو يسعى إلى تقويض أركان الدول لتشجيع إعادة تشكل هوياتي على أساس لغوي وتاريخي بدل الأسس الدينية والوطنية في الدول ذات الدين الواحد كالجزائر ويسعى في المقابل إلى إعادة صياغة ذات الهوية على أساس ديني أو على الأقل مذهبي في الدول المتعددة الملل كمصر واليمن والسودان.

إنها الخطة نفسها منذ قرن من الزمان والكيد نفسه: تجزيء المجزّأ وتفتيت المفتت لضمان التبعية واستمرار التغريب وديمومة ما بعد الكولونيالية التي تضمن الهيمنة دون تكاليف مادية أو أخلاقية ولذلك فإنك ستجد خلف كل أزمة من أزمات الهوية طائفة من الفرونكوفيليين المرتبطين بالمحتل يختفون خلف مطالب اللغة المحلية وما هم من تلك اللغة في شيء وهم يريدون هوية أمازيغية مغلوطة عبر التنكر لأجدادهم الأمازيغ الذين حملوا راية الإسلام.

إن فرنسا قد تركت لنا 11 مليون لغم بعد طردها من بلدنا لكن لغم اللغة هو أخطرها على الإطلاق وإن الواجب اليوم هو تفكيك هذا اللغم و إلى الأبد عن طريق إعطاء اللغة الأمازيغية حقها ومستحقها وإعادة الاعتبار لها نهائيا دون لَبْس أو تردد حتى نكشف الغطاء تماما عن دعاة الانفصال باسم اللغة الأمازيغية ودعاة الفرنسة باسم الأمازيغية ودعاة التنصير باسم الأمازيغية ودعاة التبعية باسم الأمازيغية. وما النجاح النسبي الذي حققته هذه المشاريع في منطقة زواوة إلا دليلا على تخفيها خلف المطلب المشروع لتحقيق ما تصبو إليه وهي تريد لإشكالية اللغة والتباس الهوية أن تبقى وتستمر حتى يستمر مشروعها ويقوى كل يوم.

الخطر قائم وليس قادماً وعشرات المشاريع لكنائس وجمعيات متطرفة في الجزائر والخارج تخطط لتفتيت الوطن والتمكين لعدو الأمس برعاية مباشرة من المحتل الذي لم يعد سفيره يستحي من زيارة زواوة والدفع بنفسه بمشاريع الفتنة لأنه يدرك -بالأرقام- أنها قد بلغت أشدها وهم ينتظرون خيبهم الله ساعة الحسم حين يقوى عود المخربين فتتدخل الأمم باسم القانون الدولي لحمايتهم ودعمهم فما على الخيرين من أبناء الوطن إلاّ التحرك الآن قبل فوات الأوان ولات ساعة مندم.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com