في رحاب الشريعة

التخلص من النزاع والغلاب لا يتم بالصراع والحروب وإنما بشريعة الكتاب

أ. محمد مكركب/

ليعلم المسلمون والمسلمات على كل الأحوال والمستويات، أن الله تعالى يمتحن عباده ببعضهم ليعلم الصادقين والصادقات، وليظهر الكاذبون في إيمانهم والكاذبات، وأن مصالحهم وحلول مشاكلهم لا تتم بالنزاع والغلاب، ولا يتحقق الأمن والسلامة بالصراع والحروب، بل إن الخير والصواب فيما أرشد الله إليه في آيات الكتاب.
فكل الذين استعملوا القوة والعنف ندموا، ولكن بعد فوات الأوان، حيث أدت بهم حميتهم إلى الهلاك والخسران، فالشيطان يزين أعمال العنف لكل معتد حتى يدخله في نار الحرب، ثم يفر عنه ويتركه غارقا في الآلام والأحزان.
إن التوترات والتهديدات التي يُلوِّح بها المتخاصمون والمتخاصمات قد تؤدي إلى منزلقات يتسلل من ثغراتها شياطين الإنس والجن، خاصة إذا صاحب الخصامَ اللومُ والعتاب، والشتم والسباب، والله تعالى يقول: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾(الإسراء:53) واعلموا أن اثنين لا يؤتمنان أبدا: الشيطان، والكافر بالقرآن.
وأذكر بهذا لأن بعض الشعوب المتنازعة مع شعوب أخرى، أو مع بعضها، تلجأ بسبب غفلتها، أو نسيان تاريخها، أو بسبب جهل أو غلطة سياسية من زعمائها، يلجأون إلى الاستعانة بالكافرين، والله تعالى حذر أشد التحذير من تولية الكافرين﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾(المائدة:51) والمستجير بالكفار كالهارب من الظمأ إلى النار.
وقال سبحانه جل جلاله:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾(آل عمران:118) إن النزاع مهما كان نوعه وكيفما كان شكله ولونه، لا يحل بالعنف والتهديد، ولا بالشتم والوعيد، وإنما بالعلم والحكمة والقول السديد.
ونداء البيان في هذا المقال لكل إخواننا المسلمين، لكل الشعوب المتخاصمة مع بعضها، والمتوترة في علاقاتها، والمتنازعة بسبب دسائس ومكائد زرع أعداء الله عز وجل، بذورها بينهم، كما فعلوا في المسلمين من القرن الأول الهجري. فما هو المطلوب أيتها الشعوب؟
أولا: رد الأمر إلى العلماء، يعني أن يوكل الأمر في معالجة النزاعات إلى العلماء، ولا يُكْتفى في النزاع بين الشعوب بالقرارات السياسية البحتة، وقد يكون قرار الحاكم السياسي مرتجلا أو عن حمية، أما القرار الشرعي الذي يصدر من الهيئة العلمائية المجتهدة فيكون أكثر دقة وحكمة، وخصوصا في دراسة المآلات والاحتمالات، قال الله تعالى:﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:83).
ثانيا: مشاورة العلماء العاملين الذين لهم علم وحكمة وتجارب ميدانية، في دراسة كل المسائل السياسية. قال الله تعالى:﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾(آل عمران:159) ولا يُكْتَفَى بالبطانة الاستشارية، ولو كانوا علماء، فلابد من الانتباه لهذه المسألة.
ثالثا: الحذر من إعلان العداوة بين المسلمين، لا ينبغي لحاكم، ولا لشعب، ولا لعالم، أن يتخذ مسلما عدوا، إنما الذي يعاديه ولا يصادقه أبدا، هو الشيطان. قال الله تعالى:﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾(فاطر:6) والعدو الثاني هو الكافر المعتدي، الذي يعتدي على حق أي مسلم في العالم، فكل الكافرين في العالم الذين يعتدون على المسلمين في العالم فهم أعداء حتى يقلعوا عن الظلم. ومن يتعاون مع الكافرين الظالمين فهو مثلهم في الظلم والخيانة والجريمة.
رابعا: لا يجوز ولا يحل للمسلم أن يبدأ بالاعتداء، إلا إذا اعتدي عليه بظلم ظاهر، (أقول بظلم واعتداء ظاهرين واضحين، وليس بمناوشات أو غلطات) وبما لا يستطيع رده إلا بالقوة. قال الله تعالى:﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة:190) ولأن يكون المسلم مظلوما خير له من أن يكون ظالما. أيها الحكام أيتها الشعوب، يحرم، ثم يحرم، ثم يحرم، القتال بين المسلمين مهما كانت الأسباب. ولا ينبغي أن يُرَدَّ على الحمية بالحمية، ولا على الغلط بالغلط، ولكم في كل الحروب الأهلية عبر وعبر، لمن اتعظ واعتبر، ولكم في الفتنة الكبرى دروس ودروس لمن لهم قلوب ورؤوس.
خامسا: الواجب على كل عالم فقيه مسلم مجتهد في العالم، أن يدعو المتنازعين المسلمين، إلى حل مشاكلهم بما أمر ربهم سبحانه وتعالى﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (النساء:59) فعلى كل المجامع الإسلامية العلمية الفقهية في العالم أن يدعوا المسلمين إلى ما دعا إليه الله رب العالمين، وأن ينصحوا بالتآخي، وأن ينصحوا الحكام ويبينوا لهم بأن عداوة المسلمين والاستعانة بالكافرين خيانة وجريمة لا يرضاها رب العالمين ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ وفي الحديث:[إنا لا نستعين بمشرك] ثم إن واجب العلماء العمل بأمر الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾(الحجرات:10)
سادسا: لا يجوز لعالم أن يفتي في قضية سياسية في بلد بعيد عنه، أو حتى في وطنه، حتى يتبين، ويتثبت، ويعلم أسباب القضية، وجزئياتها، وأبعادها، خاصة في القضايا السياسية، وأن يستطلع الخبر من الثقات المخلصين، وأن يستشير علماء البلد، فإن عَلِم الحق وتبين له القول الصالح، قال به. فالنقد قوامه العلم والتبين والإخلاص والنزاهة. وتذكر:﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾(الفتح:25).
سابعا: وفي كل الأحوال، قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾(النساء:128) واعلموا أن المتصالح المتسامح، الذي يعفو ويصفح، ويغفر ويسمح، مع إخوانه المسلمين، هو القوي وهو المنتصر، ولو ظهر للناس بأن موقفه ضعيف، فإن البطولة في الانتصار على الشيطان، وليس في الدوام على البغضاء والشنآن، فإن موقف النبي عليه الصلاة والسلام، يوم فتح مكة، عندما قال للذين ظلموه: اذهبوا فأنتم الطلقاء لم يقل ذلك لضعف، وإنما لأن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين.
ثامنا: والدعوة إلى الشعوب المسلمة بكل شرائحها، بكل شبابها وعلمائها، أن يتعاونوا على البر والتقوى، وأن لا يتعاونوا على الإثم والعدوان، ومن البر والتقوى التصالح والتسامح، والتآخي والتصافح. وقديما قال العاقل للجاهل:﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (المائدة:28) وفي الحديث الشريف:[فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ. لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ](البخاري:67)

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com