قضايا و آراء

القدس بين لحظتين تاريخيتين (1917م/2017م)/ عبد القادر قلاتي

ليس صدفة أن يكون يوم (6 ديسمبر2017م)، إعلان الولايات المتحدة الأمريكية -بقيادة “دونالد ترامب”- القدس عاصمة لدولة الكيان الصهيوني، فهذه اللحظة التاريخية لها دلالات كبيرة في وعي الحركة الصهيونية، تختزن الكثير من ملامح المشروع الاستعماري الغربي، الذي كافأ اليهود بأن منحهم أرضاً لإقامة دولتهم المزعومة، فهذا اليوم -لمن يقرأ التاريخ- هو اليوم الذي شهدت فيه مدينة القدس معركة سميت باسمها “معركة القدس” بين الدولة العثمانية وبريطانيا ممثلة للمشروع الاستعماري الغربي، ففي هذا اليوم دخل القائد الانجليزي “إدموند اللنبي” مدينة القدس، بعد هزيمة الجيش العثماني، وخروج القوات العثمانية منها.

منذ أيام استمعت لشريط فيديو للمفكر والكاتب اللبناني محمد السماك في محاضرة عقدت في بيروت بعد أيام من الإعلان المشؤوم، حضرها لفيف من القادة السياسيين اللبنانيين، شرح فيها الكاتب الكبير محمد السماك المغزى والهدف من إعلان “ترامب” القدس عاصمة للكيان الصهيوني، في هذا التاريخ بالضبط، رغم مرور عام على انتخابه، ورغم أنه كان قد أعلن ضمن حملته الانتخابية تعهده بإعلان القدس عاصمة لدولة الكيان.

يقول السماك في محاضرته شارحاً وموضحاً الأبعاد الدينية والسياسية لقرار “ترامب” قائلا: “قبل مائة عام تماماً وفي تاريخ السادس من ديسمبر عام 1917م تمكنت القوات البريطانية بقيادة الجنرال “اللنبي” من احتلال القدس بعد هزيمة قوات الدولة العثمانية، وحينما دخل الجنرال “اللنبي” القدس قال عبارته المشهورة: “الآن انتهت الحروب الصليبية”. لذلك فإن “ترامب” حينما أعلن قراره تعمد اختيار اليوم ليقول لنا بعد مائة عام بالتمام “لقد عادت الحروب الصليبية من جديد”.

وهو موقف يشبه موقفا آخر، حدث في مدينة عربية مسلمة وهي دمشق، فعندما احتل الفرنسيون العاصمة دمشق عاصمة الأمويين ومن بعده صلاح الدين الأيوبي الذي سبق وأن استرد القدس من الصليبيين كان أول ما قام الجنرال الفرنسي “غورو” هو أن ذهب إلى قبر صلاح الدين الأيوبي رضي الله عنه في دمشق، ووضع عليه حذائه العسكري وقال جملته المشهورة: [ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين].

إذن ليس صدفة أن يختار “ترامب” هذا التاريخ، وليس صدفة -أيضا- أن يسبق هذا التاريخ جملة من التحولات في الجغرافيا العربية، فهؤلاء القوم يصنعون تاريخهم، بينما نحن لا نقرأ التاريخ ولا نحافظ على الجغرافيا، وللقائل أن يقول أن هذه القراءة للأحداث التاريخية، ما هي إلا استمرار للفكر القائم على منطق المؤامرة، أما الواقع فليس لهذا الفكر سلطان عليه، لكننا تعلمنا من تجربتنا مع المشروع الاستعماري الغربي، أنّ التاريخ له النَّصيب الأوفر في الرؤية الغربية للعالم الآخر المختلف حضارياً، وأنَّ الأحداث التي صنعت وجودهم الحضاري، لها دلالات كبرى في صياغة تاريخهم الجديد كما القديم، ولهذا تنبه الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس رحمه الله، عندما احتفلت فرنسا بمرور مائة عام على احتلالها للجزائر، وهو احتفال له دلالة واضحة في أن فرنسا، أعلنت بهذا الاحتفال نهاية المقاومة لوجودها، لكن الشيخ أعلن بعد مرور سنة من هذا الاحتفال إنشاء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، لتكون بداية التأسيس لمرحلة جديدة من المقاومة الفاعلة، التي ستصنع التاريخ رغما عن فرنسا ومشروعها الاستعماري الخبيث.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com