حوار

«البصائر» في حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الكريم حامدي

*طلب العلم الشرعي فريضة عينـــية على كل مسلم ومسلمة * على الرغم من أن المجتمع الجزائري ما يزال متمسكا بدينه لكنه في حاجة إلى تعزيز ثقافته الإسلامية

حاوره :حسن خليفة/

هذا حوار في سلسلة الحوارات المخصوصة لقاماتنا العلمية (في كل الاختصاصات) والذي تعمل «البصائر» من خلالها (الحوارات) على تقديمهم للمجتمع ليتعرف عليهم وعلى أفكارهم وتصوّراتهم ورؤاهم في الإصلاح والتغيير والسعي نحو الأفضل دينا ودنيا.
حوارنا اليوم مع الأستاذ الدكتور عبد الكريم حامدي الأكاديمي والباحث والفقيه والداعية الذي قدم الكثير وما يزال كتابة وتدريسا وتعليما وإشرافا …وإلى الحوار

• تعريف بشخصكــم الكريم ومساركم العلمي والمــهني …؟
– اسمي عبد الكريم بن محمد الطاهر حامدي، من مواليد 1958، ببلدية تاشودة، دائرة العلمة، ولاية سطيف، انتقل بنا الوالد -رحمه الله- عام 1960 إلى قسنطينة، حيث استقرّ بنا المقام أوّلا، في حيّ «المنية» قرب بلدية «حامة بوزيان»، فقام الوالد بتحفيظ أبناء الحيّ القرآن الكريم، وحفظته على يديه وعمري لا يتجاوز اثنتي عشرة سنة، ثم انتقلنا إلى حي «عوينة الفول» قرب وسط المدينة، فاستقرّت العائلة هناك، واستمرّ الوالد في تعليم القرآن، أكملت الدراسة في المراحل الثلاثة- الابتدائي، والمتوسّط، والثانوي- ثم دخلت جامعة «منتوري» إلى أن تخرّجت منها بشهادة الليسانس في العلوم الطبيعية، وعيّنت على إثرها أستاذا في التعليم الثانوي إلى أن فتحت الجامعة الإسلامية أبوابها، فعدت إلى مدرّجاتها، وحصلت فيها على شهادة الليسانس، ثم الماجستير والدكتوراه في الفقه وأصوله، ودرّست بها سنتين ثم انتقلت إلى جامعة الحاج لخضر- رحمه الله- أين استقرّ بي المقام في التّدريس إلى الوقت الحاضر، كما درّست في عدد من مساجد قسنطينة، والعلمة، وسطيف.


• حدّثنا عن مؤلفاتك وعنايتك بعلوم الفقه والأصول؟
-وفقني الله تعالى لتأليف مجموعة من الكتب في الأصول، والمقاصد، والفقه، وأسباب الخلاف، وتحقيق البعض منها، ونشرت العديد من المقالات والدراسات في مجلات وطنية وعربية، ومن الكتب المنشورة:
1- توضيح الدّين على المرشد المعين، لفضيلة الإمام الشهيد محمد الطيب بوسنّة السّطيفي، شرح فيه المتن الشهير لابن عاشر، فقمت بتحقيقه.
2- الفيض الرباني في بيان معاني القرآن، لفضيلة الإمام محمد الحواس بوسنّة السّطيفي، فسّر فيه ربع القرآن من الفاتحة إلى سورة الأنعام، فقمت بتحقيقه.
3- المهذَّب في أسباب اختلاف فقهاء المذهب عند الإمام الرجراجي المالكي، وهو كتاب جمعت فيه المسائل التي اختلف فيها المالكية مع تخريجها على أسباب الخلاف وقواعده.
4- إرشاد القاري إلى فقه الأئمة الأربعة من صحيح البخاري لابن بطال المالكي، وهو كتاب اختصرته من شرح ابن بطّال على صحيح البخاري، واقتصرت فيه على مسائل الخلاف بين الأئمة الأربعة في العبادات والمعاملات، مع بيان أصولها وأدلتها.
5- المرجع في الفتوى مع الدليل من البيان والتحصيل لابن رشد الجد، وهو كتاب جمعته من موسوعة ابن رشد الفقهية في المذهب المالكي، اقتصرت فيه على بيان المسائل المقرونة بالدليل، مع التوجيه والتّعليل والترجيح.
أمّا عنايتي بالفقه والأصول، فترجع إلى قناعتي بأن الأحكام الشّرعية لا يمكن فهمها وتنزيلها إلاّ بمعرفتهما، فالأصول مفتاح معرفة الأدلة، والدّلالات، وإدراك قواعد وكيفية الاستنباط، وطرق دفع التعارض والترجيح بين النصوص عند تفاوتها في الثّبوت والدلالة، ومعرفة مقاصد الأحكام ومعانيها ومراتبها التي من أجلها شرعت، جلبا لمصلحة أو درءا لمفسدة. ثم توظيف تلك القواعد الأصولية والمقاصدية في معرفة أحكام الفقه، كإدراك مراتب الحكم، من وجوب، وندب، وكراهة، وحرمة، وإباحة، وأسباب، وشروط، وموانع، ورخص، وعزائم، وعموم وخصوص، وبذلك يتمّ فهم الخطاب الشّرعي، وتنزيله في الواقع العملي مع مراعاة مآل الحكم، وأحوال المخاطبين.


• كأستاذ جامعي، كيف تنظر إلى واقع الجامعة الجزائرية …علما ومعرفة وأخلاقا وسلوكا، وهل هي فعلا ـ قادرة على صناعة النخبة الراشدة؟ وإذا كان الجواب بالنفي ..فلماذا؟ وما هي الأسباب؟
– الجواب عن هذا السؤال، يجعلني أضع معيارا لأزن به مستوى أيّ جامعة في العالم، وليس في بلدي، وهو معيار المستوى العلمي للطالب الجامعي، ومعيار الإنتاج العلمي للأستاذ الجامعي أيضا. وانطلاقا من الواقع الجامعي في بلدنا، فإن المستوى العلمي والتّحصيلي لطلبتنا في منحنى انحداري خطير، يظهر ذلك جليّا على مستوى الدروس والبحوث والامتحانات، ففي رحاب المدرّجات يجد الأستاذ نفسه مضطرّا لأن يسأل نفسه ثم يجيب عن سؤاله، فالطالب حاضر جسديّا وغائب فكريا، وتمرّ المحاضرة دون تفاعل ولا سؤال، وكأنّ الأستاذ يحاضر على موتى، بل إن الطالب تمرّ عليه المحاضرة ويسأل عمّا فيها فلا يجيب، ناهيك عن غياب العدد الكثير من الطلبة دون مبرّر حتى أصبحت مدرجاتنا تشكو العزلة والوحدة.
أمّا على مستوى الامتحانات فإن الطالب يبحث فيها عن العلامة المنقذة له من الرّسوب والسّقوط فحسب، فلا يراجع المادّة العلمية إلاّ ليلة الامتحان، وبعد إجرائه ينفض يديه من تلك الملخّصات والحروز لتجد طريقها إلى سلّة المهملات، ولو اختبرته في السّؤال ذاته لأخفق في الإجابة عنه. فكيف يحصّل العلم والمعرفة من كان هذا غرضه ومقصده من الدّراسة؟ .
أمّا ما يتعلق بالبحوث ومذكّرات التخرّج، فإن أكثرها لا يرقى إلى مستوى البحث العلمي الأكاديمي، لوفرة النقائص مثل ركاكة الأسلوب، أو ضعف التركيب المنهجي، أو اختلاط الأفكار، بل إنّ الأستاذ أصبح يتحمّل العبء الأكبر في اختيار موضوع البحث، وهندسة خطّته، وتحميل مصادره وكتبه من الشبكة وإرسالها إلى الطالب، وأخيرا تصحيح أخطائه، وإعادة صياغة البحث؛ لينال القبول من اللّجنة المشرفة على التّقييم.


• إلامَ يعود ذلك في نظرك أستاذ حامدي؟
-يعود هذا التردّي في مؤسّسات العلوم الشّرعية إلى أربعة أسباب على الأقلّ:
ـ أولاهما: ما يتعلّق بالتوجيه الابتدائي للجامعة، فإن أكثر الطلبة يأتون من تخصّصات علمية لا علاقة لها بالفقه والأصول والتفسير والحديث وغير ذلك مما يدرَّس في العلوم الشرعية، فيجد كلّ من الأستاذ والطالب عبئا كبيرا في التّكوين والتّحصيل.
ـ وثانيهما: القيود المفروضة على الأستاذ من جهة إلزامه بالمذكّرة، التي أصبحت عائقا أمام حضور الطالب واجتهاده في البحث والتّكوين، وكذا إلزامه بأن يكون سؤال الامتحان من المذكّرة، ولا يخرج عنها؛ مما جعل الطالب يميل إلى الجمود والسّكون، ولا يعرف إلاّ مذكّرة أستاذه؛ مما أثّر سلبا على حراكه العملي والمعرفي.
ـ وثالثها: يرجع إلى ضعف المقروئية لدى طلبتنا؛ إذ لا يوجد من يداوم على قراءة مجلّة أو كتاب في مجال تخصّصه، فضلا عمّا وراءه، فالعلاقة بين الكتاب والطالب ضعفت إلى حدّ القطيعة، إلاّ إذا كان البحث مفروضا فإنه لا مفرّ للطالب من التّواصل مع الكتاب. أمّا القراءة والمطالعة؛ لا كتساب المعرفة والتثقيف، فإنها غائبة في المكتبات حتّى أصبحت كتبنا تشكو من الغبار والأتربة.
ـ ورابعها: ما يعود إلى الإحباط النّفسي، والقلق الذّهني للطالب من المصير المجهول الذي ينتظره عقب التّخرّج، حيث يبقى الانشغال الأهمّ له طيلة تواجده بالجامعة، وهو ما يؤثر سلبا على التّحصيل والتّكوين.
أمّا من جهة الإنتاج العلمي للأستاذ الجامعي، فإننا لم نصل بعد إلى مستوى ما في الجامعات المتطوّرة، فالبحث على المستوى الفردي أو الجمعي- أي المخابر- ما زال عاجزا عن مواكبة التحوّلات العالمية الكبرى، ويرجع ذلك في نظري إلى سببين اثنين على الأقلّ.
أولاهما: يعود إلى الأستاذ ذاته من حيث رغبته في البحث واجتهاده في الكتابة والتّأليف، فإنّ البعض يرى أن الحصول على الدّكتوراه كاف، وأنه بلغ النهاية من غير حاجة إلى مزيد، وما عليه إلاّ أن يجتهد في نشر ما يرقّيه إلى درجة الأستاذية؛ ليغلق بذاك باب البحث.
وثانيهما: يعود إلى صعوبات النّشر لدى من يرغب في الكتابة سواء في المجلات حيث يعاني الكثير في نشر مقال من أجل التّرقية، أو في المطابع التي تطلب مبالغ لا يقدر عليها الأستاذ لطباعة ما كتب، وهذا ما يثبّط عزيمة الكثيرين في الكتابة والتأليف، ويؤثر سلبا على الإنتاج المعرفي للجامعة عموما وللأستاذ خصوصا.
من هنا فإن صناعة النّخبة في مثل هذه الظروف أمر عسير، وعليه فالحاجة ماسّة بإلحاح لمراجعة جذرية للنظام الجامعي؛ ليكون هدف الطالب هو الحصول على المعرفة لا غير، وذلك برفع القيود التي تشجّع على النّجاح المجّاني، وبإيجاد مخارج مهنية، مريحة ودائمة له بعد التخرّج، وكذا إسهام الجامعة في نشر بحوث الأساتذة ومذكّراتهم وكتبهم؛ لتكون رافدا معرفيا وفكريا في المجتمع، كما هو الشأن في العديد من جامعات المشرق التي تتولّى طبع الرسائل الجامعية ونشرها.


• معرفة العلم الشرعي في الحدّ الأوسط، أو حتى الأدنى(المعلوم من الدين بالضرورة)… مطلب عقدي وإيماني وديني وحضاري قائم …ولكن الظاهر أننا بعيدون جدّا عن ذلك ..كيف تفسّر ذلك؟
– صحيح أن طلب العلم الشّرعي فريضة عينية؛ لتحصيل المعلوم من الدّين بالضّرورة، كالواجبات العينية في باب العبادات، أو في باب الحلال والحرام في العادات والمعاملات، أو في باب القيم، والسّلوك، والأخلاق. فلا يغني شيء عن شيء، بل الكلّ مطلوب من المكلّف، وهو الحدّ الأدنى المتعلّق بالذمّة الذي لا يعذر أحد بجهله، بل لايتحقّق المقصد من العبودية إلا به. وبالرّجوع إلى معاينة الواقع الاجتماعي فإننا لا نلحظ أثرا لذلك المطلوب العيني على المستوى المعرفي حيث الجهل والأمّية، أو السّلوكي حيث الانحراف ومخالفة الشّرع.
ويرجع ذلك لثلاثة أسباب على الأقلّ في نظري، أولاهما: غياب التعليم الشّرعي المبكّر في مؤسّساتنا التعليمية، حيث لا يأخذ التلميذ في حصّة التربية الإسلامية في الابتدائي والمتوسّط إلاّ النّزر اليسير من معلومات عامّة لا تفي بالحاجة والغرض من بناء معرفي رصين، قادر على تخريج أجيال عارفة بأصول دينها وقيمه، ومحصّنة من الشّذوذ والانحراف، وأمّا في الثانوي فإن تخصّص الشّريعة ألغي في العديد من الثانويات، كما أفرغ محتوى ما تبقّى من برامج فقهية وأصولية، وحديث وتفسير؛ ليصبح ثقافة عامّة لا تسمح بتحصيل المعارف الشّرعية، سواء الأصلية أو الفرعية. وثانيهما: غياب الدّور المعرفي للمسجد الذي انحصر في خطب الجمعة، والدّروس الرّمضانية، ولم يعد ذلك المسجد الذي كان عامرا بالحلقات العلمية عبر التاريخ الإسلامي، بل أصبح مهجورا إلاّ في أوقات الصّلاة؛ مما أدّى إلى انتشار الأمّية الدّينية في أدنى مستوياتها العقدية والتعبّدية. وثالثها: غياب الدّور المعرفي للمؤسّسات الإعلامية والمراكز الثقافية التي انحصر في الأخبار، والإشهار، والرّياضة، والحفلات، وغاب نشر الوعي الدّيني والثقافي بعقيدة الإسلام، وشريعته، وتاريخه، ولغته، بل أصبح الحديث عن الإسلام غريبا بين البرامج الأخرى، حتّى في رمضان استبدلت تلك الدّروس التي كانت تأتي في الماضي القريب عقب الإفطار بــــــــــ «سكاتشات»، و«أضحوكات»، لا تتلاءم مع شهر القرآن، وأهملت معها المناسبات الدّينية التي كانت تزخر بالدروس والأفلام والمشاهد الهادفة عن تاريخ الإسلام.
• كيف نعيد للعلم الشرعي «مقامه» العليّ اللازم …من خلال ما تراه في الواقع من إكراهات وعوائق وتنفير من الدّين؟
– مما سبق يتبين أنّ إعادة بعْث المجتمع بعْثا مَرْضيّا، متصالحا مع دينه وتاريخه ولغته يمرّ حتما عبر إعادة بعث التّعليم الشّرعي، وتعميمه في جميع أطوار التّعليم من الابتدائي إلى الجامعي، مع فتح تخصّص الشّريعة في كلّ الثانويات والجامعات، وإعادة النّظر في البرامج بما يتلاءم والتدرّج العقلي والفكري للطالب في كلّ طور، وكذا إدراج مادّة الثقافة الإسلامية في الجامعات في الفروع غير المتخصّصة في الشّريعة. كما يعاد النّظر في تفعيل دور المسجد لتعليم من لم يسعفه الحظّ في المدارس، فينال حاجته من العلوم الشرعية، وأخير للإعلام الدّور الفاعل في ترسيخ الثقافة الدّينية، وحمايتها من الانفلات، والاغتراب، والاستيلاب الحضاري المقيت من خلال البرامج الهادفة التي تربط المواطن بالوطن واللغة والتّاريخ والدّين.
• ماهــو الحدّ الأدنى مما لا يجوز أن يجهله المسلم والمسلمة من دينه وشريعته؟
-الحدّ الأدنى الذي يجب على المكلّف أن يعلمه، والذي لا يجوز له أن يجهله، هو ما يتعلّق بالفرائض العينية، ويمكن إجمالها في الأقسام الخمسة الآتية:
أولا/ أركان الإيمان السّتّ التي هي مفتاح الاعتقاد السّليم، والتّوحيد الصّحيح الخالي من الشّرك، وتتمّ بمعرفة الإلهيات المتعلّقة بالمعبود -جلّ جلاله- ذاتا وصفاتا وأفعالا، والواجب في حقّه والجائز والممكن، ثم النّبوات المتعلقة بمعرفة الرّسل، ذاتا وصفاتٍ وأفعالا، وما يجب على من أُرسل إليهم من الطّاعة والنّصرة، ثم الكتب المنزّلة على المصطفين والأخيار من الرّسل، وآخرها القرآن، وواجبات المكلّفين نحوه من الحفظ والتّلاوة والمدارسة والتّدبّر وحسن العمل، ثم عالم الغيب من الملائكة والجنّ، وأخيرا عالم الآخرة وما فيه من حساب وجزاء على التّكاليف والأعمال.
ثانيا/ معرفة أركان الإسلام المتعلقة بصحّة العبادة، كأحكام الطّهارة من المياه، والوضوء، والتيمّم، والغسل، وأحكام الصّلاة من شروط وأركان وسنن ومبطلات ومكروهات، وهي الفريضة اليومية التي تصل المسلم بربّه خمس مرّات، المشروعة لإصلاح الفرد والمجتمع من مظاهر الغفلة والعصيان إنْ أقيمت على الوجه الصّحيح بعيدا عن مظاهر الرياء والرّتابة والارتجال، ثم أحكام الصّيام الفريضة السّنوية الرّوحية، المشروعة لتصفية الباطن من مظاهر القسوة والغلظة والأنانية والشحّ، ثم أحكام الزكاة الفريضة الاجتماعية ذات المقصد التّكافلي والاجتماعي، وأخيرا أحكام الحجّ الفريضة العمرية ذات المقاصد العليّة في رحلة الخلود من الفانية إلى الباقية بكلّ ما تحمله من القيم والمعاني الرّوحية والنّفسية والاجتماعية.
ثالثا/ معرفة مبادئ السّلوك القويم، والأخلاق الحميدة، الفردية منها والأسرية، والاجتماعية، كالحياء، والعفّة، والصّبر، والإيثار، والسّخاء، والتواضع، والتراحم، والأخوة في الله، والبغض في الله، والتّكافل، والتّناصر، والإحسان، والعفو، والتّسامح، والنّصح والتّناصح، وترك أضدادها من الأخلاق السيّئة المنافية لتعاليم الإسلام، كالحسد، والحقد، والشحّ، والكبرياء، والرياء، والأنانية، والظلم، والإساءة، وغيرها.
رابعا/ معرفة أصول الحلال والحرام، في المأكل، والمشرب، والملبس، والاجتماع، والكسْب بمراعاة الحلال الطيّب، وترك الحرام الخبيث، واتّقاء المتشابهات حتّى يعلم حكم الله فيها.
خامسا/ معرفة أحكام الزواج، وبناء الأسرة الصّالحة بالقيام بالحقوق الزوجية، وتربية الأبناء التربية الصّالحة المنشودة.
هذه أهمّ ما يجب على النّشء ذكورا وإناثا معرفته على سبيل الحتم والإلزام من الفروض العينية، والواجبات الدّينية، التي لا تصلح الحياة إلاّ بمعرفتها وحسن العمل بها، فليست مقصودة لذاتها؛ إنما لتحقيق غاياتها من صلاح الفرد والأسرة والمجتمع.


• كيف تبدو لك صلة المجتمع الجزائري بالدّين من خلال ملابستك للإفتاء، وتدريس الفقه وأصوله؟
-من خلال معايشتي للمجتمع، ومسايرتي للواقع الدّيني منذ سبعينات القرن الماضي، فإن الملاحظ أن المجتمع بقي متمسّكا بدينه وهويته العقدية رغم مشاهد الانحراف الفردي، ومحاولات التّغريب الهادفة إلى سلخ المجتمع عن قيمه. وما اندفاع الناس نحو بناء المساجد، ومدارس القرآن، والإسهام في العمل الخيري الإسلامي إلاّ مؤشّر على صحوته الدّينية، ويقظته الرّوحية، كما أن إقبال الطلبة على تعلّم العلوم الشّرعية دليل على رغبتهم في التديّن الصّحيح، وكذا اعتلاء الكثير من الشّباب منابر الخطابة في المساجد دليل على الرغبة في خدمة الدّين ونشره بين فئات المجتمع. وقد بلغت صلة المجتمع بدينه أوج قوّتها أيام الصّحوة المباركة التي أسهمت في زرع الوعي الدّيني والخلقي بين فئات المجتمع، فصحا الشّباب من غفلته، وعاد إلى رشده، وتخلّقت الفتاة بأخلاق الإسلام وتعاليمه، وهبّ المجتمع هبّة قويّة في التّمسّك بالدّين، ظهر ذلك من خلال ترك الغناء والسّفور والمجون، وهجر العادات والأعراف والتّقاليد المنافية لتعاليم الإسلام في الولائم والأعراس والأعياد والجنائز، وظهرت تباشير صحوة دينية قويّة لولا ما أصابها من معوّقات، كان من آثارها تراجع العمل الدّعوي، والانغماس الكلّي في العمل السّياسي؛ مما قلّل من الخطاب الإصلاحي والتّربوي. ونتج عن ذلك التّراجع المؤسف ما نلحظه من مظاهر السّفور، والاختلاط غير البريء، والحجاب المزيّف، وقلّة الحياء، وانتشار الجريمة والآفات الاجتماعية. وعليه فإن العودة إلى الخطاب الدّعوي والإصلاحي، وتطهير البيئة مما ينافي التّديّن السّليم كفيلان بالتّغيير نحو الأمثل، والعودة إلى الأصالة، وصناعة جيل متصالح مع قيمه وتعاليم دينه.
• ثمة قضية مفصلية في حركة المجتمع نحو الأسفل، وهي تتمثل في منحنى التردّي المتمثل في كثرة الفساد وشيوع الانحراف (الرشوة ـ الغش ـ الفواحش ـ الإجرام ـ الطلاق، والخُلع ـ الخ ..كيف تقرأ كباحث وداعية وفقيه كل هذا؟
-صحيح ما نراه من التردّي والهبوط نحو مستنقع الفساد ظاهر للعيان، لا يخفى على أحد، حتّى أصبح حديث الصّحافة والإعلام، ويرجع ذلك في نظري إلى الأسباب الآتية:
أولا/ انحصار الدّين في الشّعائر التعبّدية المسجدية، والمناسك الموسمية، من غير أثر لها في الحياة المالية والاجتماعية والسّياسية، فلم يعد الدّين زاجرا، ولا وازعا من فشوّ الرّشوة والجريمة والطلاق والخلع، وغيرها من الآفات.
ثانيا/ الانفلات مما فرضه الدّين من العقوبات على مستوى القضاء والمحاكم، فلم يعد له سلطان في الرّدع والزّجر، واستبدل بالقوانين الوضعية التي لم تتمكّن من علاج الآفات الاجتماعية، والظواهر السّلبية التي تفتك وتنخر بالمجتمع.
ثالثا/ تولية من لا يستحقّ، وتنصيب من لا يؤتمن، وتوسيد الأمانات إلى غير أهلها من ذوي الكفاءات والأخلاق زاد من انتشار الانحراف، وهيمنة الفساد.
من هنا لا بدّ من إعادة قراءة للدّين في تعاليمه وقيمه، وأغراضه ومقاصده، وتصحيح رؤية الناس له، وتطبيق قوانينه وأحكامه بما يعود بالخير والصّلاح على الفرد والمجتمع، فالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاق، ولا يمكن فصل بعضه عن بعض كما فعل أهل الكتاب في الماضي حين أخذوا ببعض ما في كتبهم من التعاليم والأحكام وتركوا البعض الآخر، فكفروا بذلك كما سجّل ذلك القرآن عليهم في سورة المائدة. فالدّين لا يفرّق بين العبادات والمعاملات، ولا بين ما يخصّ الفرد والأسرة والمجتمع، ولا بين المال، والاقتصاد، والحكم، والقضاء، والسّياسة. فقد جاء لحفظ الكلّيات الكبرى، كحفظ العقائد من الكفر والشّرك والّزندقة والشّعوذة، وحفظ العبادات من البدع والخرافات والضّلالات، وحفظ النّفس من الأمراض والأوبئة وجرائم القتل العدوان، وحفظ الأعراض من القذف والتّنابز، وحفظ النّسل من الانقراض والتّعطيل، وحفظ الأنساب من الجهالة والاختلاط، وحفظ العقل من المسكرات والمخدّرات، وحفظ المال العام والخاص من الرّشا والتّبذير والنّهب والغلول، وحفظ الحريات العامّة والخاصّة، وحفظ الحقوق المادّية والمعنوية، وحفظ الأخلاق الفردية والجماعية، وإقامة العدل والمساواة بين الناس. إن النّظرة الجزئية والتّبعيضية للدّين وقوانينه، وغياب هذه الرّؤية الجامعة لأحكامه هو الذي أوصل المجتمع إلى هذه الاهتزازات والاضطرابات، والهبوط به إلى مستنقع الفساد.
• هل لتحوّلات المجتمع الجزائري المتنوّعة في كل المجالات تقريبا دور في تغيّر حياة الجزائريين؟ وما علاقة ذلك بالانفلات من الدّين والأخلاق والبعد عنهما، أم أنك ترى العكس؟
-لا يمكن للتّحوّلات التي تطرأ على المجتمع أن تكون سببا في الانفلات من الدّين والقيم والأخلاق، وشيوع الانحراف والفساد، بل إن ذلك راجع إلى خلل في النّفس والضّمير والمجتمع، ومؤسّسات التّربية والحكم والقضاء، فالتّطوّر العلمي والمعرفي والإعلامي، وما صاحبه من تحوّلات اجتماعية واقتصادية وسياسية لا تقتضي بالضّرورة التّخلّي عن الدّين والانفلات من تعاليمه وأخلاقه. وخيرُ دليل على ذلك أن الصّحابة- رضي الله عنهم- الذي عاشوا في البادية، والصّحراء العارية، لم يغيّروا ولم يبدّلوا عندما فتحوا فارس والرّوم والقسطنطينية وشمال إفريقيا وبلاد الأندلس، ولم يلههم ما وجدوه من حضارة وتقدّم عن تعاليم الإسلام، وقيمه وأعرافه، بل اندمجوا في تلك المجتمعات مع الحفاظ على الثّوابت والتّكيّف مع المتغيّرات، بخلاف مجتمعاتنا اليوم التي تأثّرت بالحضارة الغربية في جوانبها المادّية السّلبية، ولم تستثمر باقي الجوانب المعرفية والتّكنولوجيه في ازدهار شعوبها. والإسلام لا ينكر تغيّر الفتوى والأحكام بتغيّر الأحوال والأعراف، ولا تغيّر أحوال المجتمع في المعيشة من مأكل ومشرب وملبس ومأوى، ولا يحمل الناس على الجمود والعيش على صور الماضي ونقلها للحاضر، بل يسوسُهم بما يحقّق المصلحة في الزمان والمكان والحال؛ لذا وجدنا الإمام الشّافعي يغيّر الكثير من الفتاوى التي أفتاها بالعراق عندما حلّ بمصر نظرا لتغيّر البيئة والعرف والتقاليد الاجتماعية، أمّا الثوابت والقيم والأخلاق فلا يوجد سبب لتركها، أو استبدالها وتغييرها بقيم منافية لتعاليم الدّين، كالصّدق، والأمانة، والإخلاص، والعفّة، والحياء، والعدل، والإحسان، والمروءة، وغيرها من المكارم والمحامد.
• هل يمكن أن تقترح خططا للتّمكين والتحصين في المجال الدّيني والأخلاقي للمجتمع كله، وما هي مسؤولية النّخَب العالمة، وأيضا ماهي مسؤولية السلطة التي بيدها الأمر ؟
-ذكرت فيما سبق أن الخلاص من الأمّية والجهل يكمن في نظام معرفي وثقافي وإعلامي هادف يرقى بالمجتمع إلى ما يصبو إليه من التقدّم والازدهار المادّي والقيمي، والذي يتمثل في بناء مدرسة قادرة على تخريج الكفاءات والقدرات في كلّ المجلات التي يتطلّبها المجتمع في المعرفة والتّنمية والقضاء والسّياسة والاقتصاد. أمّا تحصين المجتمع من الانحراف والآفات فإنه يبدأ من تربية الطّفل في مراحل الطفولة الأولى، وذلك بنشر الوعي الدّيني في الأوساط العائلية والحواضن التّربوية، ثم المدرسة والمسجد اللذين يكملان الدّور العائلي في التّربية والتّعليم، والتوجيه والإرشاد، ثم الإعلام الهادف القادر على استثمار الأدوار السّابقة في بناء جيل متمسّك بدينه وقيمه، ومعتزّ بوطنه وتاريخه، ثم يأتي دور العلماء ورجال الفكر والإصلاح في مختلف المجالات من أجل التّنظير والتّخطيط واستشراف المستقبل، ثم للقضاء دور فعّال في حفظ الحقوق، وإقامة العدل، ورفع الغبن والظّلم، وأخيرا الحكم الرّاشد الذي يحفظ دين المجتمع وأصالته وقيمه، ويسعى للتّمكين له بإقامة تعاليمه، وتنفيذ أحكامه، والذّبّ عنه من التّغيير والتّبديل، والانفلات والانحلال.
• يكثر طلب الجزائريين والجزائريات للاستشارات الفقهية في القنوات الفضائية الوطنية وغيرها ..بمَ تفسّر ذلك، وما هو السّبل إلى تلبية هذا الاحتياج الفقهي وما تفسيره قبل ذلك ؟
– صحيح أنّ الإقبال على القنوات الفضائية الوطنية وغيرها لافت للنّظر منذ أن تحرّر الإعلام، فظهرت القنوات ذات التوجّه الدّيني، ونشطت حركة الإفتاء والاستفتاء، وهي أمارة على صحوة المسلمين في التّعرّف على الجائز والممنوع، والحلال والحرام في أمور العقيدة والشّريعة والأخلاق، وبذلك أصبحت القنوات رافدا من روافد العلم والمعرفة بالدّين؛ لكون الوصول إليها ميسورا، وسريعا، وغير مكلّف، حيث يمكن للمستفتي أن يسأل من يشاء في لحظة من الزمن، وللمفتي أن يجيب من شاء من غير عناء ولا تعب، من غير أن يتطلب ذلك الحضور، أو التنقّل، أو الانتظار. لكن ما نشاهده اليوم من التّجاسر على الفتوى، وأخطاء المفتين، والتّضارب فيما يفتون، يقلّل من فائدة هذه القنوات، ويعطّل الغاية منها، بل يصيب عملها في المقاتل؛ لذا لا بدّ من إعادة النّظر في تنظيم عملية الإفتاء، بتكوين المفتين ذوي الكفاءة، الحاصلين على ما يؤهّلهم للفتوى من الشّروط التي وضعها العلماء، ويكون تحت إشراف الهيئة العليا للإفتاء في البلد.
• ما هي أهم المشكلات في حياة الجزائريين (فقها وشرعا) حسب رؤيتك وفهمك وتواصلك مع الناس؟
-من خلال ما أسمعه في القنوات الفضائية، وما يردني من أسئلة، فإنّ الغالب فيها يمكن حصره في ثلاث مشكلات:
الأول: ما يتعلّق بالخلافات الزوجية، حيث يكثر النزاع بين الزوجين لأسباب أهمها: عمل المرأة خارج البيت طول النهار، مما يؤثر سلبا على الاستقرار العائلي، وكذا إهمال الزوج وعدم المبالاة بواجباته نحو أبنائه وزوجته، ومنها انعدام الثقة بين الزوجين، وكذا التدخّل الأسري في حياة الزوجين. وهذا ما يعرّض العلاقة الزوجية للاهتزاز الذي يؤدّي في غالب الأحيان إلى الخلع أو الطلاق.
الثاني: مشكلة الميراث داخل البيت العائلي، وبين أفراد الأسرة، حيث يكثر النزاع والخصام المؤدي إلى السّباب والشّتم والقطيعة، والظلم المتمثل في تفضيل بعض الأبناء على بعض، أو حرمان البنات؛ أو تعطيل قسمة التركة لسنوات عدّة حتّى يموت الكثير من الورثة، ولا يستفيدون من حقّهم في الميراث؛ مما يؤدي إلى تعكير صفو العلاقات الأسرية، والوصول إلى المحاكم التي تعطّل الفصل في الميراث لسنوات، بسبب انعدام الوثائق وغيرها من الإشكالات.
الثالث: القروض البنكية التي يسأل عنها الكثير من الناس خاصّة الشباب منهم الباحث عن الشّغل، أو السّكن، أو الزواج، وغير ذلك من المصالح، ويرجع إلى سببين اثنين، أولاهما: غياب التّكافل الاجتماعي، والتّضامن بين أفراد المجتمع، فلا يجد الفرد من يعينه، ولا من يقرضه، ولا من يتكفّل بحاجاته، ثانيهما: غياب القرض الحسن الخالي من الرّبا المحرّم، فيقع المحتاج في الحيرة مما ينتظره من المصاعب. وحلُّ هذا المعضلة على عاتق المجتمع والدّولة معا بإقراض المحتاجين، وإنظار المعسرين، والعفو عن العاجزين، وبذلك يرتفع الغبن عن الناس، وتسدّ حاجة الناس، ويعيش المجتمع في طمأنينة وأمان.
• كيف تنظر إلى حركة ونشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بصراحة ؟ وهل أداؤها مُرض بصفة عامة؟ وماذا تقترح في هذا الجانب على الجمعية ..التعليم الشرعي وتفقيه المجتمع ؟
-جمعية العلماء المسلمين هي امتداد للجمعية الأمّ التي أسّسها الشيخ عبد الحميد بن باديس ما دامت تحمل مبادئها وتسعى لتحقيقها، وهذا ما جعل الناس من مختلف الفئات يلتفّون حولها، ويثقون في برامجها. وقد أثبت رجالها والعاملون في حقولها الكثير من النّجاحات في شتّى الميادين العلمية والثقافية والخيرية، من خلال الملتقيات، والتّظاهرات، وكذا فتح مدارس تحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشّرعية في مختلف ولايات الوطن. وإن نجاح الجمعية مرهون بمدى الوفاء بمبادئها التي قامت عليها، ونهضت للدّفاع عنها، وهي تحقيق النّهضة الشاملة للأمة الجزائرية، لغة، ودينا، وثقافة، وتربية، وتنمية، واقتصادا، وهذا لا يتم إلاّ عبر العمل الإصلاحي الشّامل في مختلف المجالات، مع مراعاة الثوابت والمتغيرات، وحاجة الشّباب والشّابات، وكذا استثمار الوسائل التّقنية الحديثة في توصيل خطاب الجمعية داخل الوطن وخارجه من خلال وسائل الإعلام المتاحة، وكذا الاستمرار في تعليم الناس من مختلف المستويات بما يرفع الجهل والأمّية، ويضمن سلامة الوعي والتّفكير الرّشيد، وحماية الشّباب من الانحراف والانفلات من القيم وتعاليم الإسلام، ورعاية الفتاة المسلمة خاصّة من الانحلال والانجراف نحو الرّذيلة، ونشر الوعي بالرّسالة الخاتمة الملقاة على عاتق علماء الأمّة في التّمكين لهذا الدّين.
• كلمة أخيرة:
-أشكركم الأستاذ حسن على إدارة هذا الحوار متمنّيا لكم موفور الصحّة والعافية، وأشكر القائمين على جريدة البصائر، متمنّيا لهم مزيدا من النجاح والتّوفيق، وآخر دعونا أن الحمد لله ربّ العالمين.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com