على بصيرة

الجزائر في مواجهة الغلاء والوباء وكيد الأعداء

أ.د. عبد الرزاق قسوم
رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين/

ما فتئت بلادنا العزيزة، الجزائر، منذ استعادة استقلالها، ومساعي المخلصين من أبنائها لتثبيت سيادتها، ما فتئت تعمل، رغم الداء والأعداء، على إثبات وجودها وطنيا ودوليا.
غير أن التحديات ما انفكت تتكاثر في محاولة لوضع العراقيل أمام طموح الجزائريين، في بناء دولتهم المستقلة والقوية، والموحدة..

لم يستسلم المستعمرون لما أصابهم من هزائم فراحوا يزرعون الفتن، ويعمقون المحن، ويعملون على تخريب الوطن.
فإلى جانب سلب الجزائري هويته، راحوا يفرغون العقل الجزائري من انيته، ويزعزعون وعيه بإبعاده عن سحنته وشحنته، وخصوصيته.
وهكذا، وبعد العشرات من السنين بحصول الجزائر على استقلالها يجد الراصدون لمؤشرات تطور نموها، أنها، وهي البلد الغني بالثروات، والزاخر بالكفاءات، لا تزال في الصفحة الأولى من سجل التطورات.
فهي تواجه اليوم، إلى جانب الغلاء، والوباء، شتى مكائد الأعداء، وما ذلك إلا لتفشي المفسدين الدخلاء، وزرع المزيفين العملاء.
أليس من الغباء أن تصير الجزائر ذات الكنوز، والرموز إلى هذا المستوى من الهشاشة فتمد عينيها إلى صندوق النقد الدولي ليستخف بها، وإلى البنوك الأجنبية، لتستعيد مالها المهرب من العصابة باسمها.
ألا يمكن القول أننا نكبنا بذلك بما كسبت أيدينا، بالبعد عن القيم الدينية والإنسانية، والتنكر للثوابت الوطنية، فسلط الله علينا الوباء والغلاء فتفشت في مجتمعنا البطالة، والسرقة، ولدى شبابنا المخدرات و «الحرقة» ولدى تجارنا الجشع وانعدام الشفقة؟ عار على وطن يزخر بالخيرات، ويفيض بالنعم المختلفات، أن يشيع فيه الغلاء.
فالغلاء يأتي بسبب عدم وعي المنتجين، وضعف تطبيق القوانين، وغفلة أو غباء المستهلكين.
أما آن لنا أن نعيد الأمور إلى نصابها، فنحدث التوازن المفقود، وننظم الإنتاج الموجود، ونرشد وعي التاجر الجشع الحقود؟
إننا والحمد لله لا نعاني من ندرة في المواد، ولا نشكو مبالغة الضرائب في السداد، ولا نستورد المواد العلاجية بواسطة الجمارك والمزاد.
كل ما هنالك وجود جشع وطمع، ولهفة ووجع، مما أنهك جيب المواطنين وظلم الفلاحين المنتجين، وقدم صورة بشعة عن سلوك الجزائريين.
وما يقال عن الغلاء، ينطبق على الوباء، فلا يزال انعدام الوعي، واللا مبالاة هو ما يطبع تعامل المجتمع مع الجائحة المبيدة.
يقال إن الوقاية خير من العلاج، فكيف إذا أحجم المواطن عنهما معا، فلا هو يحترم الإجراءات الصحية، من وضع النقاب، والتباعد بين الأبدان، وتفادي التجمعات بين بني الإنسان.
كما أنه، أي المواطن، يعزف عن التلقيح، ولا يريح، ولا يستريح؛ وكم كلفتنا هذه النماذج من السلوك، من الضحايا، وها نحن نحترق من هذه الشظايا.
ليت شعري! أيستيقظ بنو وطني من هذه الغفلة فيعيدوا لحمة البناء، ويعلوا عمارة الإخاء ويقفوا صفا واحد لمقاومة الغلاء، والوباء، والغباء؟
وما ينبغي التنبيه إليه، في ضوء كل هذا، هو أن ما أصابنا هو جرح نازف، ضاعف من هوله كيد الأعداء، فهناك فخاخ منصوبة، تعمل على هد هدة النائمين حتى لا يستيقظوا، ووضع العراقيل أمام القائمين حتى يستيئسوا، وبذلك يخلو لهم وجه الوطن، حتى يتسللوا، ويستقروا.
ويكفي أن نسوق على سبيل المثال، فتنة التطبيع مع الأعداء، والاستقواء بهم على الأشقاء، وتلغيم الحدود بالأسلحة المعادية للاستجداء.
ثم هذه التوترات السائدة في كل قطر عربي، وما نتج عنها من دمار وبوار، أليست حلقة في سلسلة كيد الأعداء الذين يتربصون بنا؟
إن ما يعانيه الوطن، مصدره عوامل مشتركة عديدة، منها ما يعود إلى ضعف السعي وقلة الوعي، ومنها ما يتعلق بجريمة البغي، والخيانة والنّعي.
إنه ليحز في قلوبنا –والله- أن نرى الأوطان تتهاوى، وتتردى على أيدي أبنائها، وهم قادرون بلحظة وعي على استدراك الأمر، ورأب الصدع.
وإن تعجب، فاعجب لأمة تملك الدستور الواقي، والجدول الساقي، والقانون الباقي، ومع ذلك تعاني الكيد والهوان، والغلاء، والوباء، وعدم الاطمئنان.
إننا نملك العلاج الشافي لكل ما نعانيه، بشرط واحد، وهو أن نعي ما نحن فيه، وأن نسمو عما تردينا فيه.
حذار يا إخوتي ! فإن الوطن أمانة نتحمل مسؤولية حمايتها جميعا من كل أنواع الآفات. فإذا وعينا واتحدنا، وتسامحنا نستطيع أن نهزم الروح الانهزامية فينا، وأن نقضي على كل مكائد الأعداء التي تستهوينا، ولن يكون البقاء في الختام إلا للوطني الصادق الهمام.
اللهم أبعد عنا الغلاء والوباء، واكفنا كيد الأعداء.

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com