قضايا و آراء

علــــــــوم الحــــديث.. العلومُ المتعلقةُ بالسنة النبوية الشريفة علومٌ جليلةٌ..

عبد العزيز بن سايب/

في بداية التزامي في مرحلة الشباب بمسجد حَيِّنَا «مسجد الفتح» لم نَكُنْ مَعْشَرَ الشبابِ نعرف شيئا عن هذه العلوم.أو ندرك أهميتها.. ربما الوحيد الذي كان يدرسها من أعلام قسنطينة هو الشيخ سفيان ابن الشيخ الحسين لثلةٍ من طلابه، بمسجد الصمد، في كتاب «علوم الحديث ومصطلحه» للدكتور صبحي الصالح اللبناني، رحمه الله تعالى.
كان قُصارى معارفنا أسماء دوايين السنة كالموطأ والصحيحين والسنن.. ولم تكن مباشرتنا إلاّ للأربعين النّووية حفظا وشرحا، أو حديث الصباح الذي كان يَشرحه الإخوةُ الكبار بعد صلاة الصبح مباشرة في المسجد لعامة الناس..وإخاله من كتاب الجامع الصغير للسيوطي.
ولم أَذُقْ طعمَ ولَذَاذَةَ هذا العلم إلا في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية في مدينتنا قسنطينة..
فمن المقرر في السنة الأولى جامعي مادة علوم الحديث، وهي مادة سَنوية، من محاضرة وتطبيق، المحاضرةُ من إلقاء الأستاذ الفاضل د. فَخْرِي أبو صَفِيَّة، -رحمه الله تعالى – وهو أستاذ من الأردن الشقيق، فلسطيني الأصل، وتخصصه العلمي في السياسة الشرعية. وكان غالب اعتماده على كتاب د. صبحي الصالح -رحمه الله تعالى – وعنايته بالرد على شبهات المستشرقين حول السنة النبوية..
أما التطبيق فكان من تدريس سيدي الشيخ د. عبد الحميد قُوفِي، حفظه الله تعالى، وكان وقتها شابا في العشرينات..أظنه 27 عاما..لذلك كان قريبا جدا مِنَّا.. حديثَ عَهْدٍ بالْمَقْدَمِ من السعودية حيث تخرج في مرحلة الليسانس من جامعة الرياض..
سبق أن تَعَرَّفْتُ عليه في بيت سيدي الشيخ د. نور الدين صغيري في حي الزيادية بقسنطينة.. حيث كان بيته ملتقى لكثير من الطلاب والشباب والأساتذة..
كان لحصة الأستاذ قوفي الأثرُ العميقُ في حب هذه المادة..بل عشقها والتعلق بها..
كانت حصته حصةً للعلمِ ورفعِ الهمةِ في الطلبِ.. والشوق للرحلة في طلب العلم.. خصوصا عندما يحدثنا عن شيوخه.. ورحلاته..
وإن أنس فلا أنسى ذلك اليوم الذي حدَّثا فيه عن رحلته للهند.. حين زار محدِّثَ الهند الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي -رحمه الله تعالى – في «دُيُوبَنْدْ».. تملكنا العَجَبُ بما وصفه لنا من أحوالِهِ وزهدِهِ وبساطةِ ثيابِهِ وتواضعِ مسكنِهِ..
قال الأستاذ قُوفي: لما زرناه في غرفته وجدناه جالسا على بِسَاطٍ في الأرض وبقُرْبِهِ طاولةٌ صغيرةٌ وحوله الكتب والمخطوطات.. كان يرتدي ثيابا بيضاء بسيطة جدا.. على جذع بدنه رداءٌ إلى الركبة وسروايل عريضة تحته.. وربط رأسه بعصابة بيضاء أيضا..
وخرج معنا تكريما لنا ليُرينا قريتَه.. فتسابق الناسُ لرؤيته مُسلمُهم وكافرهم.. واشرأبتْ أعناقُهم للُقيا الشيخ الأعظمي الذي قَلَّمَا يخرج متجولا.. لانشغالِهِ وضيقِ وقتِهِ..
وكذلك مَتَّعَنَا بأخبار زيارته لندوة العلماء في «لَكْنَوْ»، ووصف لنا شيخها ومديرها فضيلة الشيخ أبو الحسن الندوي -رحمه الله تعالى – وما كان عليه من الزهد في الملبس والهيئة والمسكن مع موفور الهيبة وعلو المنزلة..
كانت حصةً سماوية شَعَرْنَا كأننا نُحَلِّقُ في أجواء لا سبق لنا بطعمها أو نكهتها.. عَرَجَ بنا في سماء فسيحة..
فُتِنَّا بقصة رحلته إلى الهند ومن لَقِيَهم من المشايخ الفضلاء الزهاد.. وما أجملها من فتنة.
من وقتها غُرِسَ في فؤادي الرحلةُ في طلب العلم.. وزُيَّن في خاطري الرحلة إلى الهند والانتساب لجامعة ندوة العلماء دراسةً.. لِمَا كنتُ أُكِنُّهُ من الإعجابِ والحبِّ للشيخ أبي الحسن الندوي لقراءتي من كتبه أيام بداية الالتزام ككتابه «ربانية لا رهبانية» و«ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» ولما رأيتُهُ له من محاضرات عند مشاركته في ملتقى الفكر الإسلامي الذي كانت تنظمه وزارة الشؤون الدينية الجزائرية.
والحصة التطبيقية عند الأستاذ «قوفي» دراسة لبعض نصوص كتب المصطلح، كاختصار علوم الحديث لابن كثير، مع تكليف الطلاب ببحوث، والبحثُ الذي اخترتُه هو عن «الحديث الموضوع». فتناولته من خلال كلام علماء المصطلح في كتبهم، ومن حسن حَظِّي وُجودُ رسالةِ دكتوراه في الأزهر الشريف عنه، في 3 مجلدات، وجدتها في مكتبة الجامعة..أعانتني كثيرا..كما قرأتُ كتابَ الموضوعات لابن الجوزي كاملا مع تلخيص السيوطي المطبوع في أسفله.. لأُعطي أمثلة جديدة غير مطروقة.. جُمَلٌ ملصقةٌ موضوعةٌ على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم -.تُضحكني أحيانا وتُغضبني كثيرا..ومن الأحاديثِ الموضوعةِ المكذوبةِ السَّمِجَةِ التي عَلِقَتْ بذهني: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ الْفَرَسَ فَأَجْرَاهَا فَعَرَقَتْ، ثُمَّ خَلَقَ نَفْسَهُ مِنْهَا». قبحَ الله واضعها.. ما أَبْرَدَ عقلَه وحوَّاسَه ودمه..
للشيخ د. قوفي فضل في تعليمي علوم الحديث وحبها والتعلق بهذا الفن، والعناية به، كما له عليَّ أَوَّلِياتٌ علميةٌ لم أعرفها إلا من طريقه..منها معرفة الشيخ محدث الهند حبيب الرحمان الأعظمي، -رحمه الله تعالى – والشيخِ البَرَكَةِ الرباني عبد الفتاح أبو غدة، -رحمه الله تعالى – ومؤلفاته وتحقيقاته الحديثية، وكان كثيرا ما يحدثنا بشغف عنه وعن درسهم عنده كتاب معرفة علوم الحديث لابن الصلاح في الرياض.
وعن طريقه أيضا لأول مرة أسمع عن كتاب رسالة المسترشدين للمحاسبي والتعليقات البديعة للشيخ أبو غدة، بل أول نسخة حصلت عليها من هذا الكتاب هو صورة طبق الأصل صورناها عن نسخة الشيخ قوفي التي كان درسها على يدي الشيخ أبو غدة، -رحمه الله تعالى.
وهكذا فالأستاذ الناجح هو الذي يُحَبِّبُ لطلابِهِ العلمَ عمومًا ومادتَه خصوصا..
جزاك الله كل خير أستاذي الفاضل.. ورحم الله شيوخك وجزاهم عني وعن طلبة العلم كل خير..

اظهر المزيد
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

مرحبا بكم في الموقع الرسمي لجريدة البصائر

 

تفتح جريدة “البصائر” صفحاتها للأساتذة الجامعيين والمؤرخين والمثقفين، لنشر إسهاماتهم في شتى روافد الثقافة والفكر والتاريخ والعلوم والأبحاث، للمساهمة في نشر الوعي والمبادرات القيّمة وسط القراء ومن خلالهم النخبة وروافد المجتمع الجزائري.

على الراغبين والمهتمين إرسال مساهماتهم، وصورة شخصية، وبطاقة فنية عن سيرهم الذاتية، وذلك على البريد الالكتروني التالي:

info.bassair@gmail.com